Translate

الجمعة، 10 يونيو 2022

هذا الشقاء بقلم / علي الطالب دولة : تشاد

هذا الشقاء 
بقلم / علي الطالب
دولة : تشاد
ها أنا ذا على عتبة التخرج من الجامعة ، أسير على خطى من سبقوني ، محملاً بأحلام الشباب الوردية ، ناسياً ذكرياتي الأليمة ، جيبُ أبي المثقوب ، وحذائه الجلدي المرقع ، وجلباباه المهترئان ، هناك على أطراف مدينة الترف ( أنجمينا ) حيث قريتي الصغيرة ( بنت الصقر) ، تقع في الربع المنسي تماما من العالم ، كأنه ينكر وجودها ، وبيوتنا المبنية من الطين ، ذات الأسقف الخشبية الصغيرة تشبه أعشاش الطيور .
ننام أنا وأبي في حجرتنا الصامتة ، الثابتة أمام تقلبات فصول السنة وقسوتها ، الشامخة أمام فصل الخريف وأمطاره التى تستمر لأيام حتى نظن بأن الطين قد ذاب، ولكن الطين في قريتي أقوى من الحجارة فهو لا يذوب ، كل شيء متوقف في قريتي ، الشيء الوحيد المتمرد هناك ومستمراً في الزيادة هو المقبرة، تستقبل بصدر رحب أمواتها القادمين من الأرض الجرداء، المنتظرين مواقيت الإياب من المنافي، كان الموت الرحيم منفذاً في قريتي بصمت رهيب.
بعد أن فتكت بأبي الملاريا التى لم تمهله كثيرا ، تركته في عهدت المقبرة وغادرت حاملا معي صرةً فيها ملابس مهترئة ، ومصحف أبي الأصفر الذي يغلب علي فك طلاسمه ، وسكينا، وبعض من الدقيق والزيت وحبات من شجر الهجليج ، وعلى يدي قنينة ماء وأخرى فيها بليلة، وشيٌ ثقيلٌ بداخلي يوشك على الإنفجار ، أهدأُه بتميت أمي رحمها الله( سبحانك ، سبحانك ).
وهكذا أنا أيضا تمردت، وتركت قريتنا بحثا عن حياة أفضل، على مسيرة يومين في البرية وصلت العاصمة ( أنجمينا )، حيث النعيم المفرط حد التخمة ، والفقر المقدح حد الحجيم ، الصروح الشاهقة الممردة، والجحور الزنكية الموحشة ، هذه أنجمينا أول ليلة لي فيها قضيتها في السجن ، وجدتني دورية الشرطة نائما على رصيف الطريق، قال لي رجل عجوز في ليلتي تلك :
أنجمينا لا تقبل الضعفاء، عليك أن تكدح في طلب العلم، وشمر عن ساعديك فالأرزاق لا تأتي للنيام بل تحتاج لأسباب .
دلني على مكان أواني مدة تلك السنين ، حفظت القرآن وتحصلت على الشهادة الثانوية، وقُبلتُ في كلية الطب ، كان علي أن أبحث عن دخلٍ ماديٍ أكثر حتى أستطيع توفير حاجاتي في الجامعة ، لطالما كنت معتاداً منذ طفولتي على الأعمال الشاقة ، وهذا ما ساعدني كثيرا في تأقلمي مع جميع الأعمال في أنجمينا، عملت حمالاً، وعامل نظافة ، وحارس عمارة ، وبناء ، ثبتُ أخيرا اعمل في مجال الخياطة اليدوية وبوجود عملي الإضافي سائق سيارة أجرة استطعت أن أكمل دراستي ، وفتح متجر( شذى للعطور ) ، في سنتي الأخيرة تحسنت ظروفي المادية كثيراً وبدأت الشروع في بناء بيتي الخاص .
وذات يوم بينما كنت أنهي تدريبي الأخير في إحدى المستشفيات نقلت إلينا سيارة الإسعاف حالة ملاريا طارئة، أجرينا تدخلا علاجيا سريعا وبعد مرور ما يقارب الساعة زال عنه الخطر وفتح عينيه ، كان علي أسجل الحالة في المحضر ، ويلزمني بعض المعلومات عنه ، مرحبا أخي زال الخطر ، أنت في المستشفى الآن وجدوك فاقداً الوعي وتم إحضارك إلى هنا كيف تشعر الآن؟ :
أشعر بتحسن .
هل لي أن أعرف إسمك؟ :
سعيد جابر السالمي.
بدت لي هذه اللكنة مألوفة جدا فقد لامست شي في نفسي ، من أي حارة انت ؟
أنا قادم من قرية ( بنت الصقر ) عندما وصلت كنت متعباً جداً وحين فتحت عيني وجدت نفسي هنا .
بنت الصقر ، تلك القرية التي كلما أذكرها أشعر بغصة في حلقي ويضيق صدري ، لا أفهم شعوري نحوها حنين أم كره .
أخذت سعيد معي إلى البيت ، وسهرنا معا ليلة بطولها تعارفنا وتحدثنا عن القرية تارة ويسألني تارة أخرى عن أنجمينا ، أمنتُ له عملا ، و قمت بتسجيله في إحدى مراكز تحفيظ القرآن الكريم .
بعد شهور نلت شهادتي الجامعية وقررت زيارة تلك القرية استشرت سعيد فأبدى موافقته ليرافقني ، أخذنا بعض المستلزمات والأدوية الضرورية لأهل القرية ، وعند وصولنا دلف سعيد إلى كوخ جده وبقيت وحدي أتفقد أحوال القرية ، فجأة توقفت قدماي عن السير إنها حجرتنا القديمة ، إمتلأت عيناي ونزلت العبرات تسيل من لحيتي كل شيء كما كان قبل عشرون عاما، ظلت هذه الحجرة صابرةً تأمل رجوع من هجروها ونكثوا العهد .
جاشت ذكرياتي ، وفتحت أشجاني ، هنا كانت أمي تعد لنا الفطور ، وهنا تضفر السعف ، وعلى ذلك الحجر كانت تطحن القلة، وهنا كان أبي يقرأ في مصحفه الأصفر، وعلى ذلك الغصن كان يعلق جلبابه، و هنا .. كُفنَّ أبي ، من الجيد أني تركت هذا المكان قبل عشرون عام وإلا هلكت ، أو ربيت أولادي على عيشٍ ذليل، انطبق فيَّ قول الشاعر محمود شريف :
هي الأوطان موحشة لهذا .. تراهم يأنسون إلى الرحيل
لعنة هذه القرية ستختفي، سأبذل ما أستطيعه حتى أحسن من حياة هذه القرية ، سأرجع الآن إلى أنجمينا ولكني سأعود، سأعمل على فتح مستشفى هنا ، سأضع حدا لشراهت المقبرة، سأجعل من هذه الحجرة نُزلا للسلام ، سأطهر هذا المكان من الملاريا، سأملأه بالحياة .
تمت

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركات الأعضاء

ثلاثية ملاحم بقلم : نزار الحاج علي - سورية

  ثلاثية ملاحم بقلم  نزار الحاج علي سورية أُلفة تشعر أنّ أحدهم يراقبك باستمرار، قد يبدو لك الأمر غريباً في البداية؛ تطفئ الأنوار حتى لا يراك...

المشاركات الشائعة