الرؤية السّردية في
رواية العودة
للكاتبة عبير عبد
الجليل
د. وائل الصعيدي
محاضر اللغة العربية بجامعة الاقتصاد والتجارة الدولية- الصين
عضو اتحاد كتّاب مصر
............................
لكل مِنّا ميوله في
طعامه وشرابه وقراءاته وهواياته، والقراءة بالذات تعمل على إعمال الفكر وثقل
الخبرات وتنشيط الوعي والاطلاع على الثقافات المتنوعة؛ فإذا أردتَ أن تعرف المجتمع
الصيني أو الروسي مثلًا يمكنك بكل بساطة أن تقرأ في أدبهم وفنونهم، ولكن إذا أردتَ
أن تقرأ عن حياة أخرى لأناس آخرين في مجرّات وعوالم بعيدة فهنا يكمن السّر
والتركيز للإثارة والمتعة لمعرفة المزيد.
ورواية قانون
كيبلر(العودة)، للكاتبة عبير عبد الجليل، العضو العامل بقصر ثقافة دمياط، ورئيس
القسم الأدبي والثقافي لدى جريدة الأهرام نيوز(سابقا)، ورئيس القسم الأدبي
والثقافي لدى جريدة الحدث الإخبارية(سابقا)، ورئيس القسم الثقافي لدى مجلة
فوكس العربية، تأخذنا معها في رحلة شيّقة مع رواية أدب وخيال علمي في محاولة منها
لإيجاد حلول للمشاكل التي تقترفها أيدي الناس على الأرض من التلوث والظلم والإفساد،
والتطواف لوضع أرضية مشتركة والعيش سويًا ومحاولة المواءمة مع مخلوقات أخرى بخصائص
وسمات متقاربة.
إن الكتابة عن أدب
الخيال العلمي ليست بالأمر الهيّن ولكن تتطلب قراءات كثيرة والاطلاع على ثقافات واسعة
ومتنوعة وكتابات متشابهة سابقة، لإخراج عمل فريد قوي يحترم عقل القارىء ولا يستهين
به ويطرح رؤية جديدة، وقد أعدت الكاتبة للرواية في ست سنوات تخللت القراءة
والاطلاع ومتابعة وكالة ناسا ومراصد عربية وأوروبية، والكتابة والمراجعة لتخرج إلينا
الرواية في ثوب قشيب.
جاء عنوان الرواية ليضع
القارىء في حيرة فيثير التساؤل: قانون كيبلر(العودة)، ما القانون؟ ومَن الذي عاد؟
ومن أي مكان عاد، فيحاول طوال رحلة القراءة يُعْمِل عقله ويُخمّن ويتنبأ ويستنتج
واستكناه الجوهر، كما ارتبط العنوان بالجو العام والانسجام مع أحداث الرواية
وشخوصها، ويظهر بقوة في قفلة النهاية.
وجاءت صفحة الإهداء،
لتربت على كتف المُثقلين الصابرين بجوار غرسهم ليروا حصادهم يُثمر أمام أعينهم،
الذين يعملون على ترقّي أنفسهم في جوانب شتى لإضاءة دربهم واستشراف المستقبل
بالعلم والعمل والاجتهاد، ولهذا جاء: "إلى الذين اجتهدوا وجاهدوا، وصبروا
وصابروا، حتى يروا بادرة أمل ليزهر غرسهم، وإلى الذين أدمت أذهانهم فكرا منيرًا
يسعى ليضيء المستقبل بثمار علمهم وبحثهم ... ". (صفحة 2).
وكان لابد من المقدمة أن تأتي بهذا الشكل الواضح
على هيئة(صَرْخة)؛ لتعريف القاريء بما يختلج في صدر الكاتبة ويجول في ذهنها من
التفكير في حياة جديدة على كوكب جديد للانتقال إليه عند استحالة الحياة على كوكب
الأرض، وأرى أنها مُحقة في ذلك لِما نراه جميعًا من تلوث المُناخ والبحث عن بدائل،
ونشوب الحروب في أماكن كثيرة من العالم والتلويح بها في أحايين أخرى، وغير ذلك من
العقبات التي تواجه سكان الأرض والتي تسبّبوا فيها بما كسبت أيديهم، فكانت المقدمة
كالمفتاح والمدخل للرواية.
فتقول في جزء منها: "فدعوتُ
نفسي على مائدة الخيال مع طفرات المنطق وجنون الإبداع، وعلى بساط الأمل والتفاؤل،
وربما قليل من المخاوف، وهذا السؤال يتردد في ذهني: هل سنكون مقبولين بين أمم
أمثالنا ونحن مَن وأدْنا مأوانا الذي نسكنه"الأرض"؟، (صفحة 3).
وفي الحقيقة فوجئتُ
بتقديم الصديق الدكتور الباهي جاد، الأكاديمي، والخبير الدولي، الحائز على جائزة ستانفورد
للتصميم، وهذا لا شك نقطة قوة، ويوحي أيضًا بأهمية الرواية لحث المهتمين بقراءة الأدب
عامة وأدب الخيال العلمي خاصة على اقتنائها وقراءتها.
