Translate

‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة قصيرة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة قصيرة. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 5 فبراير 2026

„دهاليز الغشاوة“ قصة قصيرة رمزية بقلم : طاهر عرابي

„دهاليز الغشاوة“

قصة قصيرة رمزية
بقلم: طاهر عرابي

(دريسدن — كُتبت عام 2023 ونُقّحت في 05.02.2026)

قال الغراب مستهزئًا، وهو يتراقص فرحًا وفي نيته التعالي وتوبيخ العندليب:
— مازال نشيدك كما هو، لا لحن فيه، وكأنك ابتلعت طيورًا أخرى غريبة الأصوات تهرسها في حلقك قبل أن تصيح بها… ألا تستطيع لحنًا جديدًا؟
أين صوتك الخاص؟ أين ما يميزك؟
العاقل يعرف أنك محتال، والجاهل يظنك مبدعًا، وأنت لست كذلك. كم طيرًا ابتلعت لتنشد سمفونية قهرهم؟
ترأف بنفسك، ولا تجعل الغباء يقود رؤيتك.

أجاب العندليب بصوت هادئ وحازم:
— لن أدخل معك في قضية تخصني، ولن أنجر وراء غرورك. بلى، أستطيع… لكن هل وُهِبت أذنين جديدتين لتحسّا التغيير الذي تطلبه مني؟
وإن كنت ترى أنني أبتلع الطيور، فما يمنعك أن تبتلع ما تشاء وتغرد مثل البقية، وترحمنا من نعيقك؟
ما تفعله تحرّش واضح: اتهام، وانتقاص، واعتداء على مكوناتي. ألا تخشى القانون ومطرقة تدق على صفيحة التاريخ لتنصر الحق وتترك نفسك مهزوماً؟

انتفض الغراب، وسقط ريش من جناحه الأيسر، وازداد لون جناحيه تموّجًا بين الرمادي والأسود، وقال بصوت مخنوق:
— وأنت، ألا تحتاج أذنين غير ما لديك لتتأكد أن غنائي ليس نعيقًا؟
لو بدأت الآن بصوت مختلف، لا أجمل، بل مختلف عما تسرقه أنت من الطيور الغريبة… فكيف تضمن لي فهمك واستيعابك؟
وكما تعلم، الفرادة في الإبداع شيء تقدسه المخلوقات.

طار العندليب محلّقًا فوق رأس الغراب، ووقف أمامه وجهًا لوجه وقال:
— هذه وقاحة! أنا أطلب تبديل أذنيك لتسمع لحني، وأنت تطلب مني الشيء ذاته. يا لها من سخافة تهز عرش الهزل.
أرى أن الافتراق أجمل الحلول؛ فحين يُجاب الطلب بمثله، يموت العجب، ويغدو الحوار بلا جدوى.

وتجادلا طويلًا بين سؤال وسؤال، حتى اتفقا معًا:
«من يطلب التغيير، عليه أن يتحمّل العواقب… فلكل طلب ثمن».
ورفعوا شعارًا: التغيير الصادق ليس طلبًا، بل تعبير عن امتنان؛ لا يُفرض، بل يُرجى.

سحب الغراب طلبه، واختار العندليب أن يُبقي على نشيده كما هو:
— لا تجديد يُملى عليه من شهوات الآخرين.

وقال العندليب، محاولًا تهدئة تخبّط الغراب:
— الفهم، يا صديقي، ليس خصومة ولا رضًا؛ إنه طريق للخروج من نزاع بلا ركائز، ولا يمكن تبديل ما خُلق فينا.

طار كلٌّ منهما إلى غصنه، وعمّ السلام… غير أن شرخًا خفيًا بقي في الأفق.

في اليوم التالي، أفاقا على نقيق ضفدع يشرّد نجوم الصباح، ويثقل الندى بمصير غامض.
قطرات تنزلق على الأوراق الخضراء كمطرٍ تائه، بلا نغم، بلا لحن، ولا يشبه حتى الصمت في ساعة الرجاء.
نقيق كأنه نذير، لا يسمّي ما سيأتي، لكنه يترك الأعشاش مضطربة والريح تائهة.

قال العندليب متأففًا:
— واأسفاه! أضاع الغراب نهاره بالأمس وهو يناقشني، ولم يلتفت إلى هذا النقيق الذي يصمّ الآذان ويغلق وجه الصباح قبل تحيته.
ثم أضاف، مترددًا:
— بعض الأصوات، لو حاولت أن تتغير، لانكسرت.

قال الغراب:
— لا أوافقك. للضفدع صوت خاص، ولا يمكنك تقليده. ومن لا يستطيع التقليد، لا يحق له الانتقاد.

وأضاف بهدوء:
— ينقّ دقيقة، ثم يمضي لشأنه. صوته يذكّرني بقدوم المطر، والمطر بركة.
— أما صوتك، فيشبه الأعراس دون عروس. هل بدأت تفهم سبب نفوري منك بالأمس؟

اشتدّ النقاش وخرج عن حدوده، وكاد يتحوّل إلى عراك.
التقط الغراب عصًا، وانحنى العندليب يلتقط حصاة.

قالت السلحفاة، تراقبهما بعينين متعبتين:
— أنصتوا. لكلٍّ صوته، ولم يختره بنفسه. خُلقنا هكذا. ولو غيّر أحدكم صوته لما اكتفى، بل سعى إلى تغيير جناحيه ووجهه وربما ساقيه.
العبث بهذا التوازن يحوّل الغراب جملًا، والعندليب حصانًا، ويجعل العالم مسرحًا مشوّهًا.

التفت الغراب إليها بحدّة:
— أنتِ لا تسمعين، وليس لكِ صوت. حديثك اتهام لا حكمة. كيف لقوقعة أن تنتقد الريش؟

سحبت السلحفاة رأسها قليلًا، وقالت بهدوء:
— على عينيك غشاوة… صلبة، لا شقوق فيها لترى الواقع.

ارتعب الغراب:
— غشاوة؟ أنا أرى كما كنت أرى!

ضحك العندليب ضحكة خافتة:
— ليست غشاوة العين، بل غشاوة العقل… وغشاوة التكبر. ما أبشع أن تعيش في ظلال سوداء ولا تراها.
منذ الأمس وأنت مغيّب عن الواقع. استشر غرابًا مثلك، لعلّه يحميك من غرورك ويزيح الغشاوة.

تشبّثوا بمواقفهم، ولم يتزحزحوا عن اتهاماتهم الثقيلة.
دخل الغرور منطقة الخطر، وهذا ما شعرت به السلحفاة:
— ليست الأرض خالية من الشقاء، وأنتم مرفّهون. الحقيقة أثقل من نقاش ينتهي باعتذار مؤجَّل. أخشى عليكم، ولحمكم لا يحميه سوى ريش رقيق من المطر والريح. ترأفوا بقدرتكم على البقاء.

فجأة، انقطع صوتها بصخب غريب. لم يكن نزاعًا حول الأصوات، بل صخبًا ينزع الحياة نفسها، ويجعل الخوف جسدًا يتمدّد ويخنق بلا رحمة.

كان ثعبانان يركضان خلف فأر صغير.

قال أحدهما:
— إذا قبضنا عليه معًا، نقسمه نصفين ليأخذ كلٌّ نصيبه.

رد الآخر:
— صحيح، وأنا صادق في وعدي؛ فكن صادقًا أنت أيضًا.

سمع الفأر كلامهما، فارتعد خوفًا وانسلّ مسرعًا خلف ضفدع قريب.

فهم الضفدع الموقف، وقال بهدوء:
— تريدان قسمته، لكنه ابتلع حجرًا. كيف ستقسمان الحجر؟

توقف الثعبانان لحظة، ثم قال أحدهما:
— سنتركه ونعود أدراجنا.

وهكذا، انطفأ الخطر، وكانت الصداقة على المحك، والكلمة الواحدة قد أنقذتها.

اختبأ الفأر، ثم همس لنفسه:

— الألم يشبه بستانًا… فيه عنب وحلاوته، وفيه شوك يلسع كما يلسع الزمن. فيه شمس حارة وظلال وارفة.
لا يمكن أن يكون الألم مغلقًا، لابد من نوافذ ولو كانت بستائر سوداء. علينا إزاحتها، وإدخال الهواء والضوء، وإلا يتحول الألم إلى قبر يبتلع ما تبقى من النفس.
الألم الشديد، إذا بقي مع صاحبه، يصبح قوة مضاعفة… لكننا نستطيع تفكيكه مع أصدقاء لا نخشى فضيحته أمامهم. معاييرهم لا تؤلم، بل تكشف أنك شفيت.
حدث الناس عن ألمك، ولا تخف من الكلمات التي تحوم حولك. الكشف عن الألم هو أول خطوة نحو الحرية.

ساد الصمت.

تنهدت السلحفاة داخل قوقعتها، وارتجفت خفيفة، كأنها تلمس أثر موتٍ توقّف فجأة بحيلة ذكية.
— تتجلى القوة في مواجهة التحديات، لا في تقويم الأصوات.
الانشغال بجودتها ضعف في فهم العالم.
لا يحق لأي طائر أن يمحو صفات غيره، فالغرور مع السلطة يجعلنا جميعًا عرضة لقوى أكبر.

