Translate

الخميس، 15 يناير 2026

قصة حب بقلم : أحلام صالحي

قصة حب

بقلم
أحلام صالحي

ذكريات آوي إليها مستنجدا برشة من عطرك ، ببريق عينيك ، بوجهك الذي يتوهج بين ترانيم الحب.
أعود إلى ألبوم ماضينا متصفحا أعتاب الربيع الذي أزهر في قلوبنا وأسكننا تحت جناحي فراشة زاهية الالوان ، تستمد نضارتها من شمس الاصيل . كنت أتنسم من همساتك حبا فتيا وطربا شجيا، كان اللحن لا يفارقني وطيفك يسكن جدران قلبي الذي احتدم واصطخبت نبضاته في رأسي وهي تنطق باسمك وباسم الحب الذي جمعنا.
كانت الجامعة هي أول ما جمع حبنا من النظرة الاولى ، لا أعلم ما كان يسري في جسدي عندما رأيتك ، نعم أول ما رأيته عينيك العسليتين الدافئتين ، من دفئهما أشعلتا النار في حطب قلبي الخامد .
كم راودني قلبي أن أقدم على الخطوة الاولى ، أن أفتح باب مملكتك لأعبر سلطان قلبك وأترك بصمتي ، الاهم أن أوقظ فيك شيئا من عطري من صوت قلبي وهو يحتضن جبروت عينيك ، يضعف ويتقلص كلما سرقت نظرة منك ، وفي كل نظرة تزداد عيناك قوة وتوهجا .
إنما في أحد الايام الرتيبة ، خرجت من محاضرة دامت ست ساعات حسبتها الدهر ، دلفت إلى مكتبة الجامعة ، فثارت في نفسي رائحة لطالما عششت خلايا ذاكرتي ، وكأن سفينة العشق رست على مرفأ قلبي عندما لمحت مصدرها ، ليس لأنني لا أعرفها ، بل كنت فقط غير مصدق أنها كانت أنت .
وقفت هامدا بين الرفوف أسترق النظر إليك من فسحة كان يحتضنها كتاب ، وروحي تعصف رياح الحياة لتكنس أوراق الخريف الطريحة الفراش ، تهطل من غيمة سوداء قطرات الامل ، فتتبرعم ثمرات الحب لتنضج في أعتاب الصيف .
نعم ، منذ تلك اللحظة بدأ الفصل الاول من قصة حبنا الذي غزلته أنامل الحياة ، أصبحنا نتصفح أيامنا من كتاب الحياة ، فأوراق الحاضر باءت شبحا وأوراق المستقبل لا تزال حلما ، فما لدينا سوى أوراق حاضرنا ، حاضرنا الذي خططنا فيه للكثير من الاحلام ، منها الزواج.
تزوجنا وأصبح حلم من أحلامنا حقيقة ، نعم ، توحدت أرواحنا وقلوبنا في مواسم الكرز الاولى التي زخرت بها حدائق وجداننا ، وأوشحتها بلون العشق السرمدي ، لون الحب الافلاطوني الذي لم يدنسه جشع ولا مصلحة ولا خيانة .
أنجبنا ابننا الاول ، وكم كانت قلوبنا تنتفض فرحا ، وأعيننا تقبل ثمرة حبنا بشغف وبهجة ، فتطبع القبلات كزخات عطر في الهواء و تمتزج مع عبق أنفاس مولودنا وقطعة أحشائنا .
انقضت الايام تلو الايام ، وأصبح ما يجمعنا هو مائدة الطعام ، مع تحول اهتمامك لطفلنا خمدت نار قلبي بعدما انطفأت شعلة عينيك ، فأصبح البرود والجفاء هو ما يجتاحهما .
نشيد الحب وتلك الرائحة وحبنا الابدي وذلك التوق والاشتياق والفصول الاربعة بعد رياح الحياة ، كل شيء توارى وانتهى .
