Translate

الخميس، 8 يناير 2026

“الضمير البيضاوي” قصة قصيرة فكاهية بقلم : الشاعر والمهندس طاهر عرابي

“الضمير البيضاوي”

قصة قصيرة فكاهية
بقلم: الشاعر والمهندس طاهر عرابي
(دريسدن — كُتبت 30.12.2025 ونُقّحت في 08.01.2026)
النزيل جلس على الطاولة، يتأمل قائمة الإفطار وكأنها خريطة حرب اليوم الأول في العام الجديد. كانت عيناه نصف مغلقتين من أثر ويسكي ليلة رأس السنة، بينما ابتسامة النادلة تلوح في الهواء كإشارة سلام.
— صباح الخير، ماذا تحب أن تتناول؟
— أربع بيضات مقلية… الصفار فقط، — أجاب النزيل. — شربت ويسكي الليلة الماضية، وبياض البيض لا يناسب صباحي الأول في العام الجديد.
ابتسمت النادلة:
— لا مشكلة، طباخنا ماهر جدًا. يفصل الصفار عن البياض بطريقة… مختلفة جدًا، لكنها دقيقة. وقد حصل على نجمه الطباخ الذهبية بفضل فصل الصفار عن البياض، وهو مرشح الآن لاستلام جائزة نوبل لفسخ البيض.
تردد النزيل، ثم سأل بحذر:
— وماذا ستفعلين بالبياض؟
— لا تقلق، — قالت النادلة وهي تلمح بابتسامة غامضة — هناك زبون آخر شرب نبيذًا بالأمس وطلب أربع بيضات بلا صفار. الطباخ يعرف عمله، والبيض لن يضيع. ومن شروط استلام الجائزة هو الاقتصاد في كل ما تقدمه لنا الطبيعة الساحرة.
ضحك النزيل، مستريحًا قليلًا:
— يا لها من مصادفة رائعة! هكذا يرتاح الضمير… لا نفايات، ولا خسائر. ربما إن كان لدي الوقت، سأسافر إلى ستوكهولم وأحضر بنفسي مراسيم استلام الجائزة. إنها تحدث في قاعة فاخرة أمام جمهور منتقًى بعناية. لا مكان للصدفة إطلاقًا… حتى أستطيع القول إن الصدفة محرّم عليها دخول القاعة.
أشارت النادلة إلى طاولة بعيدة:
— وهناك من نسي البيض كله بعد البيرة وطلب جبنة صفراء وأخرى بيضاء. قال إن البيض بشقيه الأبيض والأصفر يسبب له مشاكل بعد الاحتفال برأس السنة الميلادية الجديدة. ثم ضحكت وهمست في أذنه: — هل تعلم ما قال لي؟ لقد قال إنه لا يحب أن يؤذي ضميره بأشكال بيضاوية.
— كان الله في عونكم، — قال النزيل صاحب الرأس المملوءة ببقايا الوسكي، وهو يهز رأسه بخفة. — عام كامل من السكارى ينتظركم… ولكل ضميره.
أما أنا، فأنا أفضّل الويسكي ليلًا، والبيرة بعد الإفطار. الناس أنواع وأشكال كثيرة، وأنتِ كنادلة اعتدتِ على التعامل معهم وهذا شيء رائع جدًا. ربما أفكر في كتابة رأي حول كفاءة النادلين وأقوم بجمع توقيع مليون شخص وترشيحك للحصول على جائزة نوبل مع الطباخ.
ضحكت النادلة:
— جرّب السكوت، ولا داعي للركض خلف مليون إنسان لجمع التواقيع وانتظار النتائج، ربما ترتاح معدتك… وربما ضميرك أيضًا.
توقفت، ثم قالت بصوت منخفض كأنها تخبر سرًا كبيرًا:
— بالمناسبة… الطباخ أبلغني للتو عبر الهاتف: لا يوجد لدينا بيض.
سكت النزيل. حدّق في طبق خالٍ من الحياة. لأول مرة شعر أن ضميره يشقيه… وكأن البياض الذي لم يُؤكل أصبح رمزًا لما ضاع من فرص، وفقدان الفرص صار أكثر وجعًا من أي مشروب.
همس، بصوت مخنوق لكنه مليء بالسخرية:
— كل شيء ممكن… حتى الدجاج صار يكره الاحتفالات وقطع بيضه.
ثم ابتسم للهواء، ورفع كوبًا وهميًا:
تحيةً لكل البيض الضائع…
سكت قليلًا، ثم قال وكأنه يبرم اتفاقًا أخيرًا مع نفسه:
— جبنة بيضاء تكفي، شرط أن يشكّلها الطباخ على هيئة بيضة.
ابتسم للنادلة وتنهد قائلاً:
— وسأكون في ستوكهولم… وعد مني لك، على الأقل في مرحلة الترشيح، الطباخ.
هل تعلمين مثلي أن أفضل المبادرات تأتي صدفة؟
البيض أولًا، ثم ترقية الطباخ، ثم السعادة في أكل الجبنة… البيضاوية ولا تنسي مسألة الضمير ايضا وكل هذا حصل صدفة.
والآن، لابد من السفر إلى ستوكهولم.
نهض واقفًا، مد يده إلى النادلة وقال بجَرَأة وصلابة، وهو يشد على يدها:
— سأجلب لكم سلة بيض هدية!
صدقيني، أن يبدأ العام بالأمل والسعادة والصدفة الخيالية لهو ارقى من ركوب فرس بيضاء تمخر الغيوم البيضاء في السماء.
وداعًا للعام القديم؛ لقد انتهى مفعول الوسكي عند هذا الحد، وأشعر أني أرهقت نفسي وضميري… لكن كنت محظوظًا بعدم وجود البيض، فقد عمق التعارف معك.
دريسدن — طاهر عرابي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركات الأعضاء

لوحات فنية بريشة الفنانة/ إيما تومانيان

 

المشاركات الشائعة