لقد جاءت لغة الرواية
سهلة ومفهومة فهي لغة عربية فصحى ميسّرة، وأسلوبها جميل وشيق، غير أن أحداثها
كثيرة وأسماء الأشخاص كذلك، وواضح فيها جهد الكاتبة ودقّتها في اختيارها مما يُحتّم
التركيز وعدم التشتت أثناء القراءة للاستمتاع أثناء الانتقال والربط بين الأشخاص
والأحداث.
والرؤية السردية أو
التبئير أو ما يُطلق عليها وجهة النظر، عنصر من عناصر البناء السردي، ومصطلح نقدي
يشترك فيه السارد والقاريء؛ فالسارد من خلال إلمامه ورؤيته ومعلوماته، وبالتالي هو
الذي يحدّد ويتحكّم فيما يقوله للمتلقي من خلال حصر سير الأحداث والأشخاص في زاوية
معينة.
وتنقسم الرؤية السردية
أو التبئير إلى داخلي وخارجي؛ فالداخلي يصف فيها أحد شخوص الرواية الوقائع كما يرى
هو من وجهة نظره، وأما الخارجي فيقوم بها السارد من خلال معرفته الواسعة عن
الأشخاص ومجريات الأحداث، ومن هذا المنطلق يمكننا إلقاء الضوء على الرواية الحالية
(قانون كيبلر) أو العودة.
ومن المفارقات تزامن
وقت قراءتي للرواية مع قرار وقف إطلاق النار بين الاحتلال الإسرائيلي وقطاع غزة
بواسطة مصرية قطرية برعاية أمريكية، وعودة النازحين، مع الأخذ في الاعتبار أن اليهود
ينكثون عهودهم ولا مبدأ أو كلمة عندهم.
وبعد ذلك أدخلتنا الكاتبة مباشرة في تهيئة نفيسة
لاستقبال أحداث جسام؛ فقد حدثت محرقة نووية شاملة ومن ثم انتشار إشعاعات نووية
قاتلة أدت على الفور إلى اختباء مجموعة من العلماء في مختبر مؤمّن في باطن الأرض
لمدة خمسة عشر عامًا، لقد سعوا في البحث عن ناجين وخاصة ذويهم بطائرات بدون طيّار بعد
تحذيرهم من تنبؤات بحدوث المحرقة، وذلك بتجميعهم في مكان آمِن.
وهنا يتجلى السارد
الخارجي ليخبرنا أنه مع بداية الرحلة التي كانت بعد مائتي عام للخروج من الأرض مُرْغمين
إلى ملاذٍ آمِن للبحث عن وطن بديل أو كوكب بديل، وهو كوكب كيبلر العظيم، الذي تم
اكتشافه في إحدى الجولات الاستكشافية، وتسليط الضوء لمعرفة بعض الفروق بينهم وبين
البشر، كما جاء في (صفحة 5):" كوكب هاديء منضبط، أهله عمليون، يعشقون الهدوء
والعمل في صمت، ليست لديهم مشاعر إنسانية كما البشر، والأعجب أنهم لا يبكون عندما
يتألمون مثلنا، تستشعر للوهلة الأولى أنهم أشبه بالآليين والروبوتات كتلك التي يعج
بها الكوكب، والتي تتولى معظم المهام تخفيفًا عن أهله، فينظر إلينا أهل هذا الكوكب
نحن البشر نظرة تكبّر وضجر، لأنهم يعلمون ماضينا غير المشرّف على كوكبنا الأرض،
ويعتبرون أننا مَن تسببنا في كل ما حدث فيه، وأنه بما كسبت أيدينا، وأننا الآن
نجني ثمار ذلك".
ياله من ماضٍ مؤسف حقًا
تملؤه الصراعات والحروب والظلم وأكل الحقوق والخراب، فصدق أهل كوكب كيبلر فيما
ذهبوا إليه؛ فكأنهم قالوا أنتم أفسدتم كوكبكم وجئتم فاستضفناكم لتفسدوا كوكبنا
وحياتنا؟
وكوكب كيبلر الجديد له
قوانينه وأحكامه الخاصة الشديدة، دلّ على ذلك عندما ساق الحرّاس الآليون أمامهم
طفلًا تمهيدا لمحاكمته، مع فتح الكاميرات وتشغيل البث المباشر في ساحة كبرى
ليشاهدها جموع أهل كوكب كيبلر العظيم، والجمع البشري، فأدخلوه على الحكماء السبعة،
فبدأ كبيرهم"هايبريون"بتوجيه سؤال له، قائلًا: " كيف تجرؤ على انتهاك
قوانين الكوكب... لم يفعلها أجدادك وآباؤك من قبل؟!...، فارتبك ولم يعرف بماذا
يرد..."، (صفحة 7).
استقرّ رأي العقلاء على
نفي الطفل الأرضي(عائد) وعبوره (أرض الهلاك)، التي قلّما ينجو أحد من عبورها، غير
أن الذي يصل إليها يصبح حكيما عالِمًا، فبكى الأرضيون على هذا الحكم القاسي على
طفل صغير، وكان أشدهم وجعًا صديقه (أورين)، ذلك الطفل الفضائي، كما تذكروا نفي
الحكيمة منذ عشرين سنة؛ فأرض الهلاك عبارة عن سياج من الأشعة القاتلة لا يستطيع أي
مخلوق اجتيازه.
