Translate

الخميس، 29 يناير 2026

ثلاثية ملاحم بقلم : نزار الحاج علي - سورية

 

ثلاثية ملاحم

بقلم 
نزار الحاج علي
سورية
أُلفة
تشعر أنّ أحدهم يراقبك باستمرار، قد يبدو لك الأمر غريباً في البداية؛ تطفئ الأنوار حتى لا يراك أحد، لكن يراودك إحساسٌ بأن أحدهم ما زال مستيقظاً في داخلك.
عندما تنهض من السرير، وقبل أن تغادر، تودّع الذئب الذي كان يتجول معك ليلة البارحة.
عند الصباح
تتناول جرعتك اليومية من " لا يهمّ، ليست مشكلةً " ثمّ تنطلق مثل سهم.
وها أنت ذا ودون أن تلتفت، تقتنص زهرة عجيبة لا ينظرُ إليها أحد.
تتسائل بينك وبين نفسك:
_هل سأجدني هناك؟ فتبدأ بقطف البتلات.
وقبل أن تسقطها في منتصف الطريق، يصدر منها أصوات ضحكات أطفال، وبكاء عبيد، وعواء ذئاب...إنها مثلنا...عندما لا يراها أحد.
عند اكتمال القمر
تسقط في غرفة مليئة بالمرايا، تتأكد عندها من ألاف العيون التي تراقبك؛ تكتشف أنك محبوس خارج شرنقة... ترجع رأسك للوراء ثم تضغط على الدوّاسة، تراقب إسفلت الطريق، و إشارات المرور، حقول الألغام، نشرات الأخبار و أصوات الباعة المتجولين، ضحكات العاهرات..أنت الآن في الخارج، وأنت من لديك المفاتيح...تطفئ الأنوار...تغمض عينيك...ثم تبدأ بالعواء.