مسحت دموعها، ونظرت إلى الغراب. نكس رأسه وتململ.
لكن العندليب سبقه بالكلام:
— إن استمرّ هذا، سأبدأ بالخوف. كيف نتهم بعضنا، والواقع أشد مرارة؟ ماذا لو فشلت حيلة الضفدع، وقُسّم الفأر نصفين؟

ثلاثتهم فرّوا في دهاليز عقولهم، وعمّ صمت مخيف.
أسدل الليل ستاره، وغاب الغراب في سواد ريشه، وبقيت عيناه تلمعان كنجم صغير.
شعر أنه أخطأ في دهاليز الغشاوة، وربما يقف الآن على دهليز آخر تحته هاوية، يخشى السقوط وخسارة أصدقائه بلا سبب، بعد اعتداءه على جسده وكرامته وعلمه.

قالت السلحفاة بصوت منذر:
— احذر أيها الغراب؛ خلفك ثعلب، وأمامك أفعى، وفوقك حجر ساقط. ليتك جعلت من عيني العندليب إنذارًا، لا خصومة.
أما أنا، فسأدخل قوقعتِي… ولا أعلم إن طلع الصبح، وكنا أقرب إلى الحقيقة.

صرخ الغراب:
— سيدتي الحكيمة، ما هي الحقيقة؟

أجابت ثم اختفت:
— صوتك ليس لك، وأنت لست صانعه. وما خرج عاقل من دهاليز الغرور إلا وكان ضحيته.
أسرع إلى العندليب واعتذر؛ ففي الاعتذار طريق لا تعرفه الغشاوة. حتى في الدهاليز توجد شباك تحجب الروح، فاحذر شباكًا تصنعه لنفسك لتتمرد.

دريسدن- طاهر عرابي

الثلاثاء، 3 فبراير 2026

أجرُ المحسنين بقلم: ماهر اللطيف

 أجرُ المحسنين

بقلم: 
ماهر اللطيف 

استقللتُ سيارةَ أجرةٍ جماعيةً مع مجموعةٍ من الركّاب في اتجاه العاصمة فجراً. جلستُ في المقعد الأمامي بجانب السائق، فيما توزّع ثلاثة ركّاب على المقاعد الوسطى، ومثلهم في المقاعد الخلفية. كان الطقس بارداً جداً في هذا اليوم الشتوي من أيّام جانفي.
كانت السيارة تطوي الأرض طيّاً، تشقّ الرياح، وتتجاوز السيارات التي تعترضها باستمرار، لا تكترث بالمطبّات ولا بالحفر، حتى كنّا نقفز عالياً، وتصطدم رؤوس بعضنا بسقفها. كان السائق يبتسم ويقول لنا بهدوء ساخر:
«هذه طرقاتنا وبنيتنا التحتية»،
من دون أن يعترف بذنبه عمّا سبّبه لنا من خوفٍ وهلعٍ وأذى.
كانت الموسيقى تنبعث من مذياع السيارة، وتعلو أحاديث جانبية بين الركّاب، أمّا أنا فاخترتُ التسبيح والحوقلة والبسملة وذكر الله، ثم تلاوة ما تيسّر لي من القرآن الكريم، إلى أن بلغنا أحواز العاصمة.
بعد دقائق، شرع بعض الركّاب في النزول تباعاً، كلٌّ حسب وجهته والمكان المقصود، إلى أن صاحت عجوز كانت تجلس خلفي في المقعد الأوسط:
– سُرِقت! توقّف يا بني، اقتفِ أثرَ هذا الشابّ الذي كان يجلس بجانبي!
– (أحد الركّاب، مهدّئاً): تفقّدي أمتعتك جيّداً يا أمّاه قبل أن تتّهمي الناس.