وكما أن القوانين صارمة
فإن كل شيء في الكوكب مراقب بكاميرات دقيقة أيضًا لا مناص للمخالفة أو فعل شيء
يجعله تحت طائلة القانون، ؛ شرح أورين في بث علني مباشر أمام الجميع شدّة ارتباطه
وتعلّقه بصديقه البشري عائد حيث قال عنه:" جعلني أعشق الاكتشاف ولا أخاف من
أي شيء، ولا من المخاطرة كان يتعمد أن يمسك يدي بقوة رقيقة، كنتُ أشعر بشيء دافيء
يتدفق من يديه إلى يدي لا أفهمه... كنتُ أخاف من انتهاك القوانين فأنزعها، فيعرّض
نفسه للخطر عمدًا فأمسك يديه لأنقذه فيضحك ويقول:"ها أنتَ تخالف القوانين
الآن"، لقد كان يرسم على وجهه تعبيرات غريبة ليضحكني، وعندما نغلق علينا باب
غرفتي، كان يستخدم اختراعه في التشويش على أجهزة المراقبة"، (صفحة 11).
وتأخذ
الكاتبة القاريء بين الفينة والأخرى في محاولات للتقريب بين عالم كوكب كيبلر
والبشريين أو(الأرضيين)، مع الأخذ في الاعتبار الاختلاف في الطباع والتركيب،
فعندما انتهى أورين من حديثه مُبديًا تأثره بصديقه الوحيد البشري عائد، فتدخّل
أورباك والد أورين وهو"كبير علماء كيبلر"، ظنًا منه بأنه سيتم نفي ابنه
مع عائد، لمّا رآهم اشتاطوا غيظًا من كلامه الدافيء عن صديقه الحميم فطمأنه كبير
العقلاء بأنهم سيعملون على إعادة تأهيله فقط، ولكن الطفل أورين تمسّك بالنفي مع
صديقه الوفيّ، واتجه نحوه لكن قوات الأمان منعته، فقال لأبيه:"سامحني يا أبي
لن أترك صديقي"، فضمّه أبوه بقوة مخالفًا القانون أمام الملأ، فخرج ترايتون
كبير أهل الصفوة ونبّه أورباك بمخالفة القوانين والتشاور في ذلك لاحقًا.
عملت الكاتبة تناصًا
بين البشريين والكيبلريين، وكأنّ العدوى أصابتهم أيضً، ا(إعادة التأهيل)، أو مراكز
التأهيل، عبارة ظاهرها الرحمة وباطنها الطاعة العمياء وإلغاء التفكير، هي هي نفس النغمة
التي يتشدّق بها البعض على مر العصور، وهي في الحقيقة محاولة لإعادة برمجة أو(غسيل
مخ) إن صح التعبير، فالبعض أو الفئة المتحكّمة تريد فرض سيطرتها وأفكارها على
الكل.
دفع كبير العقلاء بعائد ناحية أرض الهلاك وفي
نفس اللحظة أمسك أورين بيده فحلّقا سويًا وتشبثا ببعضهما وهما عازمان على التحدي
والعبور الآمن لاجتياز أرض الهلاك والعبور لأرض العقلاء على الاجتهاد وتقوية
الصداقة ليصبحا حكيميْن، وفي أثناء هذه الأحداث وبعد وصولهم فوجئوا بالحكيمة التي
تم نفيها منذ عشرين عامًا تتحدث من خلال بث مرئي مباشر من أرض العقلاء، وهي تلومهم
على نفيها ومخالفة القوانين، قائلة:" نظرًا لمخالفة العقلاء السبعة لقانون
أرض الحكماء البند الثاني؛ فإن لي كامل الحق في إنشاء قوانين جديدة والتدخل القوي
في فرض كل ما يتعين عليه الارتقاء بذلك الكوكب"، (صفحة 19).
لقد
نجا كل من أورين وعائد من أرض الهلاك واستقرّا في أرض الحكمة والتقيا بالحكيمة
التي كانا يسمعان عنها الكثير من الجمال والعِلم والحكمة، تلبس ملابس بيضاء ويعتدل
التاج على رأسها.
وفي مشهد عاطفي وعندما
أرادت الجموع أن تنفضّ: أهل كيبلر إلى مناطقهم وأهل الأرض إلى مناطقهم نظر كل من أورباك
والد أورين وزوجته إليتورا إلى حميد والد عائد فأشار أورباك لقلبه ففهِم أنها
للتآزر والاشتراك في مصيبتهما وهي نفي أبنائهم، عندئذ غضبت قوات الأمان فأطلقت
صفارات الإنذار، وغلّقت الأبواب الشاهقة التي تفصل بينهما،"حتى الأبواب تشهد
على الطبقية بين أهل كيبلر والبشر".
في باطن كل محنة منحة،
فقد اجتهدت الحكيمة في تعليم الطفليْن فن التعامل مع المواقف الصعبة واجتيازها،
وطرق البحث والاطلاع والتجارب والعلوم الحديثة في المختبر، مع الالتزام بالهدوء
والسكينة والأخلاق وقواعد البحث، والاستفادة من نشاطهما وإقبالهما على المعرفة،
وكانت دائمًا تناديهما بالحكماء. مع الوعد بعودتهما مرة أخرى.
