الانتظار الأخير
شخوص التجسيد
• العائد
• الباقي
(إضاءة خافتة جدًا. صوت مطار بعيد كأنه قادم من الذاكرة لا من المكان. العائد جالس وحده منذ زمن. حقيبته عند قدميه. يلمسها كمن يطمئن على نبض.)
العائد:—الغريب في الحقائب أنها تعرف أكثر مما تحتمل.كل مرة أفتحها
تخرج منها وجوه وأصوات وأماكن لم أعد أجرؤ على زيارتها.(يصمت)أنا لستُ مسافرًا…أنا مؤجَّل.
(يدخل الباقي. خطواته ثقيلة. يقف بعيدًا.)
الباقي:—تتحدّث مع حقيبتك؟
إذن أنت مثلي…لم يعد لدينا بشر كفاية.
العائد:—(يبتسم بمرارة)الحقائب لا تقاطعك..ولا تخوّنك..ولا تطلب منك موقفًا…او حساباً،،
(يجلس الباقي)
الباقي:—هل تعرف ما الذي أكرهه فعلًا؟
أنني لم أعد أحب هذا المكان ولا أجرؤ على كرهه…الكره يحتاج شجاعة،
وأنا استهلكت شجاعتي في الطوابير
وفي الصمت وفي تبرير البقاء…ما كنت اصدق أني اتحمل كل هذا الضيم والقهر من أجل لاشيء!!
العائد:—أنا كرهتُ الأماكن كلها. المدينة التي سكنتُها في الغربة
لم تؤذني،لكنها لم ترحمني.كانت نظيفة أكثر من اللازم،مرتبة كقبر حديث.كل شيء يعمل بدقة متناهية…
إلا القلب..ما كان يقبل الاستسلام
وما كنت اطاوعه،،، كثيراً ما كان يضعني
في دائرة أسئلة معتمة!!
الباقي:—القلب هنا يعمل كثيرًا،حتى احترق.نحن نعيش في حالة طوارئ عاطفية دائمة.نحب بسرعة،نكره بعنف،وننسى بفظاظة…لايمكن وصف
ما عشت ورأيت،،،عتمة ارواح وقحط وجود…!!
العائد:—في الغربة…ليس للغربة معاني ثابته لهذا بدأتُ أحتقر نفسي.
ليس لأنني ضعيف،،، أنا انسان لايعرف
الضعف لاني عشت وسط دوامة ثلاثة
حروب،،بل لأنني تأقلمت.تأقلمت مع الإهانات الصغيرة،مع النكات العنصرية المغلّفة بالابتسامة،
مع اسمي حين يُنطق خطأولا أصححه.
كنتُ أعود إلى غرفتي وأغسل وجهي
كأنني ارتكبتُ خطيئة.
الباقي:—وأنا كنتُ أحتقر نفسي لأنني صرتُ أشبه الذين أكرههم.أصرخ مثلهم،،،أتهم مثلهم،أصمت حين يجب أن أتكلم.الوطن لا يحوّلك إلى ضحية فقط،بل إلى شريك صامت.
ترى وتعرف ويتوجب عليك ان لا تبصر
وتقول!!
العائد:— خطوة واحده وسط تلك المسافات التي قطعتها رجوتها العودة بي لكنها وبوقاحة مطلقة اصرت على البقاء..!!
الباقي:أنتم هربتم.لا تزيّنها بكلمات كبيرة.هربتم حين اشتدّ القبح
وتركتمونا نغرق…لاايادي متدت ولا جواب هدأ مخاوفنا،،اتعرف معنى وجود رأس محزوز موضوع مع مغلق فيه رصاصة عند باب الدار،،،
العائد:—وأنتم بعتم كل شيءثم وقفتم تبكون على الأطلال.حميتم القتلة بحجة الخوف،وبرّرتم الخراب بحجة الواقعية…تتحدثون بثرثرات لاتنتهي عن المقدس الذي لاتعرفون ماهو؟!!
