البنا بين التقليد والتجديد
قراءة انطباعية في رواية " علاقات هشة". للأديب المصري محمد البنا
بقلم : سيدة بن جازية - تونس
""""
علاقات هشة "عنوان وسم رواية البنا اختار أن يكون مركبا" نعتيا ، مبتدأ خبره النص الروائي مجزأ على أربعة فصول مصدرة بأقوال لمفكرين غربيين...
تلك هي أول العلاقات الهشة بين الفكر الغربي و العربي
تأثيرا وتأثرا و اقتداء و استلهاما للأفكار المتداعية المتوالدة المتصارعة في النص كمتنافرات...
و تتواشج العلاقات تتمايزو تتنوع...
لم يحدثنا الراوي المبدع عن العلاقات الوطيدة المثمرة القارة بل أفرد مبحثه الأدبي عن العلاقات الهشة السلبية...
علاقات بشكلها "نكرة " غير المعرف / المعروف لدى الجميع هو مجال البنا أو مجال المبدعين أو الصعيديين أو المشوشين أو الطموحين...
في صيغة الجمع نعتها هشة ، الهش الوهن الضعيف القابل للكسر أو المحو أو الاستبدال...
العلاقات في الأغلب تكون بين الشخصيات القصصية ، لكنه نوع و موّه وراوغ ليجعل العلاقات بين الداخل والخارج/ بين الكاتب والراوي ، بين الراوي و الشخصيات...
بين الشخصيات في الواقع/ المتخيل/الافتراضي...
بين المدينة و الريف
بين الأرض والفلاح
بين العلم و العاطفة
بين الذكر والأنثى
العلاقات هشة لم يشأها الراوي على غير هذا الشكل لتترك في القارئ تساؤلات تشغل وعيه و لا وعيه...
لماذا أرادها هشة ؟
لغاية في نفس يعقوب
لغاية نقدية لهذا الواقع الممجوج الذي نعيشه بكل دناءاته و نفاقه وجحوده و صدوده ...
وسيلة الكاتب لفضح المسكوت عنه/ للتابوهات/ للتأليه والتقديس/ للرغبة في خلق البدائل...
فهل يستقيم الواقع إن وقع اختيار كل فرد لمصيره و قدره و علاقاته؟
أي متعة في الحياة إن وقع تحقيق حلم الراوي أن تتدخل الشخصية في تقرير مصيرها ؟
"""""
بعد أن يفعل العنوان فعله فينا نلج عالم الرواية...يطالعنا الفصل الأول نذهل لاعترافات بين الحقيقة و الخيال يتواشج الفن بالواقع...يحاول الراوي تخطيط مسودة أو سيناريو إخراج لمسرح الدمى الوجودي ...
اختيار الحبكة والخط الدرامي و توزيع الأدوار فاختيار الشخصيات...
توطئة للسير العادي للقص ميتاسردي مستحدث ،ينقل صراع الفنان بين أدواته نلامس لحظة الجنون الملهم...
حبكة غير مألوفة تكشف الحجاب عن القارئ/ الناقد
كيف يفكر و ميكانيزمات التقنية الروائية..
كيف يلملم شتات المخزون والوافد يعجنه بدم عربي أصيل كخزاف خرافي أو كصانع الدمى...
لحظة تتخبط فيها المناهج والمدارس السردية و الفلسفات الوجودية و التقليدية و الموروث....
هكذا ارتج القارئ في دهشة:
ماذا يفعل هذا المبدع النصوح؟
لماذا يغير خطه السردي ؟
لماذا يستبدل قلمه ؟
كيف يبدو تائها بين شخصياته و قارئه؟
"""""قراءة في الفصول :
نلج الفصل الثاني لتنطلق المسرحية على ركح دائري بين القارئ والجمهور والشخصيات و المخرج والسيناريست...يتشاورون معا بكل ديموقراطية حينا وأحيانا كثيرة يتدكتر الراوي.
تتواتر الأحداث و يحتد الصراع على امتداد الفصلين اللاحقين.يتخذ من قضايا الأرض و القبيلة و العرض و العادات والتقاليد محملا يطرز به أفكاره يكسوها أثوابا و يعالج الواقع المعتاد...
انطلق من واقع يعيش الصراع القبلي ؛ الصعيد بكل زخمه، البؤرة التي تشد الإنسان للواقع للأرض للإبداع للعلم والفنون....
صور ذلك في قصة هناء و ولاء و يحيى و الجد و الابن و قطاع الطرق و...تنجبهم أرض الصعيد ثم ترسل بهم إلى المدينة رغم العراقيل تنجح في ربط علاقة الجاهل بالعالم في علاقة ولاء بعاصم كي تينع الأرض ثم تعود هناء وحسام ويحيى جميعهم لإنقاذ الأرض / الوطن / العرب
موظفا لعلم الهندسة والاقتصاد والأدب و الواقع ...
ترتقي كذلك بشخصية هناء رغم الإغراءات لم تدنس صورة ابنة الصعيد ترفض ابن عمها لكنها لا تفرط في عرضها ..