وتعمل الكاتبة إسقاطًا
من خلال السارد الخارجي المتمثل في الحكيمة وهي تسرد لعائد وأورين قصة واقعية حدثت
في الماضي في مشهد بديع وفيصلي من فصول
الرواية؛ لمحاولة التقريب بين الكيبلريين والأرضيين من خلال الفروقات والاختلافات
الواضحة في البنية الجسدية والعاطفية والفكرية لباحثيْن مجتهديْن في (معهد بحوث
المجرّات)، حيث قالت: "ما يقرب من خمسين عامًا، وهو صرح علمي ضخم له مكانته
المرموقة في مجتمع كيبلر، فلا يلتحق به إلا العباقرة ويكون ذلك عبر منافسة سنوية
لاختيار أكثر العباقرة ذكاءً على أرض كيبلر، وعند إتمام الدراسة في هذا المعهد
يدخل الأول والثاني في قائمة المرشحين لتولي منصب كبير علماء كيبلر، وأيضًا كبير
الباحثين، وغالبًا ما يُترك ذلك المنصب للأرضيين عبر مسابقة تُقام كل 10 سنوات،
ولا يُشترط عمر محدّد؛ فقد يتولى المناصب أصغرهم عمرًا"، (صفحة 57).
في هذا العام بالذات كانت المنافسة شرسة وقد
فازت بالمسابقة لأفضل بحث مفيد في كافة العلوم فتاة واحدة والمفاجأة أنها بشرية
لعبقريتها وتكريمًا لإخلاص أبيها المتميز على كوكب كيبلر، ونافسها (ديوكاليون)،
المعروف بـ (ديو)، وهو ابن كبير علماء كيبلر، وهنا سؤال عنصري تم طرحه من أهل
كيبلر: كيف يتساوى ابن كبير العلماء مع بنت بشرية متميزة وذكية؟، والمفاجأة بعد أن
التقى ديو بتلك الفتاة (مرام)، وقت التكريم انجذب إليها فهي تبدو جميلة بعيون
زرقاء، وابتسامة ساحرة.
تجاذبا
أطراف الحديث وعرف أنها مسيحية بعد أن رأى الصليب فسألها عنه وأخبرته بديانتها،
فسأل عائد الحكيمة: هل أنتِ مسيحية؟، فقالت له: لا، بل مسلمة، ويجب أن تتعلما
مهارة الصمت.
تردّد ديو ومرام على
مختبر هيئة علوم الكوكب الذي لا يدخله إلا النوابغ والعباقرة، فالمكان صرح مُبهر
جدًا، فتقرّبا من بعضهما أكثر للفهم ولمعرفة كل منهم الآخر، فلاحظ رئيس القسم وهو
رئيس هيئة العلوم ذلك فانزعج وحذّر ديو من التقرّب من تلك الفتاة الأرضية ذات
الدهاء التي ستعلو في المناصب مثل أبيها، ولاحقًا أصبح ديو رئيس الباحثين ومرام
مساعدته.
"ظل الاثنان
يعملان معًا لمدة خمس سنوات يتبادلان المشاعر الجميلة المستترة والأفكار والمشاريع
الضخمة. فحدثت طفرة تكنولوجية بسبب أبحاثهما مع الحفاظ على الشكل العام دون لفت
النظر إليهما، وعند نهاية السنة الأخيرة في الدراسة وبعد تقديم مشروعهما للتخرج
معًا أحضرهما رئيس هيئة العلوم(إيم)..."، (صفحة 86)
أخبرهما أنه خالف
القوانين بتستّره عليهما وهو يلاحظ هذا ويعرف جيدًا، ومع ذلك أخبرهم أيضًا أنه
سيعلن أنهما المرشحين لتولي منصب كبار علماء كيبلر لتفوهما العلمي على الأجيال
السابقة.
وفي خطوة كان يحسب
(إيم) رئيس هيئة العلوم حسابها أخبره(ديو) بأنه لا يبالي من أي عقبات أو عقوبات
المهم أن تكون(مرام) زوجته، حيث قال:" هذا ما كنتُ أخشاه... هل تعلم ديو ماذا
سيحدث إن عُرف ذلك الأمر هل تظن أن تلك الزيجة ستصح؟؟ هل يصح زواج أهل كيبلر من
البشر بكل اختلافاتهم وتشريح أجسادهم؟ هل هناك توافق ديو؟، وأنتِ يا مرام، كيف
ستنجبين أطفالًا. وهذا أمر فطري لدى نساء البشر. وحلم يداعب مخيلتهن دائمًا. بل
ويظل إلى أن ينجبن أكثر وأكثر من أهل كيبلر. ذلك ما يزعجني" تكوين
الطفل" لِمَ لم تفكرا فيه لم لم تفكرا إلا في نفسيكما فقط بكل أنانية "
(صفحة 87)
وفي اليوم التالي- يوم الاحتفال- بالنوابغ ظل
التصفيق مستمرًا في قاعة الاحتفالات في هيئة العلوم احتفاءً بالنجميْن الصاعديْن،
ثم تسلّما الجوائز، وحضر آيو والد ديو، وعيسى والد مرام، ثم ذهبوا إلى مكان سرّي
لعقد اجتماعهم، فتقابلوا مع هاجر زوجة رئيس فريق البحث العلمي المُختطف، تناقشوا
في أمر الزواج ففوجيء الوالدان بالأمر وانزعجا، وتدخلت هاجر في الحديث وأدلت
بدلوها بأن هذا الأمر صعب جدًا فقد قامت أبحاث كثيرة ولم تصل لشيء، وأن هذا النقاش
والمحاولات تتجدد كل فترة.