نافذة نحو الانزواء بقلم هيثم العوادي - العراق

 نافذة نحو الانزواء

بقلم

هيثم العوادي - العراق

وحيدًا أسكب همي فوق حفيف الخطوات، أتنفس عطر الماضي القادم من رحيق الذكريات، ولا شيء يطفئ جذوة حناني غير ذلك الرصيف، أهرب إليه مصطحبًا رفيق وحدتي، الذي يحبني ليخفف أحزاني وينفس عني همومي، مع أنه يرافقني دومًا، إلا أنه قليل الكلام، متجهم الوجه، لا يذكرني سوى بالمصائب.
صعب أن تتعلق بالماضي، ويكون الحبل الوحيد الذي ينقذك من بئر مخاوفك هو نفسه حبل المشنقة التي تتأرجح منها أحلامك الضائعة، مددت يدي نحو ذلك السراب، محاولًا لمس الحقيقة المتسربلة بين طيات الضياع، لكنَّ محراث الماضي خط تجاعيده المحفورة على روحي الهرمة.
قال لي صاحبي:
- يا حميد، أَلستَ من رفض الزواج بعدما قضى على حبيبتك ذلك المرض اللعين؟ كانت تتمناك كل نساء القرية، عيونك الخضراء تجذب أجمل الأقمار، وتستدرج الحب نحو شمائلك المورقة، بإمكانك أن تصطادهن قبل أن يقطعن أيديهن من جمال لحاظك، لكنك ضحكت من خفة عقولهن، وفضلت ذكرى جدث امرأة في رأسك، على كل هذا الحب.
أنا أعذرك فأنت لم ترها، كانت آخر نظراتي لها لما دخلت إلى ذلك المكان الذي يغسل فيه الموتى، رفض الجميع وحاولوا منعي بالقوة، رفعت سلاحي في وجوههم، لقد كنت مصممًا على الموت إن منعوني من رؤيتها، دخلت رغمًا عن أنوفهم، كانت مسجاة على دكة إسمنتية، يقطر الماء من جسدها، وتلتف حولها النسوة اللاتي بادرن بتغطية جسدها بعباءتهن، لا أدري كيف أصفها، حتى في تلك الحالة كانت نائمة كالملاك، زغب أبيض يتوهج من بين ضفيرتيها الذهبيتين، ذلك الجبين الوضاء والعينان الناعستان، حتى وهي على تلك الدكة، أحسست بأنها سوف تطير لتعانقني، وقلبها سوف يخفق لي مرة أخرى، لكنها ظلت جامدة دون حراك، ماذا أفعل؟ قل لي ماذا يفعل حميد مع هذا الشقاء؟.
داهمني الجوع، أخرجت رغيفين وقطعة جبن، صمت صديقي، الذي أفهمته فيما مضى، إن لم تسعفك الكلمات ولا تستطع أن تعبر عما يجيش بداخلك، شاركني في الأكل على الأقل، حتى أشعر أن هنالك من يهتم بي، تناول رغيفًا ووضعه على ركبته، وأكل بشراهة حتى أيقنت أنه سيأتي على كل شيء، واكتفيت بالنظر إليه.
تركته يأكل وأخذت أعوم في ذلك الفراغ، شارف عمري على الستين عامًا، والشيب المزروع بين ضفتي ذلك الفرق في شعر رأسي جرس إنذار لأيامي التي قرضها الدهر كما يقرض الجرذ ملابسي.
وصل الأمر ذروته! في الأسبوع المقبل سيقام العرس، والتحضيرات على قدم وساق، في خضم تلك الفرحة العارمة، نشب خلاف بين عمي ووالدها، حين عبرت مواشي عمي على أرضهم، بين أخذ ورد وجذب، حصل خلاف بين العائلتين، كل شيء انتهى، رفض أبي هذه الزيجة، فالموضوع يتعلق بكرامة العشيرة:
-لا زواج من هذه الفتاة!.
قبل يومين من موعد الزفاف أقنعت الجميع ووسّطتُ شيخ عشيرتنا لحل الخلاف، ساد السلام بعض الوقت حينها وتصالح الجميع، لكنَّ الحظ العاثر! دائمًا يسبقني بخطوة، كيف يكون عاثرًا ويسبق الجميع، لا أدري؟
في ليلة الزفاف وغمرة تلك الفرحة، صوت إطلاقات نار كسرت بهجتها:
-ابن عمك أطلق النار على والدي!
هذا ما قالته عروسي.
لم يمت أبوها، كان جرحًا بسيطًا، إلا أن الزواج مات في تلك الليلة، ولم أرها بعد ذلك إلا وهي جثة هامدة على دكة المغتسل، حينها كانت سليمة معافاة، ولولا تلك المشاكل، على الأقل لأنجبت لي ولدًا أو بنتًا تؤنسني في وحشتي، وتنعش ذاكرة العشق كلما رأيت عينيها، أفضل من العيش في بيت أخي، الذين ما عادوا يطيقون وجودي.
عاد رفيقي ولا أدري من أين خرج هذه المرة قال لي:
-حظك سيء يا حميد.
قبل أن أجيبه سمعت صوت ابن أخي:
-عمي إن أبي يبحث عنك، لماذا تجلس وحيدًا وتأكل على هذا الرصيف؟
تجاهلته والتفت إلى رفيقي الذي يبدو أن لا أحد يراه غيري:
-لا عليك، قم معي يا حميد!.
هيثم العوادي

جد مرجع بقلم: ماهر اللطيف

قد تكون صورة ‏‏شخص أو أكثر‏ و‏تحتوي على النص '‏چد جدمرجع 50 بقلم ماهر اللطيف‏'‏‏

 

