Translate

الخميس، 22 يناير 2026

رنين بالذاكرة.. قصة قصيرة. ​بقلم: أحمـــــد مصطفــى الهلالـي (مصر)


"على ضفاف الكلمات، وحين نُبحر بين قوافي الحروف وعبير الذكريات، نكتشف أنَّ الحرف هو الجسر الذي لا تحده حدود، تتنفس من خلاله تفاصيلُ اللحظة؛ لتجدد فينا أسمى معاني الحب في الله والأخوة الصادقة.
هناك، حيثُ يلتقي عَبقُ النيل بـ شموخ جبال كردستان، تمنحنا الأقدار رئةً ثالثة نقتسم بها هواء الروح، ونُجسد بها نبل المشاعر التي تجعل من (رفيق الدرب) وطناً نأوي إليه.

​ورغبةً في مشاركتكم هذا الدفء، أضعُ بين أيديكم -رفقاء الحرف- ملامح من مداخلة قصصية، هي في جوهرها عناقٌ وجداني ومساجلة فكرية جمعت بين:

الشاعر/ أحمد مصطفى الهلالي (من أرض الكنانة - مصر) والأديبة/ حنين هلالي (من ربا كردستان الأبية)"

************

************

رنين بالذاكرة.. قصة قصيرة

​بقلم: أحمـــــد مصطفــى الهلالـي (مصر)

**************

​وحيداً بين جدران الغرفة، يتطلع إلى أرقام الهاتف.. يجد اسمها. يبدأ قلبه بالاحتجاج: "أما زلتَ تراهن على السراب؟" لكنه يتجاهل تحذيرات عقله ويستجمع شجاعته.

بأصابع ترتجف، يضغط زر الاتصال. تضطرب دقات قلبه، يحدث نفسه: "ربما ستعرف نبرة صوتي.. ربما كانت تنتظر هذه الإشارة لتعتذر.. أو ربما ليخمد هذا الحريق في صدري بكلمة واحدة منها."

​ثوانٍ من الرنين.. كأنها سنوات. وعيناه ممتلئة بالدموع، يهمس في سره: "أرجوكِ.. لا تكوني غريبة."

يأتيه الرد.. صوتٌ أجش، جاف كصحراء، يتساءل عن هويته. ينقبض قلبه بشدة: "هذا الصوت لا يسكنه الياسمين الذي أعرفه.. هذا الغريب يسكن بيتها، رقمها، وربما أيامها." يتجرع مرارة اللحظة ويتمتم بخذلان: "النمرة غلط".

​يسقط الهاتف.. دويّ ارتطامه بالأرض يوقظه من غيبوبة الحنين. يصرخ في أعماقه: "كفاك وهماً! استيقظ.. بضاعتك كاسدة في سوق لم يعد يعرفك. هل كنت تبيع الحب لمن اشترى النسيان؟"

يتجول بين الصور والذكريات، يخاطب طيفها بغضبٍ صامت: "لماذا لا تزالين تغمرين أحلامي وأنتِ لم تعودي هنا؟ هيهات أن تشفي قلباً أنتِ من كسرته."

​ينتفض مما تبقى منه، يقرر الرحيل داخلياً قبل أن يرحل مكانياً: "ارتحل يا قلبي إلى أرض تدرك هويتك، لا تترك أحلامك رهينة لزنازين الليالي المظلمة.. فالعالم واسع، وانت تحتاج ان تفتح نوافذ الأمل وتستقبل مايليق بك."

فجأة، يضيء الهاتف في يده بإشعارٍ تقني: "الذاكرة ممتلئة.. امسح بعض الأشياء." يبتسم بسخرية ووجع: "حتى الجماد يطالبني بالتخلص منكِ."

يمسح دمعته، يضغط على خيار الحذف النهائي..

"تم بنجاح."

******************

******************

​على الضفة الأخرى.. رحيل بلا صوت

​بقلم: حنین هلالي (كردستان)

****************

​بينما كان هو يصارع كرامته أمام هاتفه، كانت هي تصارع ما تبقى من أنفاسها.

ممددة على سرير أبيض، يحيط بها صمت المستشفى إلا من رنين الأجهزة الرتيب. نبضاتها المتعبة ترسم خطوطاً باهتة على الشاشة، وعيناها العالقتان بسقف الغرفة لا تبحثان عن الشفاء، بل عن "رنين" واحد وعدت به قلبها قبل أن يغيب الوعي.

​كانت تسمعه في مخيلتها كل ليلة، تهمس لنفسها: "سيتصل.. أعرف أنه لن يترك الغياب ينتصر."

فجأة، اخترق سكون الموت رنينُ هاتفها المركون فوق الطاولة. انتفضت روحها في جسدها الهزيل، حاولت أن تمد يدها، أن تصرخ، أن تخبر العالم أن هذا هو النبض الذي تنتظره لتعود إلى الحياة. لكنّ القيد كان أقوى من الإرادة، وصوتها كان سجيناً تحت قناع التنفس الاصطناعي.

​يدٌ غريبة امتدت للهاتف.. يد أخيها القابع بجانبها بملامح منهكة. ضغط زر الرد، وبنبرة جافة، أهلكها السهر والوجع، قال بآلية: "مين؟.. لا، النمرة غلط."

في تلك اللحظة، أحست وكأن خنجراً من الجليد انغرس في صدرها. أرادت أن تصرخ: "ليس خطأً.. إنه هو!"، لكنّ اليد التي حاولت عصرها لم تستجب إلا بارتجافة طفيفة.

​نزلت دمعة وحيدة، حارة، شقت طريقها على خدها الشاحب؛ دمعة وداع أخيرة، ليس للحياة، بل لقلبٍ ظن أنها اشترت النسيان، بينما كانت هي تدفع حياتها ثمناً للانتظار.

أغمضت عينيها، وتوقف الرنين في أذنيها.. وفي الغرفة.. وفي الحياة.

​******

أפـمـפـ مصطفى الهـــلالـــي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركات الأعضاء

لوحات فنية بريشة الفنانة/ إيما تومانيان

 

المشاركات الشائعة