وفي جولة استكشافية
بحثية إلى كوكب جديد خرجوا جميعًا، غير أن عائد أصابه الإعياء، فأدخله أورين الحجر
الصحي لتأثير الغلاف الجوي عليه الذي يؤذي البشر وأعطاه بعض الأعشاب، وفي ملمح آخر
إذ أرادت الكاتبة أن تدخلنا إلى معلومات جديدة ومهمة وهي عصب روايتها لتنقلنا بكل
سهولة-نحن القرّاء- إلى جانب آخر ليفضي إلى نهاية مقبولة، فبعد إدخال الحكيمة
الحجر الصحي لشعورها بالتعب أيضًا، ودخولها في الطور الجديد والتغير، خرج أورين وحده
في جولة ومهمة استكافية ولأول مرة بدون عائد:"على منصة غير مرئية انتقل أورين
بسرعة خاطفة مارًا بالسهول، فتلك المنصة مجهزة خصيصًا للمسح الجيولوجي والجيوديسي،
ثم تابع التقاط صور تضاريس المكان، وكذلك تصوير أفلام وثائقية لكل ما مرّ به حتى
طرق التعامل مع الكائنات كما العبيد". (صفحة 137)
وهنا السارد الخارجي
يخبرنا أن أورين لفت نظره حُفرة عميقة من الوحل بها صخور مدببة تصدر منها أصوات
فاقترب منها ليكتشف أن بها أشخاصًا مقيّدة تتحدث مثلنا، ورجّح أنها كائنات واعية،
اقترب منهم واستمع لحديثهم، فتنامى لسمعه بعض العبارات مثل:
"خيانة
فوبوس"
"لم أر في حياتي
أبشع من هؤلاء الكيبلريين"
"إنهم سبعة فقط
مَن سيأتون إلى هنا ويستوطنون كوكبنا، لكنهم يملكون آليين كثر"
"هم يضعون خطة
لإبادة جنسنا الواعي فقط (الجانوس)"
"يقول العلماء:
"إن هناك جنسًا آخر يسكن معهم استضافوهم على كوكبهم منذ مائتي عام يقال
لهم(الأرضيون)، ويعاملونهم بمستوى أدنى منهم"(صفحة 139-140)
دخل أورين المركبة
لتبدأ المنصة التواصل مع المركبة الأم لتنتقل إليها بيانات الفحص الجيولوجي والجيوديسي
لمراجعتها، ونظر إلى الحكيمة فوجدها مغمضة العينين فأشارت إليه أن انطلق إلى أرض
كيبلر فابتسم أنها مازالت واعية وبخير، وسعد أيضًا عندما وجد عائد لم يتأثر
بسُميّة الغلاف الجوي للجانوس.
وأخبر أورين عائد أنه
سمعهم وهم يطلقون على أنفسهم (الجانوس) وهم الفئة العاقلة على ذلك الكوكب ... لا
يحبون القيادة ويحبون الانقياد والاتباع... أما بقية أجناس الكوكب فهم أجناس غير
عاقلة، لكنها لطيفة ودودة، وهذا سيفيد الخطاب غدًا.
تلقّى أورباك رسالة ضوئية
من رئيس الأمان (سيريس) فجلس مُسترخيًا مغمض العينين، فدخلت عليه زوجته الجميلة
إليتورا مُحلّقة بِرقّة وهدوء، وهي التي تنازلت في السابق عن كل المناصب وفضّلت
دراسة الطب لتخدم الجميع أهل كيبلر والبشريين على السواء، مع الالتزام بالقانون،
فقد كانت عالمة للأبحاث السرية، فقالت له إن رئيس الأمان في الخارج يريد مقابلتك،
فأمرها بإدخاله، فذهبت نحو الباب وأشارت إليه برأسها فتقدم وأمال برأسه تحية لها
وقال: أشاطركم أحزانكم سيدتي، هزت رأسها تحية له.
حيّاه سيريس تحية رسمية
فًهم أورباك منها أنهم مراقبون، وأخبره أنه جاء ليطمئن عليه فهو لم يظهر اليوم،
فرد عليه أن اليوم إجازة وطنية ذكرى وضع القانون الأول لأهل كيبلر، وأنا أبتهج مع
صوة ابني أورين، فعاجله سيريس "كنتُ أود أن نزور حميد مغًا"، فانتفض
أورباك، وأخبره أنه لا يخالف القانون، صحيح أنه يوقر حميد لكن لا داعي للخطوط
الحمراء، ثم دخل روبوت منزلي ليضع بعض العصائر الزرقاء، وقالت إليتورا" أرجو
من السيد سيريس أن يقدّر حالة زوجي وحالتنا بعد وفاة ابننا الوحيد أورين"،
وهنا تلقى سيريس رسالة من كبير العقلاء مفادها "لا تُغضِب تلك المرأة"،
وفي نهاية اللقاء أخذ سيريس مشروبًا أزرقًا كالأمواج أعدته له إليتورا.