جد مرجع

بقلم:   ماهر اللطيف 

ارتمى حفيدي في حضني باكياً بحرقة ظهر هذا اليوم بعد اجتيازه مناظرة انتداب في فرع شركة عالمية، بللني بدموعه التي كانت تسقيني وملابسي وهو يصدر حشرجة وصوتاً متقطعاً:
كالعادة يا جدي، لم يقع انتدابي.
(مربتاً على ظهره بلين) لا تقلق بني. اصبر فالصبر مفتاح الفرج، لا تقنط من رحمة الله.
(وقد تضاعف البكاء) ونعم بالله. صبرت كثيراً يا جدي والعمر يتقدم بي دون جدوى.
(مقبلاً جبينه) استغفر الله بني وتمهل، سيأتيك قسمك في وقته إن شاء الله.
تواصل الحوار بيننا سجالاً، يشتكي ويندب حظه وأنا أحاول تهدئته وتحفيزه، دغدغة وازعه الديني وشحذ إيمانه، يلعن أقداره وسوء طالعه، أذكره بأن بعد العسر يسراً، يلبس رداء اليأس والقنوط والخنوع، وأنا أستنجِد بذاكرتي وسجل تاريخ عائلتي المليء بمثل هذه الحوادث حتى ابتسمت وأمرته بأن يجلس أمامي وينتبه لقولي.
ما إن فعل حتى أعلمته إنني أحضر تقريباً نفس حكاية "المولدي" والده الذي عانده القدر منذ حصوله على شهادته الجامعية حتى شارف على سن الثلاثين، قدم عشرات الملفات للمؤسسات الحكومية والخاصة، اجتاز عدة مناظرات واختبارات، لكنه وُجه بالرفض حتى كاد يستسلم. مرض نفسياً وفكر في الهجرة، وفعلًا بدأ يبحث عن طريقة لركوب البحر نحو الغرب، حتى ترشح لإجراء مناظرة انتداب في فرع شركة عالمية هنا.
مع ذلك، كان المولدي يائساً وغير عابئ بنتيجة هذا الاختبار حتى وهو في طريقه لذلك يوم الحسم، فلم يلبس لباساً لائقاً، ولم يجهز نفسه على جميع الأوجه كالعادة، كان يستهزئ من نفسه ويعلن عن رفضه لهذه الوظيفة بدلاً من المسؤول الذي سينطق بذلك.
دخل الشركة فوجد عشرات المتناظرين يصطفون وينتظرون ساعة الحسم، كل يمني النفس بالفوز ونيل المركز الوحيد المتناظر عليه إلا المولدي الذي كان يستهزئ بهم حتى كاد أن يتعرض للضرب من طرف بعض الشبان الذين لم يعجبهم تصرف المولدي.
غير أن أعضاء لجنة التحكيم تعمدوا وضع أوراق نقدية أمام باب قاعة الامتحان قبالة كاميرات المراقبة حينا، وخواتم ومجوهرات ثمينة حينا آخر، ليقيموا أمانة وثقة الممتحنين، وهو جزء من الامتحان الشفوي.
غير أن جميعهم سقطوا في فخ الأنانية، حب المال، إشباع الغرائز وغيرها، ومن بينهم المولدي الذي اندهش لرؤية ورقة نقدية من فئة خمسين دينار، التفت يمنة ويسرة وقلبه يخفق بقوة، تقدم خطوة وهو متردد، ثم تظاهر بتفقد خيوط حذائه وأخذ الورقة دون تردد، وضعها في جيب سرواله، ودخل فوقع طرده شر طردة إثر جلوسه أمام اللجنة دون إذن، والتحدث بسخرية، وعدم احترام الناس وعدم الاعتراف بما اقترفه من ذنب أمام الباب حتى وقع عرض المشهد الذي سجلته الكاميرا خارجاً...
بيد أن عبد الحليم (حفيدي) يتميز عن والده المولدي - الذي هاجر حينها خلسة إلى إيطاليا وتعذب عذاباً شديداً حتى تحصل على عمل وكون نفسه يوماً بعد يوم إلى أن تزوج وأنجب أطفاله هناك - أنه طموح، مؤمن إيماناً شديداً بأن بعد العسر يسراً...
وبقيت كذلك، أنفخ في صورته من خلال فشل والده إلى أن هدأ، ابتسم، استرجع توازنه، قبلني من يدي، جبيني ثم خدي وهو يقول "لن أخذلك أيها العجوز، سأصنع من ضعفي قوة، ومن يأسي أملاً، سأهدي نجاحي المتوقع بإذن الله إلى روح والدي الذي غادرنا منذ سنوات وهو في المهجر..."
قد تكون صورة ‏‏شخص أو أكثر‏ و‏تحتوي على النص '‏چد جدمرجع 50 بقلم ماهر اللطيف‏'‏‏