الباقي:
كنا نحاول النجاة..لاشيء تبقى سوى الإمساك بلحظة نجاة،،أرض اغتسلت
بالدم وهي تصرخ الله وأكبر،،كلاهما القاتل والمقتول يمجدان الإكاذيب!!
العائد:—لا…كنتم تحاولون التكيّف مع العفن.
يقف الباقي بعصبية)
الباقي:—وأنت؟
ماذا فعلتَ غير العدّ؟
عدّ السنوات،عدّ الرواتب،عدّ الخسارات من بعيد؟
كنتَ تشاهدنا نموت عبر الشاشات
ثم تغيّر القناة!
(صمت خانق)
الباقي:—هنا لا تموت لأنك إنسان،بل لأنك الاسم الخطأ،،،الله الخطأ،اللهجة الخطأ.،،الخراب ليس انفجارًا…الخراب نظام.
العائد:—وفي الغربة كنتُ دائمًا الآخر.
حتى حين أحبوني .. أحبوني استثناء،
حيوان أليف…قالوا لي:أنت مختلف عنهم…..!!
ولم أفهم إن كانت إهانة أم شفقة.
الباقي:— مالذي تستطيع فعله وانت
تعيش مع اكداس من اسئلة المواجع
..تعلمنا ننام نومة الغربان،،لكننا لم
نتعلم كيف نتخلص من خراب ارواحنا!!
العائد:—تعرف ما الذي أرعبني؟
أنني حين قررتُ العودة لم أشعر بالفرح…شعرتُ بالقرف.قرف من الحنين،من الأغاني،من الذاكرة التي تبتزني.(يغني ببطء)ياطيور الطايره
ردي الهلي،،،هههه الي مضيع ذهب
بسوك الذهب يلكاه،،،بس المضيع
وطن وين الوطن يلگاه..!!
الباقي:—( يبكي)أنا أشعر بالقرف
حين أرى وجهي في المرآة وأكتشف أنني صرتُ جزءًا من هذا المشهد البشع…لم أعد بريئًا،
ولا ثائرًا،..ولا حتى غاضبًا بما يكفي.
(يجلسان متباعدين)
العائد:—ربما الخطأ ليس في الرحيل
ولا في البقاء…ربما الخطأ أننا صدّقنا أن الأحلام لننجو…( بحزن)دنيا لاتشبه
دنياي التي هناك،،،دنيا ما ان يحل الظلام حتى تتحول الى مدفن منسي
أقضي ليلي كله في البحث عن لحظة فرح،،،(يغني)يگلون غني بفرح واني الهموم هواي،،،لافائدة ترجى منك وانت تحمل وطناً تتوسله بالابتعاد
فيزداد التصاقاً!!
الباقي:—الأحلام عندنا لا تموت،تتعفن.
لكنها تظل حاضرة،،كرائحة لا تختفي.
أجمل ما صنعت أني اقمت مقبرة لأحلامي في غرفة نومي،،،(يقرأ ببط)
هنا يرقد مأسوفاً على شبابه أجمل احلام العمر،،أن اعيش بسلام دون
مزابل مليئة بالجثث،،!!
العائد:—إن عدتُ هذه المرة فلن أعد لأصلح شيئًا.أعود لأتأكدأنني لم أعد أنتمي.
الباقي:—وإن بقيتُ فلن أبقى لأنني أؤمن،،،بل لأنني استنفدتُ قدرتي على الرحيل.
(ينظران لبعضهما بنفور صادق)
العائد:—نحن لا نكره بعضنا…
الباقي:—نحن نكره ما صرنا إليه.
(إظلام بطيء)
صوت المطار:الرحلة…مؤجَّلة إلى أجل غير مسمّى…!!
(الإضاءة تعود خافتة. الباقي ما زال جالسًا. العائد واقف قرب لوحة الرحلات.)
الباقي:—تعرف ما الذي لم أغفره لكم؟
ليس الرحيل…بل الطمأنينة التي عدتم بها أحيانًا.تلك النبرة التي تقول:«على الأقل نجونا»..!!