ومن الرؤى السردية
الداخلية، والتي جاءت على لسان سيريس والعقلاء السبعة، إن العقلاء السبعة (هايبريون،
هوبا، هيجا، هيبي، هيرميوني، هاليميد،هيجيموني)، لهم منطقة آمنة كما يمتلكون سبع
مدائن آمنة أسطورية(إنهم يمثلون إمبراطورية في اتخاذ القرارات والحل والعقد لكوكب
كيبلر)، ويدبرون المكائد والمؤامرات وخاصة للعلماء المخلصين، دخل عليهم سيريس
مكتبهم، فسأله هايبريون عن المشروب الذي في يده فأخبره أنه يساعد على الاسترخاء
والنوم، فتمسّك به، وخاصة عندما
عَلِمَ أن إليتورا- حُبّه القديم- هي التي أعدته، زاعمًا أن أورباك سرقها منه على
الرغم من زواجهما، وأن مصدر قوتها تستمده من حماية الصفوة لها، وأنها وأورباك من
المخالفين، وأن بعض العقلاء وخاصة هايبريون يكره البشر جدًا ويدرسهم حتى لا
يتمكنوا بذكائهم من اكتساح المجرات جميعًا، وأن كوكب كييبلر سيتم تدميره، وأما الجانوس
الذي سينتقلون إليه فهو كوكب دافىء مشرق جميل يشبه الأرض قبل أن تنتكس بفعل البشر.
إن الخطاب غدًا، وإننا
نملك الحق في كوكبنا الجديد الجانوس، نحن العائلة الحاكمة، ومَن أراد أن يعيش معنا
فبشروطنا، لن يكون هناك سلطة لحكماء ولا استقواء بصفوة، ولا يهمنا غدًا ما تقوله
سليلة المنبوذين(الحكيمة)، وأعتقد أن كميات الحجر الأرجواني التي جلبناها لأرض
الجانوس كبيرة.
"لقد استضفنا
البشر مائتي عام وهذا يكفي، هذه فرصتنا نحن للنجاة، وقبل تدمير كوكب كيبلر نأخذ ما
ينفعنا منه، والأجناس الأخرى مسالمة ولا تعقل... إلا فئة واحدة فقط ... الجانوس،
هم قادرون على التعلم والفهم السريع لذلك أبدتموهم، لنرجع إلى شجارنا المعتاد،
خرجوا غاضبين محلّقين، وصمم هايبريون على الانتقام منهم، في تلك اللحظة كانت
إليتورا وأورباك يجلسان ويشاهدان بثًا مرئيًا من قاعة العقلاء بالتفصيل عن طريق
دبوس صغير داخل شعار قوات الأمان صنعته الحكيمة، أيقظ هايبريون سيريس من نومه بعد
أن شرب المشروب ثم انقطع البث" (صفحة 153: 155).
وفي أحداث بالغة
الأهمية سيترتب عليها ما بعدها، كان هناك تواصل بين أورباك وحميد، فبعد انتهاء
البث ذهب حميد إلى صديقه أورباك، وحسب الخطة فقد وضع سيريس المُخدّر والمادة التي
معه كما قالت له إليتورا حتى لا يتأثر بالعصير ويبوح بما في داخله أمام العقلاء،
وبالفعل كان يغطّ في نوم عميق وهم يتكلمون، فالعقلاء يخططون للانتقال لكوكب
الجانوس الجديد وأخضعوا الأجناس الأخرى غير الواعية لهم أما الواعية فتمت إبادة معظمها،
وقد سحبوا الحجر الأرجواني بكميات كبيرة من كوكب كيبلر وضعوه هناك مما يتسبب في
إحداث هزات عنيفة تهدده بالخطر فضلًا عن التجاوزات الأخرى.