(وأصوات مكابح السيارة تقطع سكون المكان وهدوء المنازل الممتدّة يمنةً ويسرة).
– لا! لا! أنا متأكّدة أنّه سرقني. لمحني وأنا أفتح حافظة نقودي وأستخرج منها ثمن السفرة، فرأى حزمة الأوراق النقدية، وخواتمي الذهبية، وبطاقة تعريفي الوطنية، ومفتاح منزلي. شرع في تبادل الحديث معي وأنا أغلق المحفظة وأعيدها إلى جيب معطفي بجانبه. مزح معي، وضحكنا طويلاً، وكان من حينٍ إلى آخر يقترب منّي حتى تتلاصق أكتافنا وظهورنا، لكنه في إحدى تلك اللحظات سرق المحفظة بسرعة وببراعة ومهارة.
– (راكبة أخرى): فتّشي قليلاً يا حاجة…
(تتفحّص وجهها جيّداً وقد تغيّرت ملامحه): لا إله إلا الله.
نزل السائق مسرعاً، ونادى الراكب الذي غادر السيارة، لكنه لم يلتفت ولم يُلبِّ النداء، إلى أن غاب عن الأبصار وولج أحد أحياء المنطقة. أخذت المسروقة تدعو على السارق، تمطره بأوصافٍ سيّئة، وتتمنّى له الموت، وتلعن نوعه، حتى اقشعرّت أجساد الركّاب، وطلبوا منها الكفّ عن ذلك والاكتفاء بقول:
«حسبي الله ونعم الوكيل».
تبرّع راكبٌ ببعض المال تعويضاً لها، تبعه آخر، ثم آخر. ورفضت تلك الفتاة المساهمة في هذه الحملة، وهي تستغفر الله وتذكره كثيراً، وامتنعت عن تفسير موقفها، منذ طلبها رؤية وجه العجوز إلى تلك اللحظة.
وهذا ما أعاد إلى ذاكرتي حادثةً مماثلة وقعت منذ مدّة في سيارة أجرة أخرى، حين ادّعى شابّ آنذاك أنّ ماله سُلب منه من طرف راكبٍ نزل بقريةٍ لم نصل إليها. بكى، ودعا، وفعل ما بوسعه. غير أنّنا اكتشفنا لاحقاً، بعد نزوله من السيارة، ومن خلال السائق الذي خاف منه ومن ردّة فعله آنذاك، أنّ هذا الشاب اتّخذ من هذا المشهد مهنةً، يعيدها باستمرار يومياً ليتحايل على الناس ويسلب أموالهم بهذه الطريقة البشعة.
كما أعلمنا أنّ أحد السائقين كشف أحدهم مرّةً أمام الجميع، فَقَفَز ذلك المحتال من السيارة وهي تستعدّ للتوقّف، وتوعّده بالقصاص. وفعلاً، طعنه لاحقاً طعناتٍ متتالية حتى لفظ أنفاسه الأخيرة، ثم سرق السيارة.
فهل تكون هذه العجوز أيضاً من ممتهنات هذه الحيلة، بما أنّ تلك الفتاة طلبت تفحّص وجهها ولم تتكلّم، ثم رفضت مساعدتها مالياً؟ أم تكون فعلاً قد تعرّضت للسرقة كما ادّعت، واختلط الأمر على الفتاة فارتابت في شأنها؟
على كلّ حال، فقد ساهمتُ في هذه الحملة، وتبرّعتُ ببعض المال، تاركاً أمر هذه العجوز، وصدق روايتها أو كذبها، عند الله الذي لا يضيع أجر المحسنين.


