Translate

الجمعة، 10 يونيو 2022

اليومُ الذي أدركتْ فيه رويدا أنها جميلة قصة قصيرة بقلم أحمد محمدنور الخرطوم - السودان


 اليومُ الذي أدركتْ فيه رويدا أنها جميلة

قصة قصيرة بقلم أحمد محمد نور
المكان: إحدى ضواحي العاصمة المُثلثة الخرطوم.
الزمان: الأول من ديسمبر عام تسعة وتسعين وتسعمائة وألف ميلادياً.
تبدأ الحكاية كما أذْكُر عند طفلة بدينة مُتجهمة الوجه داكنة البشرة وفي الرابعة من عمرها تقريباً، عيناها صغيرتان فوقهما حواجب غليظة ملتصقة ببعضها البعض ولها جبهة بارزة وشعر خشن مجعد، بالإضافة إلي أنف أفطس وفم عريض يضمُ أسنان صغيرة متفرقة، ألتفنْ حولها زمرة من الفتياتِ الأكبرِ سناً علي شكل دائرة وأصبحنْ يتقافزنْ ويرددنْ "أوو لا أوو لا رويدا الغولة" وهنْ يضحكنْ عليها ويخرجنْ ألسنتهنْ، كانتْ رويدا في منتصفهنْ قابعة علي الأرض مطأطأة الرأس وهي تتخذُ وضيعة القرفصاء أحستْ أنْ رياح باردة تضربُ فؤادها الصغير وتجعلها ترتعشُ مع كل كلمة قبيحة وصفة ذميمة توصف بها (شينة، قبيحة، سمينة، زرقا، غولة، ما زي البنات، سماحة الأسم ويا حسرة علي الجسم)، بدأ بعضُ الخلائقِ المتحذلقين يحاسبونُ طفلة علي شكلها الذي لم تختاره وليس لها ذنبُ فيه حتى أصبحتْ هيأة رويدا مصدر خجل لأمها وأبيها وأخوتها وأخواتها وخالاتها وعماتها وجميع أقربائها فقرروا حبس المسخ الذي يؤرق حياتهم الطبيعية ويحول بينهم وبين الدخول في أفواه الناس، أحضروا لها ألعاباً وملابس وكل ما تحتاج إليه في سنوات العزلة التي ستعيشها منذُ اللحظة و سترتاح عائلتها أخيراً من وصمة العار التي تُطاردهم وفقاً لهذا.
مضتْ سنتان ووصلتْ رويدا إلي السادسة سن أرتياد المدرسة ولكنها ما زالتْ عالقة في الروضة وما زالتْ لا تتكلم بوضوح، تخرجُ الحروف منها متحشرجة بصوتِ أجشِ وغير مفهوم، لم تُجدي محاولاتُ والداها لجعلها تتحدثُ جيداً فأخذاها إلي الطبيب الذي قال أن لسانها سليم ولا تعاني من أي خطب في حبالها الصوتية ونصحهم أنْ يضعوها في وسط صاخب ملئ بالأطفال ذوي الألسنْ الطلقة ولكن رويدا كانتْ لا تحبُ مجالسة أحد وتقضي كل وقتها في غرفتها تلعبُ مع نفسها كما أعتادتْ، الأمر العجيبُ أنها تكتبُ جيداً ولكن لا تستطيعُ النطقَ كباقي الأطفال وبهذا تم إضافة سبب جديد للإمتعاض والخجل من هذه " الولادة الندامة" مع أسطوانة مجانية تحتوي علي كلمتيّ"بكماء ومتوحدة" 
عندما سئمتْ مديرة الروضة وأنقطع رجاءها قامتْ بتخريجِ رويدا لتغسلْ أثم تحملها لهكذا طفلة مدة ثلاثة سنواتْ في روضتها التي تتباهي بأنها خرجتْ أميز الطلاب ولأنْ مع كل نجاح فشل رضختْ لفكرة أنها بشر محدود القدرة ولا تستطيعُ إنقاذ الجميع، دخلتْ رويدا إلي المدرسة والحال في حاله تجلسُ في مؤخرة الفصل تتكئ علي الدرج الخشبي بوهن تتأملُ أشكال زميلاتها وحتى زملائها ثم تعضُ علي يدها لكيّ لا تصرخ فصوتها سيفزعُ المدرسة بأكملها وقد يعتقدون أنها ملبوسة وما شابه، لم يكنْ لها صديقة ولم تكترثْ فحتى إن أمتلكتْ واحدة فهي علي ثقة تامة بأنها ستتركها وتذهب بعد أنْ يضغط عليها الجميع ويسخرون منها لأنها تصادقُ فتاة مثلها، عام خلف عام وأستطاعتْ رويدا الكلام ولكن نبرة صوتها ثقيلة لم تكنْ رقيقة وأنثوية كما أرادتْ، شعرتْ رويدا لأول مرة بما يُسمي "السعادة" لقد أعتادتْ علي عدم وجود شئ جميل فيها سوى أسمها الذي أصبح مقدمة كل جملة تريدُ قولها (رويدا أكلتْ، رويدا ما دايرة، رويدا عايزة قلم جديد، رويدا رويدا رويدا) قُدرتها علي التكلم كان منعطفاً حماسياً في حياتها فهي الأن أصبحتْ تستطيعُ التعبير عن ما يدور بداخلها بإسهاب وأريحية تامة، دخلتْ رويدا فترة المراهقة تغير صوتها كثيراً طالتْ قامتها بصورة ملاحظة تبدلتْ أسنانها الصغيرة بأخرى كبيرة ومزدوجة تضخم أنفها وأصبح لونها فاتحاً قليلاً بدرجتين عن السابقْ ولكنها صارتْ تهتمُ بشكلها كثيراً وتحاول تحسينه مع بقائها حادة المزاج وعدوانية ولاذعة اللسان، ذاتْ مرة وضعتْ من مساحيق تجميل والدتها خلسة لتنصدمْ الأخيرة بوجه كالعفريت يطلُ من الحمام عندما أرادتْ الدخول إليه، شعرتْ رويدا بالإحراج من نفسها عندما صرختْ والدتها الفزعة ملئ فمها واضعة يدها علي قلبها الذي كاد يتوقفْ من بشاعة ما رأتْ، أقفلتْ رويدا علي نفسها في غرفتها ثلاثة ساعات بعد أن عاقبتها أمها وضربتها حتى غفتْ والدموعُ في عينيها، في صباح اليوم التالي ذهبتْ رويدا إلي الصيدلية وسألتْ الصيدلاني بكل جدية (كيف أبقى سمحة؟) لم يستطع الأخير إخفاء دهشته من هذا السؤال العجيب ولكنه بعد ذلك أبتسم بخبث ووضع سبابته علي خده وأدعى أنه يفكر لها في حل ثم أبتسم وأخرج شريطاً أحمر من الحبوب وضعه في عبوة دواء أخر فارغ ودسه في يدها ثم غمزُ لها وقال بثقة:
_ الحبوب دي حتخليك ملكة جمال السودان بلا منازع.
_ بالجد يا دوك؟ قول والله الحبوب دي بتبقيني سمحة!.
_ لو ما مصدقة أمشي جربيها بنفسك وكان ما نفعت معاك رجعيها لي أتفقنا؟.
هزتْ رويدا رأسها بحبور ثم هرولتْ خارج الصيدلية ووصلتْ إلي غرفتها وهي لا تكاد تصدق أنها وجدتْ ما تبحثُ عنه طوال حياتها وأين؟ في صيدلية الحي وبكم؟ مجاناً، أخرجتْ شريط الدواء الأحمر ذو الحبوب الصغيرة ثم وضعتْ في يدها ثلاثاً منها وبعد تردد أبتلعتهم وشربتْ فوقهم الماء وسرعان ما أحستْ بصداع قوي ينخرُ رأسها ثم تبعها دوار وغثيان، جفلتْ من مكانها عندما بدأتْ تأتي علي مسامعها أصواتْ غريبة أكتشفتْ بعدها أن مصدرها هو رأسها نفسه قليلاً حتى ظهرتْ أمامها مشاهد وخيالات عجيبة، أحستْ أنها خفيفة الوزن وبدأتْ تتقافزُ وتضحك وتهمهمُ بكلمات غير مفهومة حتى توقفتْ فجأة وهي مشدوهة من المنظر الذي رأته أمامها، لقد كانتْ تنعكسُ صورة لفتاة جميلة جداً في المرآة أدركتْ رويدا أنها هي نفسها تلك الفتاة، شهقتْ بدهشة وهي تتأمل توافقَ حركاتها مع حركاتِ ذلك الوجه بديع الجمال، أغمضتْ عينيها بإمتنان وهمستْ الحمدلله لقدْ صدقْ كلامُ الطبيب.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركات الأعضاء

ثلاثية ملاحم بقلم : نزار الحاج علي - سورية

  ثلاثية ملاحم بقلم  نزار الحاج علي سورية أُلفة تشعر أنّ أحدهم يراقبك باستمرار، قد يبدو لك الأمر غريباً في البداية؛ تطفئ الأنوار حتى لا يراك...

المشاركات الشائعة