ويوم الخطاب المشهود وأهل
كيبلر ينتظرون في الساحة الكبرى، ومن المقرر أن تلقي الحكيمة الخطاب المهم الذي
ينتظره سكان الكوكب ليعرفوا الحقيقة وما جرى لهم من القوانين البالية الظالمة،
والمفاجأة هي أن الحكيمة قدّمت عائد وأورين، وهذا يعني أنهم أحياء:
تقدّم عائد قائلًا:
سنتحدث الآن عما أشارت إليه الحكيمة الكبرى سيلا والذي وعدتكم بالإفصاح عنه اليوم،
والتي لم تتوان لحظة طيلة الأسبوع المنصرم في تجهيزها، لابد أن تصل إليكم وتكون
تحت إمرتكم، ونبدأ بالهزات الأرضية العنيفة التي أقلقت أهل كيبلر، أولًا نبدأ بعرض
صور لأرض البراكين... (صفحة 165)
في تلك الأثناء وفي
تغير للأحداث لم يذهب العقلاء للساحة مثل أهل كيبلر استكبارًا واستعلاء عن مشاركة
الشعب الكيبلري، وفي مشهد مهيب وجديد، دخل كبير العقلاء هايبرون منتجع العائلة
الذي لا يدخله إلا هم ومعه العقلاء السبعة، ومعه الخدم الآلييين وسبعة من
الروبوتات الجدد خلفه، وأعطى أمرًا للروبوت أن يصب في كؤوس العقلاء المشروب الذي
أعدته إليتورا احتفالًا بالجانوس، وشرب هو فاطمأنوا، وشربوا، ولم ينتبهوا إلى مادة
التجميد في قاع الكؤوس، فبعد أن شربوا سقطت من أيديهم فور تجمدهم، فانتهز هايبريون
الفرة التي انتظرها كثيرًا وقال لهم: "أنا رئيسكم وكان يجب أن تخضعوا لسلطتي
ولا تعترضوا ولكنكم طمعتم في مكانتي، سأحكم الجانوس وحدي، ثم ضحك بهستريا ضحكة
الانتشاء والفخر، وقال: "ويسعون الآن لإنتاج علاج جديد للإنجاب حتى يصبح لي
وريثًا في الجانوس"، ثم أشار إلى الآليين فاقتربوا من العقلاء وأطلقوا
أسلحتهم المزودة بشذرات من الحجر الأرجواني، فتآكلت أعضاؤهم وخلاياهم ي الحال.
وبعد إبطال مفعول
الروبوتات التي تحمي هايبرون، لم يعد له سلطان على أهل كيبلر وقد عرفوا الحقيقة
كاملة.
تم إعطاء أوامر الحكيمة
لسيريس لتجهيز مركبات لنقل أهل كيبلر إلى الجانوس، وفتح غرفة الأسرار فهناك إجابات
كثيرة يمكن الحصول عليها من المركبة الأرضية وخريطة المسارات الكونية والبوابات
السماوية للاستعداد أيضًا لزيارة كوكب الأرض؛ مما أضفى عليهم بهجة وحنينًا، وهو
الحلم الذي داعب مخيلتهم طويلًا، وبالفعل وصلوا إلى الأرض.
ومع بداية نسمات كوكب
الأرض وفي أول "لحظات ميلاد الشروق من رحم الظلمة وسكون الليل البهيم تشقّ
السماء، تفرِد أشعتها رويدًا رويدًا لتغازل البحر الأزرق وتقبّل مياهه النقيّة
الشفافة التي تعانق الآفاق لتحتوي النسمات الثائرة وتهبها بعضًا من دفئها لتصحبها
قليلًا في رحلتها اليومية لتزمّل الأرض..." (صفحة 186)، وبدا على الحكيمة
سيلا بعض الإعياء على الرغم أنها مكثت طويلًا في الحجر الصحي، وأخذ عائد يمزح معها
ليخفف عنها، وبعد قليل وهما يسيران في منطقة نائية فجأة ظهرت أمامهم مركبة فضائية
أكثر تطورًا وإذا بفتى كيبلري جميل شعره أبيض، ويبدو أصغر من عائد، اتضح أنه أورين
فلم تتغير ملامحه إلا قليلًا فرحّبا به ترحيبًا حارًا.
كان الأمر صعبًا عليهم
في البداية ثم بدأوا التعود على هواء الأرض، وأخذت الحكيمة تشرح لهم التغيرات على
كوكب الأرض من الحرية المفرطة والثراء الفاحش والكنوز والثروات الضخمة وحب تجميع
المال، وغيرها من الصفات إلا القليل منهم، وأشار أورين أن أهل الجانوس لا يختلفون
عنهم كثيرًا مع المطالبة بنصف كمية الحجر الأرجواني،"لذلك تم إخراجه وتهريبه
هنا معي في أسطول ضخم"، أمرت الحكيمة الآليين بدفنها في غرفة سرية داخل أعماق
الأرض مع وضع مادة عازلة؛ حتى لا ينسف الكوكب بأكمله.
في هذه الأجواء الدافئة
أخبرتهم الحكيمة أنها الآن في عامها الستين، لذلك قررت العودة للانسجام والتناغم
والتوازن الداخلي والاستعداد للنهاية التي لا مفر منها.
اجتمعت العائلتان في
المساء في جو يسوده الدفء والمودة، ثم قالت الحكيمة:" أحيانًا لابد من احترام
الاختلاف وكبح جماح روح المغامرة، إذا ما اقتربت من شفير التهور ... فكرة الزواج
من كائن آخر ليس من جنسك، أعتقد أنها فكرة كارثية بجميع المقاييس، لذلك أحمد الله
على وجود الحجر الضوئي الأخضر. كان جلبه إلى هنا فكرة رائعة" (صفحة 191)
وفي لقطة مزاح قال عائد لأورين:"لٍمَ لا
تحلّق هنا منذ مجيئك"؟، حاول أورين ولم يستطع، فال أورين:"لا أصدق، لا
أستطيع الطيران على كوكب الأرض"، فضحك عائد، فجرى خلفه أورين ففرّ منه، ثم
انضم إليهم أطفال عائد ليعم الصراخ والضجيج المكان، وضحك أورباك وحميد وابتسمت كل
من إليتورا وزوجة عائد.