صرت مقترنا بالفراغ ، قابعا في الدرك الاسفل للحياة ، حياة الموتى والمنبوذين ، لم أعد أتذوق شيئا من طعم الحياة ، كأن الحياة كانت عيناك بالنسبة لي ، لكن الآن فقدت عيناك تلك الشرارة التي كانت تنير دربي ، أصبح الظلام يلتهم نور الفتيلة الصغيرة ، كوحش جائع يستلذ بلحم رضيع غزال .
أحيانا أعود لأتفكر ، ما ذنب طفلنا إن أغدقت عليه من الحنان حتى لم تتركي لي شيئا منه ، ما ذنب طفلنا إن تحول عمق حبنا إلى جفاء وفتور ، هل أنت كذلك أحسست بما آلت إليه أسطورة عشقنا ، أم أن انشغالك منعك من إدراك ذلك ، هل سيطر عشق الامومة خلدك حتى خضع عشقي أمام سلطته .
أقترب فجأة منك متضرعا بيأس ولو رذاذا طفيفا من تلك الرائحة التي ماتت في ذاكرتي، ولو بصيص نور من عينيك ليربت على كتفي أن الامل سيطرق باب قلبي الطريح مجددا ، قبل أن يحتضر في آخر نبضة ، في آخر صوت سينطق باسمك .
لكنني أعود مراجعا نفسي ، ما ذنبها إن كان قلبي أنانيا ، لا يفكر سوى بنفسه ، فأنا راشد ولدي عقل، حتى ولولم أطوق بالحماية مؤقتا فلن يستطيع أي أحد أذيتي ، لكن طفلنا إن لم نغدق عليه بالمحبة والدفء والحماية ، فسيكون أكثر عرضة للأذى ، ذلك الطفل هو رابطة محبتنا ، وهو العطر الذي سيعبئ قنينة عطرك الشاغرة .
سأشحن نفسي بالأمل، لأنني ما زلت على قيد الحياة الواقعية، لازال الحلم حلما والواقع واقعا ، فكفى أوهاما ، فلنعمل على صفحات الحاضر ، ولنبني حصنا يحمي عش زوجيتنا من التلف والدمار ، إن عصفت أعاصير العالم الخارجي على شجرة حبنا ، فكفاني وهنا وعجزا ، كفاني افتراء وغيرة ، كفاني حلما وأملا ، ماذا أطمع في الحياة أيضا ، فآلاف الاشخاص يودون الحصول ولو على نعمة الزوجة ونعمة الاسرة ، أرادوا بشدة أن يستيقظوا صباحا على همسات ناعمة وصرخات حياة جديدة تكسر روتينية وهدوء البيت .
يجب علي أن أعيد برمجة نمطية تفكيري، فالحياة الزوجية ليست مثالية، لكنها سنة الحياة، فهي سند ورغد، تضحية وفداء، أمل وحلم، كما أنها مثل أي شخصين جمعهما الحب ، قد يحتويهما دفء الربيع ثم يقتلهما حر الصيف ، ليتبددا في أثير الخريف ، ويتحللا في نعش الزمان فتنبثق حياة جديدة في صميم الشتاء .
إن ترهل الجسد وأصبح مترعا بالسقم والعلل ، فسنجد بالتأكيد حضنا يحتوينا ، وكنفا يأوينا ، ورحمة تسقينا شفاء لكل داء يضعفنا وينهكنا .
فلتسامحيني يا شمعة احترقت وهي تنير سيرنا نحو ذلك النور في آخر النفق ، ذرفت الدمع حتى صغر حجمها ووهن جسدها وهي تحاول أن تراضي كلانا ، فرفقا بها إن حجب بريق عينيها غمامة سوداء ، فلا ننسى أن من سواد الغيمة تنبثق حياة .

قد تكون صورة بالأبيض والأسود

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركات الأعضاء

لوحات فنية بريشة الفنانة/ إيما تومانيان

 

المشاركات الشائعة