Translate

الثلاثاء، 3 فبراير 2026

اثنان وعشرون (قصة قصيرة) بقلم : محمد الشريف

 اثنان وعشرون

(قصة قصيرة)

بقلم : 

محمد الشريف


لم تكن الساعة قد تجاوزت منتصف الليل حينما عاد ياسر إلى سيارته المركونة في زاوية معتمة من الشارع.. كانت طبقة كثيفة من غبار المدينة تكسو الزجاج الخلفي، لكن ثمة شيئاً مختلفاً هذه المرة.. اقترب ببطء، ليرى رقماً محفوراً بإصبع غامض وسط الغبار، بخطٍ عريض وواضح: (22).
التفت حوله بتوجس، لكن الشارع كان خالياً تماماً إلا من صوت الريح التي تصفر بين البنايات.. مسح الرقم بيده بعصبية، وركب سيارته وهو يشعر بوخز بارد في أسفل ظهره.
في الصباح التالي، وأثناء ارتشافه لقهوته، سقطت عيناه على فاتورة المقهى؛ لم يكن السعر هو ما لفت انتباهه، بل كان رقم الطاولة الذي لم يجلس عليه قط: 22.
بدأ الأمر يتجاوز حدود المصادفة.. في العمل، كُلِّف بمراجعة الملف رقم 22.. وفي طريق عودته، تعطلت حافلة النقل العام أمام لافتة إعلانية ضخمة لم تكن تحمل سوى خلفية سوداء ورقم 22 بالأبيض الناصع.
شعر ياسر ببرودة تسري في جسده.. عاد إلى منزله وأغلق الأبواب، بدأ يفتش في ذاكرته، في دفاتره القديمة، في تاريخه الذي حاول نسيانه.. ما الذي حدث قبل اثنان وعشرين عاماً؟ أو ما الذي سيحدث بعد اثنان وعشرين يوماً؟
فتح خزانته القديمة، ونبش في صندوق الصور المغبر، وهناك، في قاع الصندوق، وجد صورة باهتة له وهو في سن الطفولة، يقف بجانب والده أمام منزل قديم.. قلّب الصورة ليقرأ التاريخ المكتوب بالخلف، لكنه لم يجد تاريخاً.. وجد جملة واحدة كتبت بخط والده الراحل:
"السر دائماً يكمن في الخطوة رقم 22".
تذكر ياسر فجأة ذلك السلم الخشبي في بيت جده القديم، السلم الذي كان والده يمنعه من صعوده للنهاية.. قاد بجنون نحو القرية المهجورة، دخل البيت الذي تفوح منه رائحة الهجران، ووقف أمام السلم.
بدأ يصعد..
واحد.. اثنان.. عشرة..
كان قلبه يقرع صدره كطبلٍ بدائي.
عشرون.. واحد وعشرون..
توقف عند الدرجة الأخيرة. كانت تبدو كأي درجة أخرى، لكنه حين ضغط عليها بكل ثقله، سمع صوت تكة معدنية.. انزاح جزء من الجدار الجانبي ليكشف عن تجويف صغير بداخلة رسالة قديمة وجهاز توقيت رقمي.
لم تكن الرسالة وصية، ولا خريطة كنز، كانت ورقة طبية قديمة بتاريخ ميلاده، تخبره بأن قلبه لا يستطيع الصمود لأكثر من 22 سنة دون جراحة معينة، جراحة أخفاها والده عنه كي لا يعيش طفولته خائفاً، وظل يراقبه من بعيد حتى رحل الأب وبقي السر معلقاً في درجة سلم.
نظر ياسر إلى جهاز التوقيت في يده، كان يشير إلى: 00:00:22.
بقي له من الوقت اثنان وعشرون ثانية ليفهم أن حياته كلها كانت تُعد تنازلياً وهو لا يدري.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركات الأعضاء

شِلة قبضين ( عامية مصرية ) كلمات : متولي بصل

    شِلة قبضين   ( عامية مصرية )   كلمات : متولي بصل ******* شالوا الطَبَقْ حَطُّوا الطبقْ فاضي ما فيه حتى مَرَقْ ! دول شِلة الجهل...

المشاركات الشائعة