سألت إليتورا عما إذا
كان في الإمكان الرجوع إلى الجانوس قبل إغلاق البوابة؛ لأن فيه الأهل والأحباب
والمعارف، فردّت عليها الحكيمة مطمنئة لها وموضحة:" أتفهم مشاعرك جيدًا ...
لكن هنا أيضًا أهلك وأحبابك ... الفروق الزمنية كبيرة إن نجحتم في الذهاب إلى
الجانوس ربما وجدتم تفاوتًا كبيرًا بالنسبة لكم ... ألم تلاحظوا الفرق بين
أعمارنا؟، شهر واحد على الجانوس يُعد هنا عشرين عامًا، منها الفترات الزمنية
الكبيرة التي استغرقناها في الوصول إلى وجهتنا، على عكس التوقيت الزمني بين
الجانوس وكيبلر". (صفحة 193)، وفجأة وأثناء هذا الحديث حدت تغيرات لإليتورا
فأغمضت عينيها مرة بعد مرة وتعالت أنفاسها وحدث احمرار حول عينيها، ونظرت الحكيمة
سيلا إلى أورباك فوجدته مثل زوجته، فأدخلتهم بمساعدة حميد إلى الحجر الصحي، وفي نفس
الوقت نزلت قطرة دماء من أنف أورين فصرخ عائد فانتبهت الحكيمة فأدخلته الحجر الصحي
على الفور، وأحضرت المزيد من الحجر الضوئي ووضعته حولهم وزمّلتهم بأغطية مزوّدة
به، وبعد أسبوع تحسنت حالتهم الصحية ففكرت الحكيمة في بناء منزل صغير لهم مصنوع من
الحجر الضوئي.
وفي مشهد مؤثر، تعبوا مرة
أخرى، وزادت حالتهم الصحية سوءًا، أمسكت الحكيمة يد إلينورا فوجدتها فارقت الحياة
هي وزوجها، وظل أورين ينازع والدم ينزف من أنفه حتى فارق الحياة هو الآخر ليلحق
بأبويه، عندئذٍ بكت الحكيمة كثيرًا بينما لم يتحمل حميد فراق صديقه الحميم وفارق
الحياة بعد أسابيع.
وفي مشهد عام يوضح رسم صورة
لحياة كوكب الجانوس؛ فقد ترسّخت معاملة العقلاء السبعة القاسية في نفوسهم، التقت
هذه النقطة السوداء مع سرعتهم في التعلم والدّقة والنظام وحسن الإدارة، والمعاملة
الطيبة من أهل كيبلر الذين انتقلوا إليهم؛ فتحوّلوا إلى قوة شرسة عنيفة في الكون
فأخضعوا أهل كيبلر وباقي الأجناس لخدمتهم، وكوّنوا أسطولًا لغزو العوالم الأخرى.
ظهر التعب والهرم على
الحكيمة فأسندها عائد فشكرته على المواقف النبيلة وأنه كان لها بمثابة الابن البار
المطيع، وقالت:" أرجو من الله أن أكون تركت أثرًا طيبًا فيك وللبشر، وعلمًا
نافعًا ينتفعون به"، ثم أغمضت عيناها وأخذت نفسًا عميقًا وفاضت روحها، فبكى
عائد ثم دفنها في مقبرة قرب المختبر، ودفن خريطة توضح مدخل المختبر تركها ميراثًا
لأحفاده وكتب على المقبرة (هنا يرقد الحكماء وذويهم وأسرار النجاة)، وجلس بجانب
قبره الذي أوصى أبناءه أن يدفنوه فيه.
تم إغلاق الكتاب الذي
كانت تقرأه فتاة-سيلا- في الثانية عشرة لأخيها-محمد- الذي يصغرها بعام واحد وهي
تحثه على البحث عن أسرار النجاة التي تحدث عنها جدها عائد، فأخبرها أنه لم يحن
الوقت بعد؛ لأنه لا يوجد غزو قريب أو خطر، فأقنعته بأننا لابد أن نستعد بالبحث
والفهم والمعرفة.
وختام رواية العائد وروعة القفلة تمثّلت في
اسم عائد البشري الذي اختارته الكاتبة ليتطابق مع عودته إلى موطنه الأصلي أمُّه
(الأرض)، حيث الطبيعة الخلّابة والشمس الساطعة والنفوس الطيبة والاختلاف والاتفاق.
وفي
نهاية القصة ونهاية الحكماء، تأتي النهاية لبداية صراع جديد ورحلة جديدة ودورة
جديدة من البحث عن النجاة والعودة للأصل ولكن بعد التسلّح بالعلم والقوة والأخذ
بكل جديد مع الاحتفاظ بالأسرار والقيم والأخلاق وعدم الظلم وأكل الحقوق ونهب
الثروات وتدمير الأرض.
"في عمق الكون
ينبثق ضوء مشع من رحم المادة المظلمة في النسيج الكوني، ليست نجومًا إنما مركبة
فضائية غريبة مخيفة تقود أسطولًا مرعبًا يغزو الكون، ليظهر داخلها قائد مخيف
عنيف...
مهلًا ... إنهم
إنهم". (صفحة 198)
..........................
(الإثنين، 24 نوفمبر،
2025م)



ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق