Translate

الأحد، 12 يونيو 2022

ضياع قصة قصيرة بقلم / ياسر الصعيدي - مصر


 قصة قصيرة 

ضياع

بقلم / ياسر الصعيدي -  مصر

لا أجد سببًا أو مبررًا لدعوتهم لي كل مرة أن أشاركهم جلسة الفضفضة - كما يسميها الطبيب – حيث يجلسون على شكل دائرة ويبوح كل منهم عما بداخله من أسرار دفينة.
في كل مرة أجلس معهم ولا أشاركهم الحديث، ألتزم الصمت وأسرح بخيالي بعيدًا حتي أفيق على صوت الطبيب: هل تريدين أن تشاركينا الحديث هذه المرة؟ أشيرإليه بالرفض وأعتقد أنهم لن يطلبوا مشاركتي ثانية.
أحيانا أتمنى أن أفرج عن سري الذي أخفيته عن الجميع، وأودعته سجن صمتي، ليقيني بأنهم لن يصدقوني وكي لا تتحول نظرة الشفقة والعطف التي أراها في عيونهم، إلي الازدراء والقسوة إن عرفوا أني قاتلة.
في جلسة اليوم لمستُ منهم تعاطفًا مع السيدة التي حكت عن زوجها القاسي قلبه الغليظة معاملته، مما شجعني على اتخاذ القرار، سأكسر صمتي وأتكلم في الجلسة القادمة.
طوال الأسبوع وأنا في ترقب وخوف وتردد إلى أن جاء موعد الجلسة، وهبتني الصدفة الفرصة بالجلوس بمقربة من الطبيب مما يعني أنني لن أنتظر طويلًا لألقي من على كتفي الثقل الذي لم أعد أحتمله.
بدأت السيدة التي بيني وبين الطبيب تروي قصتها وما إن تنتهي سأبدأ، لم أنصت لها فقد كنت مشغولة بشحذ ذاكرتي وترتيب أفكاري كي لا أنسى التفاصيل والأسباب التي أتت بي هنا، لن أسهب في السرد بل سأبدأ من آخر أيامي في بيت أمي أو بالأصح وكر زوج أمي، الذي كان الخروج منه - ولو للقبر- حلمًا تمنيته كل ليلة؛ للهروب من سهام عينيه التي تخترق جسدي كلما وقعت عليّ، ومن تحرشه المستمر الذي دفعني لأوافق على أول شخص يتقدم للزواج مني.
لم أنصت لتحذيرات الجيران من فساد أخلاقه وسيرته الملوثة، لم أغتر بجمالي كما يدعون وانتظر ابن الحلال الذي سينتشلني من بركة الوحل التي أعيش فيها، كل ما كان يهمني هو أن أتنفس هواء الحرية وأتذوق معنى الخصوصية وأسترد إرادتي التي نزعتها مني أمي بإجباري ارتداء ملابس لا تناسب سني محاولة إخفاء جمالي غيرة على زوجها.
لم يكن حظي في بيت زوجي يختلف كثيرًا عن بيت زوج أمي، كلاهما وكر للملذات والمحرمات والتحرش، وإن كان تحرش زوجي تكسوه الصفة الشرعية، لا يهمه سوى رغباته وملذاته، رائحة الخمور والحشيش التي تفوح منه تدفعني للغثيان والاشمئزار كلما اقترب مني.
لمعرفته أنني لن أطلب الطلاق والفكاك من أسره لعدم وجود ملجأ آخر يحميني ازدادت معاملته سوءًا، تطاول علي بالسب بأفظع وأبشع الألفاظ، تمادى في إيذائي وتعمد تشويه جمالي الذي اندثر وانطفئ من يوم زواجنا، لكن أكثر ما كان يجرح نفسي المعذبة مناداته لي دائمًا بالعاهرة والفاجرة.
لم يصبرني على هذه الحياة البائسة إلا رؤية مولودي الصغير بين يدي، هان في عيني كل شيء، لم أعد أشغل بالي بجمالي الضائع وكرامتي المهدرة، كنتُ أعد الأيام بالساعات والدقائق منتظرة بفارغ الصبر اللحظة التي يكبر فيها ويخطو خطواته الأولى في بناء مستقبله.
لكن الدنيا لم تمهلني كثيرًا لأحلم، سرعان ما بدأت بوادر الفشل والفساد تظهر على ابني الوحيد، خاب في التعليم، لم تشفع لي عنده خدمتي في البيوت لأوفر له متطلباته كي لا أشعره أنه أقل من زملائه في المدرسة، التف حوله رفقاء السوء، أصبح نسخة مصغرة من أبيه، نفس طباعه السيئة وغلظته، كلما كبر في السن كلما ضاعت آمالي في السند والأمان الذي كنتُ أرجوه وأتوسمه فيه وكلما تيقنتُ أن عمري ضاع هدرًا.
في اليوم المشئوم دخل المنزل في حالة رثة، بعدما ذهبت المخدرات بما تبقى من عقله، اقترب مني يفتش ملابسي عن أي أموال فلم يجد، صرخ في وجهي: أين نقودك التي تتحصلين عليها من عملك؟ بصوت يعلوه أنين قلبي: يا ولدي ما أحصل عليه بالكاد يكفينا ويسد رمقنا، هلا عملت أنت وأبوك بدلًا من أن تعيشا عالة على بقايا سيدة منهكة.
لم أدر سوى بيده تصفعني على خدي، متلفظًا بأكثر كلمة أكرهها في حياتي: أعطني النقود يا عاهرة يا فاجرة.
قمتُ كالبرق الخاطف أمسكه وأهزه بعنف: لا بل أنا أشرف سيدة في الكون أيها النبت الشيطاني، كنتُ أرى فيه صورة أبيه يضحك مني ساخرًا، أرى الماضي يتكرر والمستقبل يكتنفه الظلام من كل جانب، قهقهته العالية استحثتني على كتم أنفاسه صارخة بكل ما أوتيت من قوة: اسكت... اسكت... اسكت، كنت أسكت الابن وأبيه ولا أعرف كيف كنتُ أراهما في نفس الوقت.
مع صراخ الجيران لم أجد إلا ابني فقط ملقى على الأرض جثة هامدة وقد سكت إلى الأبد، وصلت الشرطة ومازلتُ في ذهولي ولا أعرف كيف مات ولدي! كل ما أفعله أني أضحك بصوت عالٍ ساخرة ممن يتهمني أني قتلت ولدي، كيف وأنا لم أكتم إلا أنفاس زوجي؟!.ظن الجميع بي الجنون، وتم تحويلي إلى مستشفى الأمراض العقلية والنفسية.
أشعر بيد تربت على كتفي وصوت يناديني:
_ هل ستشاركينا اليوم سيدتي وتتحدثي؟
_ خفت ألا يصدقوني، أومأت للطبيب معلنة رفضي المشاركة.

قد تكون صورة ‏‏‏شخص واحد‏، ‏لحية‏‏ و‏شجرة‏‏

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركات الأعضاء

لوحات فنية بريشة الفنانة/ إيما تومانيان

 

المشاركات الشائعة