كل التفاعلات:
٢

الخميس، 22 يناير 2026

انتصار بطعم السم في العسل قصة قصيرة لكاتبها أ. عبدالإله ماهل - المغرب

انتصار بطعم السم في العسل
قصة قصيرة 
لكاتبها 
أ. عبدالإله ماهل - المغرب 

شد بكلتا يديه على رأسه، وهوى أرضا، ينتحب في صمت ويتأوه مرارة " وا- أبتي..."؛ لعل فيه بركة تكون له عونا، ينقذ بها ما تبقى من ماء وجه، استنزف كذبا وبهتانا على فرج بطعم السم في العسل، يراهن عليه بالوكالة؛ تنويما وتخديرا على حساب مأساة من واقع عيش، أبدا يستحيل معها أن تحجب الشمس بالغربال.

دارت به الدوائر؛ إذ ما كاد يفرح لهنيهة بهدف مبكر، سجل على خلفية ضربة جزاء حتى يتفاجأ بمد هجومي، أسفر على هدفين من أروع ما كان: الأول برأسية على المقاس، والثاني بركلة مقوسة، لم يتركا أي حظ لحارس المرمى.

هدأ من روعه، وترجل على قدميه، يحث هذا وذاك، يحاول عبثا تدارك الموقف؛ وكأن اللاعبين شدت أيديهم وأرجلهم من خلاف.

طارت طائرته، التفت ناحية دكة البدلاء، جال ببصره، يتفرس الوجوه؛ لعل في أحدهم ما يشفي غليله، ويأتيه بالخبر السعيد؛ والحالة هاته لم يتبقى إلا دقائق معدودات وتنتهي المقابلة.

ومن حيث لا يدري، انبرى أمامه ذلك اللاعب المغضوب عليه الذي طالما طاله التهميش، ولم يأخذ كامل فرصته مع أي منتخب؛ واقفا شامخا يفرض نفسه عليه بقوة كبديل.

خاف على نفسه مغبة خيار ضدا على ارادة شعب بكامله، يهتف باسم ذلك اللاعب من داخل الملعب ومن خارجه.

طأطأ رأسه، واستسلم رغما عن أنف أبيه، وزج به كرأس حربة وسط دفاع محصن ويقظ من لدن الخصم.

ناور كثيرا، ومن غير كلل ولا ملل، يتحين أيتها فرصة قد تأتي أو لا تأتي حتى تسنت له عرضية لم يخطئ تمريرها في العمق تصادفت وزميل له كان بالمرصاد سرعان ما أودعها بشباك الخصم؛ فكانت الفرحة لا تطاق، وانتهى اللقاء على بياض.

احتكم الفريقين الى الأشواط الاضافية، وساد صمت رهيب يحدوه الحيطة والحذر، وبقي الحال على حاله بين أخد ورد، من الرتابة بمكان حتى ساد الاعتقاد ان التعادل هو سيد الموقف، وأن ضربات الترجيح هي الفيصل.

وفي لحظة، وكأنها ضربة حظ نزلت من السماء؛ إذ بينما المباراة تلفظ أنفاسها الأخيرة د، وإذا بكرة مرتدة استقرت بين أرجل ذلك اللاعب البديل، ومن بعيد وعلى الطائر وجدت طريقها نحو المرمى.