الخميس، 29 يناير 2026

نافذة نحو الانزواء بقلم هيثم العوادي - العراق

 نافذة نحو الانزواء

بقلم

هيثم العوادي - العراق

وحيدًا أسكب همي فوق حفيف الخطوات، أتنفس عطر الماضي القادم من رحيق الذكريات، ولا شيء يطفئ جذوة حناني غير ذلك الرصيف، أهرب إليه مصطحبًا رفيق وحدتي، الذي يحبني ليخفف أحزاني وينفس عني همومي، مع أنه يرافقني دومًا، إلا أنه قليل الكلام، متجهم الوجه، لا يذكرني سوى بالمصائب.
صعب أن تتعلق بالماضي، ويكون الحبل الوحيد الذي ينقذك من بئر مخاوفك هو نفسه حبل المشنقة التي تتأرجح منها أحلامك الضائعة، مددت يدي نحو ذلك السراب، محاولًا لمس الحقيقة المتسربلة بين طيات الضياع، لكنَّ محراث الماضي خط تجاعيده المحفورة على روحي الهرمة.
قال لي صاحبي:
- يا حميد، أَلستَ من رفض الزواج بعدما قضى على حبيبتك ذلك المرض اللعين؟ كانت تتمناك كل نساء القرية، عيونك الخضراء تجذب أجمل الأقمار، وتستدرج الحب نحو شمائلك المورقة، بإمكانك أن تصطادهن قبل أن يقطعن أيديهن من جمال لحاظك، لكنك ضحكت من خفة عقولهن، وفضلت ذكرى جدث امرأة في رأسك، على كل هذا الحب.
أنا أعذرك فأنت لم ترها، كانت آخر نظراتي لها لما دخلت إلى ذلك المكان الذي يغسل فيه الموتى، رفض الجميع وحاولوا منعي بالقوة، رفعت سلاحي في وجوههم، لقد كنت مصممًا على الموت إن منعوني من رؤيتها، دخلت رغمًا عن أنوفهم، كانت مسجاة على دكة إسمنتية، يقطر الماء من جسدها، وتلتف حولها النسوة اللاتي بادرن بتغطية جسدها بعباءتهن، لا أدري كيف أصفها، حتى في تلك الحالة كانت نائمة كالملاك، زغب أبيض يتوهج من بين ضفيرتيها الذهبيتين، ذلك الجبين الوضاء والعينان الناعستان، حتى وهي على تلك الدكة، أحسست بأنها سوف تطير لتعانقني، وقلبها سوف يخفق لي مرة أخرى، لكنها ظلت جامدة دون حراك، ماذا أفعل؟ قل لي ماذا يفعل حميد مع هذا الشقاء؟.
داهمني الجوع، أخرجت رغيفين وقطعة جبن، صمت صديقي، الذي أفهمته فيما مضى، إن لم تسعفك الكلمات ولا تستطع أن تعبر عما يجيش بداخلك، شاركني في الأكل على الأقل، حتى أشعر أن هنالك من يهتم بي، تناول رغيفًا ووضعه على ركبته، وأكل بشراهة حتى أيقنت أنه سيأتي على كل شيء، واكتفيت بالنظر إليه.
تركته يأكل وأخذت أعوم في ذلك الفراغ، شارف عمري على الستين عامًا، والشيب المزروع بين ضفتي ذلك الفرق في شعر رأسي جرس إنذار لأيامي التي قرضها الدهر كما يقرض الجرذ ملابسي.
وصل الأمر ذروته! في الأسبوع المقبل سيقام العرس، والتحضيرات على قدم وساق، في خضم تلك الفرحة العارمة، نشب خلاف بين عمي ووالدها، حين عبرت مواشي عمي على أرضهم، بين أخذ ورد وجذب، حصل خلاف بين العائلتين، كل شيء انتهى، رفض أبي هذه الزيجة، فالموضوع يتعلق بكرامة العشيرة:
-لا زواج من هذه الفتاة!.
قبل يومين من موعد الزفاف أقنعت الجميع ووسّطتُ شيخ عشيرتنا لحل الخلاف، ساد السلام بعض الوقت حينها وتصالح الجميع، لكنَّ الحظ العاثر! دائمًا يسبقني بخطوة، كيف يكون عاثرًا ويسبق الجميع، لا أدري؟
في ليلة الزفاف وغمرة تلك الفرحة، صوت إطلاقات نار كسرت بهجتها:
-ابن عمك أطلق النار على والدي!
هذا ما قالته عروسي.
لم يمت أبوها، كان جرحًا بسيطًا، إلا أن الزواج مات في تلك الليلة، ولم أرها بعد ذلك إلا وهي جثة هامدة على دكة المغتسل، حينها كانت سليمة معافاة، ولولا تلك المشاكل، على الأقل لأنجبت لي ولدًا أو بنتًا تؤنسني في وحشتي، وتنعش ذاكرة العشق كلما رأيت عينيها، أفضل من العيش في بيت أخي، الذين ما عادوا يطيقون وجودي.
عاد رفيقي ولا أدري من أين خرج هذه المرة قال لي:
-حظك سيء يا حميد.
قبل أن أجيبه سمعت صوت ابن أخي:
-عمي إن أبي يبحث عنك، لماذا تجلس وحيدًا وتأكل على هذا الرصيف؟
تجاهلته والتفت إلى رفيقي الذي يبدو أن لا أحد يراه غيري:
-لا عليك، قم معي يا حميد!.
هيثم العوادي

جد مرجع بقلم: ماهر اللطيف

قد تكون صورة ‏‏شخص أو أكثر‏ و‏تحتوي على النص '‏چد جدمرجع 50 بقلم ماهر اللطيف‏'‏‏

 

جد مرجع

بقلم:   ماهر اللطيف 

ارتمى حفيدي في حضني باكياً بحرقة ظهر هذا اليوم بعد اجتيازه مناظرة انتداب في فرع شركة عالمية، بللني بدموعه التي كانت تسقيني وملابسي وهو يصدر حشرجة وصوتاً متقطعاً:
كالعادة يا جدي، لم يقع انتدابي.
(مربتاً على ظهره بلين) لا تقلق بني. اصبر فالصبر مفتاح الفرج، لا تقنط من رحمة الله.
(وقد تضاعف البكاء) ونعم بالله. صبرت كثيراً يا جدي والعمر يتقدم بي دون جدوى.
(مقبلاً جبينه) استغفر الله بني وتمهل، سيأتيك قسمك في وقته إن شاء الله.
تواصل الحوار بيننا سجالاً، يشتكي ويندب حظه وأنا أحاول تهدئته وتحفيزه، دغدغة وازعه الديني وشحذ إيمانه، يلعن أقداره وسوء طالعه، أذكره بأن بعد العسر يسراً، يلبس رداء اليأس والقنوط والخنوع، وأنا أستنجِد بذاكرتي وسجل تاريخ عائلتي المليء بمثل هذه الحوادث حتى ابتسمت وأمرته بأن يجلس أمامي وينتبه لقولي.
ما إن فعل حتى أعلمته إنني أحضر تقريباً نفس حكاية "المولدي" والده الذي عانده القدر منذ حصوله على شهادته الجامعية حتى شارف على سن الثلاثين، قدم عشرات الملفات للمؤسسات الحكومية والخاصة، اجتاز عدة مناظرات واختبارات، لكنه وُجه بالرفض حتى كاد يستسلم. مرض نفسياً وفكر في الهجرة، وفعلًا بدأ يبحث عن طريقة لركوب البحر نحو الغرب، حتى ترشح لإجراء مناظرة انتداب في فرع شركة عالمية هنا.
مع ذلك، كان المولدي يائساً وغير عابئ بنتيجة هذا الاختبار حتى وهو في طريقه لذلك يوم الحسم، فلم يلبس لباساً لائقاً، ولم يجهز نفسه على جميع الأوجه كالعادة، كان يستهزئ من نفسه ويعلن عن رفضه لهذه الوظيفة بدلاً من المسؤول الذي سينطق بذلك.
دخل الشركة فوجد عشرات المتناظرين يصطفون وينتظرون ساعة الحسم، كل يمني النفس بالفوز ونيل المركز الوحيد المتناظر عليه إلا المولدي الذي كان يستهزئ بهم حتى كاد أن يتعرض للضرب من طرف بعض الشبان الذين لم يعجبهم تصرف المولدي.
غير أن أعضاء لجنة التحكيم تعمدوا وضع أوراق نقدية أمام باب قاعة الامتحان قبالة كاميرات المراقبة حينا، وخواتم ومجوهرات ثمينة حينا آخر، ليقيموا أمانة وثقة الممتحنين، وهو جزء من الامتحان الشفوي.
غير أن جميعهم سقطوا في فخ الأنانية، حب المال، إشباع الغرائز وغيرها، ومن بينهم المولدي الذي اندهش لرؤية ورقة نقدية من فئة خمسين دينار، التفت يمنة ويسرة وقلبه يخفق بقوة، تقدم خطوة وهو متردد، ثم تظاهر بتفقد خيوط حذائه وأخذ الورقة دون تردد، وضعها في جيب سرواله، ودخل فوقع طرده شر طردة إثر جلوسه أمام اللجنة دون إذن، والتحدث بسخرية، وعدم احترام الناس وعدم الاعتراف بما اقترفه من ذنب أمام الباب حتى وقع عرض المشهد الذي سجلته الكاميرا خارجاً...
بيد أن عبد الحليم (حفيدي) يتميز عن والده المولدي - الذي هاجر حينها خلسة إلى إيطاليا وتعذب عذاباً شديداً حتى تحصل على عمل وكون نفسه يوماً بعد يوم إلى أن تزوج وأنجب أطفاله هناك - أنه طموح، مؤمن إيماناً شديداً بأن بعد العسر يسراً...
وبقيت كذلك، أنفخ في صورته من خلال فشل والده إلى أن هدأ، ابتسم، استرجع توازنه، قبلني من يدي، جبيني ثم خدي وهو يقول "لن أخذلك أيها العجوز، سأصنع من ضعفي قوة، ومن يأسي أملاً، سأهدي نجاحي المتوقع بإذن الله إلى روح والدي الذي غادرنا منذ سنوات وهو في المهجر..."
قد تكون صورة ‏‏شخص أو أكثر‏ و‏تحتوي على النص '‏چد جدمرجع 50 بقلم ماهر اللطيف‏'‏‏

كل التفاعلات:
٢

الخميس، 15 يناير 2026

رجل وظل وجميلة في الشمال قصة بقلم د. أشرف مبارك أحمد صالح

 

قد تكون صورة ‏تحتوي على النص '‏جميلة رجل وظل في الشمال قصة د أشرف مبارك أحمد صالح‏'‏

رجل وظل وجميلة في الشمال

قصة
د. أشرف مبارك أحمد صالح
اليوم أعددت أسلحتي، وقررت المواجهة. كل محاولاتي للهرب كانت تنتهي بالفشل وآخرها كانت قبل يومين. جذبني من ياقة قميصي بعنف وقال: لن تستطيع الهرب. جلست على كرسي في مواجهة باب الشقة. جهزت أسلحتي.... مطرقة، وأوتاداً، وحبلاً، وشريطاً لاصقاً، مثل الذي يستخدم في العمليات الجراحية. كفّاي تنضحان بالعرق. وخوفٌ مما أنا مقدمٌ عليه يزلزل كياني ويشتت تفكيري. حاولتُ تثبيت نفسي بتلاوة بعض الدعاء عسى أن تكون هذه المحاولة الأخيرة.
***
قبل يومين توجهت الى محطة القطارات، وابتعتُ تذكرة في القطار الليلي المتوجه إلى المدينة الكبيرة... فكرت كثيراً في أن أعود لأجمع أغراضي، لكني فضلت أن أبقى في انتظار القطار خوفاً من أن يلحقا بي ويعيداني إلى دائرة سلطانهما. وأخذتُ أتخيل العالم بدونه... ظل يلازمني منذ أن بلغتُ الحلم... احتل حياتي، وغيَّب إرادتي... وتخيلتُ العالم بدونها تلك التي سرّبها الظل إلى حياتي دون إذن مني، وسحرني بسحرها... ساحرة... العالم بدونها لا طعم له.
وتحرك القطار. وبدأ اهتزازه الذي أحببت. لم تثنني ثرثرة العجوز المخمور الذي كان يجلس أمامي من الاستلقاء للنوم. سألني إن كان بلدي أجمل أم هذا البلد فأجبته وعيناي مغمضتان بمثل شائع عندهم: كل بلاد الدنيا تكون جميلة إلا إن الوطن دائماُ أجمل. وقلت في نفسي حتى ولو لم تكن فيه...... وخفت من ذكر اسمها حتى ولو بيني وبين نفسي...... ونمت. حلمت بالعالم الجديد. وصحوت على وصول القطار، وغادرت العربة، فوجدته يقهقه في وجهي وفي عينيه نظرات عاتبة وساخرة ويقول لي: لن تهرب مني، لأنني أكون في كل مكان تكون فيه. ثم ضحك وقال: أنت لا تعرف كنت أراقبك طوال الليل في القطار وقلت لنرى نهاية الأمر. حاولت الدخول إلى محطة المترو لعلني ألوذ بزحامها، لكنني كلما خطوت خطوة وجدته أمامي... واستسلمت، وبدأت رحلة العودة.. وكانت في استقبالي.. ساحرة لها سحر خاص بها... فاتنة وفتنتها خاصة بها... سعيدة بعودتي. وفي الشقة مسحتْ على شعري بحنان، وقالت: لابد أنك مشتاق إلى أهلك. أغمضت عيني وقلت: ومشتاق إلى نفسي... أخضع له تماماُ حينما أستسلم لانتهاكها حدود نفسي وجسدي... فتحت عيني فوجدتها تنظر إليه وكفها الناعم الرقيق يربت على رأسه وهو مستلق يضع ساقاً على ساق ويحرك يديه كأنه يمسك بخيوط يجذب بها شيئاً... رائحتها كانت ترتع في أنفي، وعبق مثبت الشعر النفاذ يتسرب من خياشيمي إلى رأسي، فيسكرني. طرق سمعي صوتها الحنون - فيم جلوسك قرب الباب؟ وما كل هذه الأشياء؟ لقد أحضرت كعكة وبعض الفطائر وحالا سأعد الشاي وأجهزة المائدة. كانت تغمرها فرحة غير عادية، وابتسامة عريضة تحتل أغلب وجهها... ربما كانت فرحة بما جلبت من السوق. الغريب أنني لم أنتبه حين فتحت الباب. كيف دخلت؟ لماذا لم يأت معها؟ ... لابد أنه منزو في ركن من الأركان فهو يكون حيث أكون. منذ أن بلغت الحلم وهو يرافقني، وربما منذ أن كنت كتلة طرية في حضن أمي لا أستطيع تمييز الأشياء. وعندما تعلمت الأسماء وميزت الأشياء شعرت به كياناُ يوازي كياني، وقوة أكبر من قوتي، وعقلاً له من الذكاء أكثر مما لعقلي... أظنه يعرفني جيداً بقدر جهلي به. طالما تلفت باحثاً عن مفر، وتعوذت بالله من الشيطان الرجيم، وكثيراً ما جريت وأنا مملوء رعباً.
قالت لي: انتبه للماء في السماور. ودخلتْ الحمام. ارتعشتْ يداي وأنا أسمع صوت الماء وهو يغلي مختلطاً بصوت سقوط الماء من الدش في الحمام... اندفع الدم إلى عروق رأسي بقوة، وأحسست بنبضها مثل صوت تدافع عجلات القطار على القضبان.
