Translate

الخميس، 29 يناير 2026

نافذة نحو الانزواء بقلم هيثم العوادي - العراق

 نافذة نحو الانزواء

بقلم

هيثم العوادي - العراق

وحيدًا أسكب همي فوق حفيف الخطوات، أتنفس عطر الماضي القادم من رحيق الذكريات، ولا شيء يطفئ جذوة حناني غير ذلك الرصيف، أهرب إليه مصطحبًا رفيق وحدتي، الذي يحبني ليخفف أحزاني وينفس عني همومي، مع أنه يرافقني دومًا، إلا أنه قليل الكلام، متجهم الوجه، لا يذكرني سوى بالمصائب.
صعب أن تتعلق بالماضي، ويكون الحبل الوحيد الذي ينقذك من بئر مخاوفك هو نفسه حبل المشنقة التي تتأرجح منها أحلامك الضائعة، مددت يدي نحو ذلك السراب، محاولًا لمس الحقيقة المتسربلة بين طيات الضياع، لكنَّ محراث الماضي خط تجاعيده المحفورة على روحي الهرمة.
قال لي صاحبي:
- يا حميد، أَلستَ من رفض الزواج بعدما قضى على حبيبتك ذلك المرض اللعين؟ كانت تتمناك كل نساء القرية، عيونك الخضراء تجذب أجمل الأقمار، وتستدرج الحب نحو شمائلك المورقة، بإمكانك أن تصطادهن قبل أن يقطعن أيديهن من جمال لحاظك، لكنك ضحكت من خفة عقولهن، وفضلت ذكرى جدث امرأة في رأسك، على كل هذا الحب.
أنا أعذرك فأنت لم ترها، كانت آخر نظراتي لها لما دخلت إلى ذلك المكان الذي يغسل فيه الموتى، رفض الجميع وحاولوا منعي بالقوة، رفعت سلاحي في وجوههم، لقد كنت مصممًا على الموت إن منعوني من رؤيتها، دخلت رغمًا عن أنوفهم، كانت مسجاة على دكة إسمنتية، يقطر الماء من جسدها، وتلتف حولها النسوة اللاتي بادرن بتغطية جسدها بعباءتهن، لا أدري كيف أصفها، حتى في تلك الحالة كانت نائمة كالملاك، زغب أبيض يتوهج من بين ضفيرتيها الذهبيتين، ذلك الجبين الوضاء والعينان الناعستان، حتى وهي على تلك الدكة، أحسست بأنها سوف تطير لتعانقني، وقلبها سوف يخفق لي مرة أخرى، لكنها ظلت جامدة دون حراك، ماذا أفعل؟ قل لي ماذا يفعل حميد مع هذا الشقاء؟.
داهمني الجوع، أخرجت رغيفين وقطعة جبن، صمت صديقي، الذي أفهمته فيما مضى، إن لم تسعفك الكلمات ولا تستطع أن تعبر عما يجيش بداخلك، شاركني في الأكل على الأقل، حتى أشعر أن هنالك من يهتم بي، تناول رغيفًا ووضعه على ركبته، وأكل بشراهة حتى أيقنت أنه سيأتي على كل شيء، واكتفيت بالنظر إليه.
تركته يأكل وأخذت أعوم في ذلك الفراغ، شارف عمري على الستين عامًا، والشيب المزروع بين ضفتي ذلك الفرق في شعر رأسي جرس إنذار لأيامي التي قرضها الدهر كما يقرض الجرذ ملابسي.
وصل الأمر ذروته! في الأسبوع المقبل سيقام العرس، والتحضيرات على قدم وساق، في خضم تلك الفرحة العارمة، نشب خلاف بين عمي ووالدها، حين عبرت مواشي عمي على أرضهم، بين أخذ ورد وجذب، حصل خلاف بين العائلتين، كل شيء انتهى، رفض أبي هذه الزيجة، فالموضوع يتعلق بكرامة العشيرة:
-لا زواج من هذه الفتاة!.
قبل يومين من موعد الزفاف أقنعت الجميع ووسّطتُ شيخ عشيرتنا لحل الخلاف، ساد السلام بعض الوقت حينها وتصالح الجميع، لكنَّ الحظ العاثر! دائمًا يسبقني بخطوة، كيف يكون عاثرًا ويسبق الجميع، لا أدري؟
في ليلة الزفاف وغمرة تلك الفرحة، صوت إطلاقات نار كسرت بهجتها:
-ابن عمك أطلق النار على والدي!
هذا ما قالته عروسي.
لم يمت أبوها، كان جرحًا بسيطًا، إلا أن الزواج مات في تلك الليلة، ولم أرها بعد ذلك إلا وهي جثة هامدة على دكة المغتسل، حينها كانت سليمة معافاة، ولولا تلك المشاكل، على الأقل لأنجبت لي ولدًا أو بنتًا تؤنسني في وحشتي، وتنعش ذاكرة العشق كلما رأيت عينيها، أفضل من العيش في بيت أخي، الذين ما عادوا يطيقون وجودي.
عاد رفيقي ولا أدري من أين خرج هذه المرة قال لي:
-حظك سيء يا حميد.
قبل أن أجيبه سمعت صوت ابن أخي:
-عمي إن أبي يبحث عنك، لماذا تجلس وحيدًا وتأكل على هذا الرصيف؟
تجاهلته والتفت إلى رفيقي الذي يبدو أن لا أحد يراه غيري:
-لا عليك، قم معي يا حميد!.
هيثم العوادي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركات الأعضاء

ثلاثية ملاحم بقلم : نزار الحاج علي - سورية

  ثلاثية ملاحم بقلم  نزار الحاج علي سورية أُلفة تشعر أنّ أحدهم يراقبك باستمرار، قد يبدو لك الأمر غريباً في البداية؛ تطفئ الأنوار حتى لا يراك...

المشاركات الشائعة