آنذاك اهتز الملعب عن آخره، وسطع يهتف عاليا باسمه وحده دون سواه، ومن حيث لا يدري انسل ذلك اللاعب خارجا من قبضة زملائه، خلع قميصه وتوجه نحو الجمهور، يرد عليهم بدل التحية تحيات.

دوت صفارة الحكم معلنة عن انتهاء المباراة على انتصار، خرج من عنق الزجاجة، طال انتظاره بعد سنوات عجاف، أتت على الأخضر واليابس؛ فكانت الفرحة استيلابا، والحل -الله الغالب- الى أجل مسمى.

اعتلى المنصة، وعانق الدهب، قبل الكأس ورفعه في العلالي؛ فرحا مرحا يلوح به بكلتا يديه، ينتظر ردة فعل من الجمهور.

لكن هيهات ثم هيهات...تفقد حواليه فإذا الكل في حداد تام ...تمة فيضانات أتت على مسقط رأسه، وأودت بحياة أبرياء من ساكنة المدينة.

ساعتها بكى بكاء شديدا، ورمى بالكأس بعيدا، ومضى يلعن الساسة والسياسيين، ويتأسف على أموال هدرت في لعبة ليس إلا، ومن ثم هرع ناحية بلدته، ينتشل جثت أموات ذهبوا ضحية فيضانات ذلك الوادي...

رنين بالذاكرة.. قصة قصيرة. ​بقلم: أحمـــــد مصطفــى الهلالـي (مصر)


"على ضفاف الكلمات، وحين نُبحر بين قوافي الحروف وعبير الذكريات، نكتشف أنَّ الحرف هو الجسر الذي لا تحده حدود، تتنفس من خلاله تفاصيلُ اللحظة؛ لتجدد فينا أسمى معاني الحب في الله والأخوة الصادقة.
هناك، حيثُ يلتقي عَبقُ النيل بـ شموخ جبال كردستان، تمنحنا الأقدار رئةً ثالثة نقتسم بها هواء الروح، ونُجسد بها نبل المشاعر التي تجعل من (رفيق الدرب) وطناً نأوي إليه.

​ورغبةً في مشاركتكم هذا الدفء، أضعُ بين أيديكم -رفقاء الحرف- ملامح من مداخلة قصصية، هي في جوهرها عناقٌ وجداني ومساجلة فكرية جمعت بين:

الشاعر/ أحمد مصطفى الهلالي (من أرض الكنانة - مصر) والأديبة/ حنين هلالي (من ربا كردستان الأبية)"

************

************

رنين بالذاكرة.. قصة قصيرة

​بقلم: أحمـــــد مصطفــى الهلالـي (مصر)

**************

​وحيداً بين جدران الغرفة، يتطلع إلى أرقام الهاتف.. يجد اسمها. يبدأ قلبه بالاحتجاج: "أما زلتَ تراهن على السراب؟" لكنه يتجاهل تحذيرات عقله ويستجمع شجاعته.

بأصابع ترتجف، يضغط زر الاتصال. تضطرب دقات قلبه، يحدث نفسه: "ربما ستعرف نبرة صوتي.. ربما كانت تنتظر هذه الإشارة لتعتذر.. أو ربما ليخمد هذا الحريق في صدري بكلمة واحدة منها."

​ثوانٍ من الرنين.. كأنها سنوات. وعيناه ممتلئة بالدموع، يهمس في سره: "أرجوكِ.. لا تكوني غريبة."

يأتيه الرد.. صوتٌ أجش، جاف كصحراء، يتساءل عن هويته. ينقبض قلبه بشدة: "هذا الصوت لا يسكنه الياسمين الذي أعرفه.. هذا الغريب يسكن بيتها، رقمها، وربما أيامها." يتجرع مرارة اللحظة ويتمتم بخذلان: "النمرة غلط".