العائد:—(يلتفت بحدة)نجونا؟
لا أحد ينجو.نحن نغيّر شكل النزيف.
أنا نزفتُ ببطء ليس أكثر من هذاحتى اعتدتُ رؤية الدم،، دون الشعور بشيء
الباقي:—نحن نزفنا علنًا.نزفنا في الشوارع،،،في الأخبار،في أسماء الضحايا التي صارت أرقامًا.كل يوم كنا نودّع أحدًا..ونتعلّم كيف نكمل الغداء.
العائد:—هل مات أحدٌ تعرفه؟
(ببرود مفاجئ)كثيرون.لدرجة أن الموت..فقد هيبته.صار يمرّ فنرفع أقدامنا كي لا نتّسخ.
العائد:—( بحيادية)أنا مات لي صديق
في الغربة…ليس بالرصاص…بل بالوحدة.وجدوه بعد أيام…ميتاً بصمت كان شاعراً يكره الموت،،
قالوا:حادث…وأنا أعرف أنه استسلم.
الباقي:—أتعرف ما يؤلمني؟
أنني حين أسمع عن كارثة جديدة
لا أفزع.أفكّر فورًا:—ليس اليوم...
ثم أتابع حياتي بهدوء لايشوبه قلق!!
العائد:—وأنا حين أسمع عن الوطن
أفكّر فورًا:الحمد لله أنني بعيد...ثم أكره نفسي.
(صمت ثقيل)
الباقي:—الوطن صار عبئًا أخلاقيًا.
يطلب منك أن تحبه وهو يصفعك.
أن تدافع عنه وهو يشي بك.
العائد:—وفي الغربة يطلبون منك أن تنسى وطنك ..كي تصبح مقبولًا.
أن تضحك على نكاته حتى لو كانت عليك.!
(يقف العائد فجأة)
العائد:—كنتُ أحلم بالعودة بطلاً.
أن أقول:صبرتُ،،،عملتُ،،،نجحتُ.
لكنني عدتُ فارغًا إلا من التعب.
الباقي:—وأنا كنتُ أحلمأن أقول:
ثبتُّ،،،قاومتُ،لم أبع.لكنني اكتشفت
أنني تآكلت…صار يومي مجرد رغبة
بالخلاص،،،ولكن كيف ومتى ما كنت
أعرف الإجابات!!
العائد:—لو عاد الزمن هل كنتَ سترحل؟!
الباقي:(بعد صراع)نعم.دون خطاب،
دون بطولة….دون إنتظار لمجهول
تافه لايعرف مايريد،،،!!
العائد:—ولو عاد الزمن هل كنتُ سأبقى؟
الباقي:—(ينظر إليه)لا.أنت لا تصلح للبقاء.ولا أنا أصلح للرحيل.
(ابتسامة مرة مشتركة)
(إعلان طائرة، ثم صمت)
العائد:—ربما المطار هو الوطن الوحيد الذي لم يخن أحدًا.
الباقي:—لأنه لا يعد بشيء.
(العائد يحمل حقيبته ببطء)
العائد:—سأذهب الآن.ليس لأن الرحلة جاهزة بل لأنني لم أعد أحتمل الانتظار.
الباقي:—و سأبقى.ليس لأنني أؤمن بوجودي..بل لأن التعب صار بيتي.
(يقفان متقابلين. لا مصافحة.)
العائد:—إن سألوك عني…
الباقي:—سأقول:مرّ من هناولم يجد نفسه.!!
الباقي:—وإن سألوك عني؟
العائد:—سأقول:بقي طويلًاحتى نسي
لماذا.
( العائد يخرج. الباقي يعود إلى المقعد. يجلس وحده.)
الباقي:(إلى الجمهور)لا تصدقوا الحكايات…لا الغربة خلاص ولا الوطن خلاص.،،نحن نتبادل العناوين.ليس أكثر من هذا!!
(إظلام تام)
صوت المطار:—جميع الرحلات…
معلّقة.
(ستار)
