من مذكرات معلم بالحصة
قصة قصيرة
بقلم / عاشور زكي وهبة
مصر
رن جرس هاتفي المحمول: أستاذ (ع)! إدارة المدرسة الخاصة تبلغك بألا تأتي غدا.. ولو احتجنا لك، سوف نتصل بك!.. وشكرا!
أغلقت الهاتف مدركا فحوى الرسالة: لقد استغنتْ المدرسة عن خدماتي. لكن.. ما السبب؟!
هل لعملي معلّمًا بالحصّة في مدرسة حكومية في الفترة المسائية؟! أم لحاجة المدرسة الخاصة إلى تقليص عدد المعلمين العاملين بها؟!
فهذا ديدن تلك المؤسسات في تلك الأيام التي يداولها الله بين الناس.
أم لتقصيري في العمل؟!
لكن.. يعلمُ الله أنّي أعمل جاهدًا لأوصل لعقول وأفئدة هذه الأنامل الناعمة الصغيرة العلم والقيم التي تنفعهم في دنياهم وأخراهم...
صلّيتُ ركعتَىّ الإستخارة في شأن هذه المدرسة، ثم لاحت لي فكرة: الذهاب مبكرًا إلى المدرسة الخاصة غدًا لعلي أعلمُ السببَ الذي سيبطلُ العجبَ!
جاء الصباح سريعًا، صلّيتُ الصبح، ودّعتُ زوجتي مُقبّلًا ابنَىّ الصغيرين، وخرجت من البيت مناجيًا ربي: يا من أمرك بين الكاف والنون، افتح لي أبواب الرزق في هذا الكون!
في الطريق دارت عجلة فكري مع حركة موتور السيارة الأجرة...
قال لي المدير بخبث: يا بُنَي العمل بالحصّة في المدارس الحكومية زي الجري ورا السراب. ما فيش تعيينات! والحصة بقروش مش مكملة جنيه صحيح! سيبك من الميري وترابه، وخليك معانا!
ربما كان يقصد: تكن معنا!
قالت شابة مكشوفة الوجه والصدر لي بالأمس: أعطوني جدولَ حصصك!
قلتُ في نفسي: أنت خريجةٌ حديثةٌ جدًا!
إذن بما أنهم سيعطونها فصلي، فقد بيّتوا النية على فصلي من العمل. وأكون ضحيةَ الواسطة والمحسوبيّة!
إنني دفعةٌ قديمةٌ جدًا، وعملتُ دراسات عليا في تخصصي، ولي خبرةٌ لا بأس بها في التدريس، ولي قبل هذا وذاك زوجةٌ وابنانِ يحتاجون لكل قرش، وقد تركت عملي الإضافي في مخبز أفرنجيّ لأجل المدرسة الخاصّة.
عمومًا لم أصلْ لسببٍ وجيهٍ يقتضي فصلي. خرجت وعلامات تعجب كبيرة تتراقص في عقلي المكلوم.
اشتريتُ خبزًا بلديًّا، وعدت أدراجي للبيت. حملتُ ابني الرضيع قائلًا خُفيةً: اللهم دبرنا فإنا لا نحسنُ التدبير، والطف بنا فيما جرت به المقادير.
هذه ليست بالفعل نهاية العالم!
سمعت آذان الظهر، صليتُه في المسجد المجاور، ثم حملت دفاتري في هدوءٍ نحو المدرسة الحكومية مع جرس طابور الفترة المسائية.
....................................

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق