الرفيقة التي زفّتها المنافي إلى الخلود:
بقلم :
محمد عبدالله عبدالله أبكر
في
سجلات النضال السوداني، ثمة قصص تتجاوز حدود الألم لتصبح منارات للحرية،
وقصة الرفيقة سارة ليست مجرد مأساة شخصية، بل هي شهادة حية على ضريبة الدم
التي دفعها الشرفاء في مواجهة آلة القمع، في مساء الخامس عشر من أكتوبر
2015، كان الحماس الثوري يملأ الأرجاء في ركن نقاش لـ الجبهة الشعبية
المتحدة (U.P.F)، كانت سارة بجانبي، ملهمة ورفيقة درب، نناقش الراهن
السياسي ونحلم بوطن يسع الجميع، لم نكن نعلم أن تلك الكلمات كانت تُرصد في
دفاتر الأجهزة الأمنية السوداء، التي لا تحتمل صوتاً ينادي بالعدالة.
اغتيال
الحلم في ليلة الدبلة.. يا لسخرية القدر وقسوته؛ فقبل ثلاثة أيام فقط من
موعد عقد قراننا، كنا نتجول في السوق لاختيار دبل الزفاف، كانت الأحلام
بسيطة بقدر ما هي مشروعة، لكن بوكس الغدر كان يتربص بنا عند مدخل حي بليل،
ونحن في طريقنا إلى معسكر كلمة، تم اختطافنا بدم بارد، واقتيدت الأحلام إلى
زنازين الظلام في نيالا.
ما
حدث في تلك البيوت المهجورة يفوق قدرة العقل على التصديق، تعرضنا لتعذيب
وحشي، لكن نصيب سارة كان هو الأقسى؛ لأنها امرأة، ولأنها ثائرة، حلق
الجلادون شعرها بزجاج مكسور، في محاولة بائسة لكسر كبريائها، ثم استباحوا
جسدها الطاهر في جريمة اغتزاز جماعي يُندى لها جبين البشرية، سقطت سارة
شهيدة، ليس برصاصة طائشة، بل تحت وطأة تعذيب وحشي استهدف شرفها وكيانها،
فارقت الحياة وهي تقاوم، دافعةً أغلى ما تملك في سبيل الكفاح الثوري وقضايا
الهامش والمركز.
إن
رحيل سارة يضعنا أمام حقيقة واحدة: أن دماء الشهداء هي الوقود الذي لا
ينطفئ، ليعلم الجلادون الذين استمرأوا تعذيب الأبرياء في غرف السجون، أن
الأكفان ليست لها جيوب، وأنهم لن يأخذوا معهم سوى عارهم، ستبقى سارة أيقونة
لمعسكر كلمة ولكل شبر في دارفور والسودان، لقد صعدت روحها إلى بارئها، لكن
ذكراها ستظل تلاحق القتلة، فالتاريخ علمنا دائماً أن عمر الضحية أطول من
عمر الجلاد، الرحمة والمغفرة لرفيقة النضال سارة، والخزي والعار لقتلة
الأحلام.
سرد موفق علي حقائق النضال
ردحذف