ترفض أن تكون مجرد أنثى مستنسخة كما أرادها حسام عبير. رغم غرورها واعتدادها بنفسها.
هي رواية الصراعات المعلنة والخفية:
صراع المدينة والريف
في الأمر انتصار للريف الصعيدي إذ أغلب الأحداث دارت على أرض الريف، فقط جعل المدينة ركح الدراسة وممارسة الهواية أما الحياة الواقعية المغمسة في الطين امتدت في الريف/ الغيط/الحقل...
صراع الجهل/العلم
صراع الصالونات الأدبية / علاقات المبدع بالناقد
صراع العاشق بالمعشوقة
صراع العقل بالقلب
صراع وهم بالحقيقة
""""
بين هذه الصراعات كانت الحبكة محكمة تعالج موضوعا تقليديا ، يصر الراوي المريض النفسي أن يرجع المرأة إلى دائرة البيت ، العشق....
لكن في ثغرة تصر الشخصية هناء أن تبرز للعالم قدراتها على إنقاذ الأرض من البوار/الفطريات...
المرأة المتحدية، تتحدى اعترافات خالقها ومبتدعها الذي يتبجح بقدراته قائلا " كما تعلمون، الآن خطوط الأحداث كلها في يدي "
يصف فعله ونفسه " السارد الطموح"
يصنع منحوتته ويعبدها فتحطمه ولا تتحطم صانعا لنفسه أسطورته الخاصة.
المنحوتة هناء/نور الملازمة له كساكنة لخياله الفني الذي نمذج لها قالبا خاصا مفقودا في واقعه هو قالب الزوجة/ العشيقة/ الأديبة /المثقفة/ الواعية/ العابدة له/ المقدسة لغروره و لنجاحاته...لكن في كل محاولة أدبية تصحو أنثاه لتوقظه من حلم اليقظة وجنون العظيمة فتسخر من سذاجة تفكيره حتى وإن كانت صنيعته ليواصل المحاولات...
تنتصر هناء بكسر راويها لكن قلمه لا ينكسر يواصل البحث عنها في روايات جديدة بنكهات جديدة كما ختم عمله معلنا ذلك واعدا متوعدا...
الراوي العليم / المتعدد
يتعدد الرواة في الرواية إلا أن الجامع لكل الحبال الصوتية بقي ظاهرا ماسكا بيده كل خيوط دماه...
فالراوي الرئيس لم يستطع التخلص من نرجسيته و ألوهيته/ الأديب/ الأستاذ الجامعي/ العاشق/ العابد لهناء/ ابن الصعيد / ابن المدينة/ الفذ / المسيطر /الظاهر / المتخفي / الطموح / الثائر ...
"""""
يحاول متفردا كسر المعهود بفتح مجال الشخوص لرفع العبودية عنهم، ليحررهم من سلطة الكاتب التقليدي متشبها بلوثر كينغ ..فكيف يوهمنا بهذه الصفة وهو لم يتخلص من صورة المتملك...
فضحته البنية النفسية في القص فالكل يعيش فصاما/ مرضا نفسيا يريد التعدد/ لم نجد شخصية قانعة بوضعها الكل بدا كقطاع الطرق " أولاد هريدي " والكل يريد الفوز بما ليس من حقه ...فحتى الجد حيا وميتا يريد أن يعيش زمنه وزمن أحفاده كذلك الأرض و العمدة و الأستاذ و الأديب ووو
"""""
حقا الرواية حمالة أوجه متشظية لكنها تختصر الإنسان فكره و عقله ، فالإنسان الذي أراد تقديمه البنا ليس منفردا لم يكن عاصم أو هناء او ولاء او سحر او عبير او كمال او العمدة...كلهم مجتمعون يقدمون شظايا الإنسان المتلهف للعلم والمعرفة والأدب والعاطفة والأرض والسلطة و الجد و الهزل و العدل و التسامح و التغطرس و القانون و الفوضى ...
هي الأنتروبولوجيا في الأدب العالمي
.
لذلك كانت اللغة سامية سلسة شاعرية متفلسفة تقنية مختصرة متداعية. فبين الفصل والفصل تتغير نبرة الكاتب و معاجمه و أدواته ...
وصفها دقيق متقن للشخصيات والأماكن و المشاعر ...
"""""
أما المكان ذاك المحرك الفاعل لجوهر الحكي الروائي كاد أن يكون شخصية تتحرك تتكلم تنتصر وتسخر.
صوره مكانا معتقا بروح القبيلة ، الموروث ،العادات التقاليد ، المكان هو الصعيد/ المنتصر على المدينة الرافض في الأخير_ للدخيل الماكر ( الأستاذ حسام ) رمز الدنس و الوصولية ...
""""
الزمان ممتد من عمق الأرض و الإنسان يعاصرنا ثم يعبرنا إلى_ المستقبل المنشود ...
""""
الشخصيات ؛ مصابة بلعنة الأرض والخطيئة ، تحاول التطور لكن الراوي لم يفتح لها مجالات واسعة..