​يسقط الهاتف.. دويّ ارتطامه بالأرض يوقظه من غيبوبة الحنين. يصرخ في أعماقه: "كفاك وهماً! استيقظ.. بضاعتك كاسدة في سوق لم يعد يعرفك. هل كنت تبيع الحب لمن اشترى النسيان؟"

يتجول بين الصور والذكريات، يخاطب طيفها بغضبٍ صامت: "لماذا لا تزالين تغمرين أحلامي وأنتِ لم تعودي هنا؟ هيهات أن تشفي قلباً أنتِ من كسرته."

​ينتفض مما تبقى منه، يقرر الرحيل داخلياً قبل أن يرحل مكانياً: "ارتحل يا قلبي إلى أرض تدرك هويتك، لا تترك أحلامك رهينة لزنازين الليالي المظلمة.. فالعالم واسع، وانت تحتاج ان تفتح نوافذ الأمل وتستقبل مايليق بك."

فجأة، يضيء الهاتف في يده بإشعارٍ تقني: "الذاكرة ممتلئة.. امسح بعض الأشياء." يبتسم بسخرية ووجع: "حتى الجماد يطالبني بالتخلص منكِ."

يمسح دمعته، يضغط على خيار الحذف النهائي..

"تم بنجاح."

******************

******************

​على الضفة الأخرى.. رحيل بلا صوت

​بقلم: حنین هلالي (كردستان)

****************

​بينما كان هو يصارع كرامته أمام هاتفه، كانت هي تصارع ما تبقى من أنفاسها.

ممددة على سرير أبيض، يحيط بها صمت المستشفى إلا من رنين الأجهزة الرتيب. نبضاتها المتعبة ترسم خطوطاً باهتة على الشاشة، وعيناها العالقتان بسقف الغرفة لا تبحثان عن الشفاء، بل عن "رنين" واحد وعدت به قلبها قبل أن يغيب الوعي.

​كانت تسمعه في مخيلتها كل ليلة، تهمس لنفسها: "سيتصل.. أعرف أنه لن يترك الغياب ينتصر."

فجأة، اخترق سكون الموت رنينُ هاتفها المركون فوق الطاولة. انتفضت روحها في جسدها الهزيل، حاولت أن تمد يدها، أن تصرخ، أن تخبر العالم أن هذا هو النبض الذي تنتظره لتعود إلى الحياة. لكنّ القيد كان أقوى من الإرادة، وصوتها كان سجيناً تحت قناع التنفس الاصطناعي.

​يدٌ غريبة امتدت للهاتف.. يد أخيها القابع بجانبها بملامح منهكة. ضغط زر الرد، وبنبرة جافة، أهلكها السهر والوجع، قال بآلية: "مين؟.. لا، النمرة غلط."

في تلك اللحظة، أحست وكأن خنجراً من الجليد انغرس في صدرها. أرادت أن تصرخ: "ليس خطأً.. إنه هو!"، لكنّ اليد التي حاولت عصرها لم تستجب إلا بارتجافة طفيفة.

​نزلت دمعة وحيدة، حارة، شقت طريقها على خدها الشاحب؛ دمعة وداع أخيرة، ليس للحياة، بل لقلبٍ ظن أنها اشترت النسيان، بينما كانت هي تدفع حياتها ثمناً للانتظار.

أغمضت عينيها، وتوقف الرنين في أذنيها.. وفي الغرفة.. وفي الحياة.

​******

أפـمـפـ مصطفى الهـــلالـــي

مشاركات الأعضاء

تغريدة من قصيدة : ( الراعية )؛ ( بنت البادية )؛ ( صاحبة الخيمة ) من بحر (الكامل ) للشاعر المصري : متولي بصل

  تغريدة من قصيدة : ( الراعية )؛ ( بنت البادية )؛ ( صاحبة الخيمة ) من بحر ( الكامل  ) للشاعر المصري : متولي بصل ماذا فعلت بمهجتي يا راعية أص...

المشاركات الشائعة