عرفتها ذات يوم كان ينقر فيه على رأسي ليمنعني النوم. كنت عائدا من مدينة ساحلية حيث قضيت عطلة الأول من مايو. في ذلك اليوم أصبحنا ثلاثة. في ذلك اليوم كانت عيناي مقيدتين إلى تنورة قصيرة جداً تكشف عن فخذين سويين يهتزان مع كل هزة وكل حركة للقطار. وانتبهت إلى أن عينين زرقاوين كانتا تحدقان إلي، فأشحت بوجهي في خجل إلى النافذة. رأيت القاطرة في المنحنى البعيد ترقص غير مبالية بما تجر من عربات، تقهقه مثل الذي ينقر في رأسي. – تفضل أيها الرفيق.. وجدت الفتاة قد وضعت طعاماً عل الطاولة وقنينة بها سائل صافٍ كالبلور، وصبت منه في قدحين، وكررت دعوتها. اعتذرت لكن شيطاني أفرغ كل ما في القدح في جوفه. – جميل أنك تعرف لغتنا. لا... لا... لست أنا الذي يجيد لغتكم، بل هو. وملأتْ القدح. وصل القطار ونزلت معي ويدها في يده.
خرجتْ من الحمام مبللة... تروح وتجيء في إعداد المائدة... عاتبتني لأنني لم أنتبه للماء الذي كان يغلي. دخلتْ إلى الغرفة وارتدتْ أجمل ثوب لديها ذلك الثوب الأسود الطويل المنتفخ الأكتاف الضيق من الخصر وحتى الركبتين الواسع أسفل الركبتين، في صدره تناثرت حبيبات لامعة مثل نجوم السماء، جلبه الآخر من إحدى مدن الغرب الصاخب لكنها ما زالت تقول بأنني من أهداه إليها... هنأتني بعيد ميلادي وصبت السائل البلوري في قدح وقدمته إلي... صوتها الحنون سيهزمني.. ينتهي مساحات من نفسي.. تتلاشى الحدود بين جسدينا.. سألتني وهي تمد القدح إلي – ما بيمينك يا عزيزي؟ – مطرقة. – أعلم أنها مطرقة. أعني ماذا تفعل بها؟ – ما يفعل الناس بها، وليس فيها مآرب أخرى. – حسناً يا عزيزي لا تغضب. لن أدع هذا النهر الدافق من الحنان يهزمني الليلة أيضاً.. هذه إحدى حيله.. جذابة في هذا الثوب.. أفلحت علبة المكياج في أن تجعلها أكثر فتنة وإثارة.
والنهر يتقدم نحوي، يغمرني ويشل تفكيري، يزداد الطرق في رأسي وفي صدري.. أتلفّتُ باحثاً عنه، لا أراه. بدأتُ أستسلم، وحدودي تُنتهك وكل عضلة في جسمي ترتخي، وقبضة يدي على المطرقة ترتخي، وأنفي يغوص في كتلتين طريتين، يفوح مهما عطر مثير. كانت أجمل الفتيات في تاريخ النساء. كادت المطرقة تسقط من يدي والنهاية مني بمنى خطوة. ظهر يقهقه ويشير إلي إشارة فهمت منها أنه يشد على يدي يهنئني.. نفسي ما زال يدغدغها التمرد والنهاية قاب قوسين أو أدنى، قفزتُ وأمسكت به وهويت على وجهه بالمطرقة.. قاومني لكن ضربة أخرى جعلته يتهاوى.. في عينيه ذات النظرات... ألصقته بالحائط.. دققت الأوتاد في كفيه وألصقت ساقيه بالشريط اللاصق، ولم تمض سوى أقل من دقيقة حتى كان مشدود الوثاق مصلوباً على الحائط، يسيل الدم من كفيه ومن أنفه.. التفتُ إليها.. كانت تصرخ مذعورة – ما الذي تفعله؟ لماذا دققت المسامير على الحائط؟ – لقد صلبته. لم أرها مذعورة أبداً لكنني لم أر أجمل منها في تلك اللحظة.. تقدمت نحوها.. كانت مستسلمة، وجمالها فاق كل جمال، وكنت أنا في قمة توتري.. قيدتها بالحبل إلى السرير.. بكت بحرقة.. أخذت حقيبتي وخرجتُ. ركبت أول طائرة تعود إلى أرض الوطن.. وأخيراً شعرت أنني وحدي. لم أعد أحس بأنفاسه تتردد حولي. نظرت من خلال النافذة لأرى السحب عن قرب.. رأيته يطير بجانب الطائرة، ولوّح لي بيده، وأخذ يدير قبضة يده اليمنى في راحة اليسرى.. يغيظني... أسدلت غطاء النافذة ولم يتبدل شعوري أنني وحدي، ورحت في سبات عميق..
نوفمبر ١٩٩٣
من
رجال مجنحون – دار عزة للنشر والتوزيع بالخرطوم ٢٠٠٣
قد تكون صورة ‏تحتوي على النص '‏جميلة رجل وظل في الشمال قصة د أشرف مبارك أحمد صالح‏'‏

مشاركات الأعضاء

شِلة قبضين ( عامية مصرية ) كلمات : متولي بصل

    شِلة قبضين   ( عامية مصرية )   كلمات : متولي بصل ******* شالوا الطَبَقْ حَطُّوا الطبقْ فاضي ما فيه حتى مَرَقْ ! دول شِلة الجهل...

المشاركات الشائعة