هناء: تنغمس في الأرض و الطين ثم تحلق بجناحي العلم والأدب في سماء الطهر ، صورها قوية عنيدة ثائرة منتصرة
ولاء ابنة الأرض القنوعة ، تقنع بالحلم مع الجهل المتأصل في الإنسان لم تتغير لكنها كسرت عرف القبيلة بزواجها الذي خططت له حسب اختيارها
يحيى لم يكن بجرأة هناء ، شخصية غير فاعلة أو متطورة رغم توفر السلطة والعلم والمال والجمال و المركز فقط خلق ليحيا كالنبات والحيوان و الغيط ..ينتظر الدافع كي يتطور...
الراوي : متقلب متنكر في كل الأزياء يحشر نفسه في كل مجال كي يلفت انتباه هناء فشبقه أفقده الفاعلية فقط نجح في تنفير القارئ منه وبقية الشخصيات...
نجح في هندسة الرواية بعالميها الداخلي والخارجي المتخيل والافتراضي...
"""""
الحبكة دائرية منشطرة فالكاتب انطلق كاشفا للعبة السردية وكذلك اختتم ..
لعب على خطين متوازيين وحافظ على توازنه كساحر عظيم كشف تمرسه باللعبة السردية فكلما شعرنا بالتمادي عاد إلى الركح ليعدل الأدوار والديكور, يصل كل مرة إلى الذروة ثم يراوغ ، يستنجد بالشخصيات فيخيرها ثم يواصل فأقحمنا في خياراته وتنبأنا بالمصير كي لا يفاجئنا ...
""""
رواية يلخصها السارد في قوله " عجبت لذلك الأبله الواهم المتوهم ، لا يزال يخدع نفسه انه يملك قدراته الإبداعية ..."
ليفتح لنا باب البحث في الرسائل / الرؤى :
الأنثى :
يقول لها عبر روايته وتجربته : اصنعي ذاتك و لا تعتمدي على الآخر ،الرجل لأنه يقوم معول هدم للطموح والأمنيات والشرف و الآفاق ...
دعوة لمزيد العمل والنجاحات في مجالات شتى بين العلم والأدب والموروث و...
الذكر:
أن يكون جناح الأنثى الفاعل لا الكاسر ...دعوة أن يكون نزيها رجلا لا ذكرا مبتورا..
يبتعد عن مرتبة الإلاه المتسلط المتجبر إذ صور نهاية كل متجبر وخيمة مبتذلة .
المبدع:
يدعوه إلى التواضع و اليقظة والمواكبة ،يحذره من التبجح و التأله و سخط الشهرة و توهم الكمال ...
ملفتا النظر إلى خطر السرقات الأدبية والنقدية وآفات الصالونات والندوات و الشللية والمحاباة وصناعة الأديب و الناقد...
يدعو إلى الطموح ويصف سارده بذلك .
هكذا تراءت لنا الرواية و استقبلناها.
وفي الأخير نبارك البنا هذا العمل الجديد المستحدث ،
نبارك دمجه للتقنيات الحديثة و لدمج قضاياه ، قضايا عصره وأرضه و هوايته وصنعته و حذقه لدمج السيرة الذاتية في الميتا سرد ، فيجعل كل قارئ يرى ويسمع صوت البنا بين ثنايا المتن الحكائي ، يؤرخ و يوثق للأحداث والوقائع لكن يخرج من منفذ الأدب والتجربة الجديدة لنبحث عنه في عمل جديد .
نقد الرواية :
الرواية تطرح القضايا ولكن الطرح تقليدي ، عايشناه في الأدب التقليدي مع محفوظ وطه حسين و إدريس و تيمور...
فالتجديد الذي طال الشكل/ التكنيك لم يتسع للمضمون .
"""""
الرواية تقترب من القصة القصيرة إذ حلقت في سماء علاقة عشق ثنائية بين هناء والراوي و البعض صنعه كي يخدم الغرض الأساسي .كنا ننتظر بعد تجربة نور أن تتشابك الأحداث و القضايا و تتعمق المباحث .
لم يتخلص الراوي/ الكاتب من عقدة الأنا الأعلى، فكان مكررا لنفس الدور السابق خلع رداء نور وألبسه لهناء لكن الأفكار ذاتها تتكرر و تمجيد قلم السارد و دوره الأدبي يتكرر وكأنه يكرس فكرة قدرة الأديب على اقتحام العقول والقلوب بل قدرة على التحكم في مصائر لا الشخصيات فقط بل القراء كذلك مشيرا بإصبع الاتهام إلى الأنثى مذكرا بهشاشتها النفسية و فاضحا فراغها العاطفي و الفجوة بين الأزواج و الأرواح .
حصر قضايا الأدب في العلاقات الخارجية بين الفاعلين في الساحة لا العلاقات الداخلية في عمق اللعبة السردية ...
في الختام نشكر فضل المبدع الكبير محمد البنا أن سخّر لنا منتجه للتدارس و بناء علاقات عملية متطورة للعمل الأدبي و التجربة الأدبية .
بورك القلم المبدع.
لن أنسى فضلك أنك غرست في حب النقد فلا تعاتبني الغوص في جراح الرواية بمشرط المتربص .
بقلمي سيدة بن جازية تونس

