Translate

الخميس، 22 يناير 2026

انتصار بطعم السم في العسل قصة قصيرة لكاتبها أ. عبدالإله ماهل - المغرب

انتصار بطعم السم في العسل
قصة قصيرة 
لكاتبها 
أ. عبدالإله ماهل - المغرب 

شد بكلتا يديه على رأسه، وهوى أرضا، ينتحب في صمت ويتأوه مرارة " وا- أبتي..."؛ لعل فيه بركة تكون له عونا، ينقذ بها ما تبقى من ماء وجه، استنزف كذبا وبهتانا على فرج بطعم السم في العسل، يراهن عليه بالوكالة؛ تنويما وتخديرا على حساب مأساة من واقع عيش، أبدا يستحيل معها أن تحجب الشمس بالغربال.

دارت به الدوائر؛ إذ ما كاد يفرح لهنيهة بهدف مبكر، سجل على خلفية ضربة جزاء حتى يتفاجأ بمد هجومي، أسفر على هدفين من أروع ما كان: الأول برأسية على المقاس، والثاني بركلة مقوسة، لم يتركا أي حظ لحارس المرمى.

هدأ من روعه، وترجل على قدميه، يحث هذا وذاك، يحاول عبثا تدارك الموقف؛ وكأن اللاعبين شدت أيديهم وأرجلهم من خلاف.

طارت طائرته، التفت ناحية دكة البدلاء، جال ببصره، يتفرس الوجوه؛ لعل في أحدهم ما يشفي غليله، ويأتيه بالخبر السعيد؛ والحالة هاته لم يتبقى إلا دقائق معدودات وتنتهي المقابلة.

ومن حيث لا يدري، انبرى أمامه ذلك اللاعب المغضوب عليه الذي طالما طاله التهميش، ولم يأخذ كامل فرصته مع أي منتخب؛ واقفا شامخا يفرض نفسه عليه بقوة كبديل.

خاف على نفسه مغبة خيار ضدا على ارادة شعب بكامله، يهتف باسم ذلك اللاعب من داخل الملعب ومن خارجه.

طأطأ رأسه، واستسلم رغما عن أنف أبيه، وزج به كرأس حربة وسط دفاع محصن ويقظ من لدن الخصم.

ناور كثيرا، ومن غير كلل ولا ملل، يتحين أيتها فرصة قد تأتي أو لا تأتي حتى تسنت له عرضية لم يخطئ تمريرها في العمق تصادفت وزميل له كان بالمرصاد سرعان ما أودعها بشباك الخصم؛ فكانت الفرحة لا تطاق، وانتهى اللقاء على بياض.

احتكم الفريقين الى الأشواط الاضافية، وساد صمت رهيب يحدوه الحيطة والحذر، وبقي الحال على حاله بين أخد ورد، من الرتابة بمكان حتى ساد الاعتقاد ان التعادل هو سيد الموقف، وأن ضربات الترجيح هي الفيصل.

وفي لحظة، وكأنها ضربة حظ نزلت من السماء؛ إذ بينما المباراة تلفظ أنفاسها الأخيرة د، وإذا بكرة مرتدة استقرت بين أرجل ذلك اللاعب البديل، ومن بعيد وعلى الطائر وجدت طريقها نحو المرمى.

آنذاك اهتز الملعب عن آخره، وسطع يهتف عاليا باسمه وحده دون سواه، ومن حيث لا يدري انسل ذلك اللاعب خارجا من قبضة زملائه، خلع قميصه وتوجه نحو الجمهور، يرد عليهم بدل التحية تحيات.

دوت صفارة الحكم معلنة عن انتهاء المباراة على انتصار، خرج من عنق الزجاجة، طال انتظاره بعد سنوات عجاف، أتت على الأخضر واليابس؛ فكانت الفرحة استيلابا، والحل -الله الغالب- الى أجل مسمى.

اعتلى المنصة، وعانق الدهب، قبل الكأس ورفعه في العلالي؛ فرحا مرحا يلوح به بكلتا يديه، ينتظر ردة فعل من الجمهور.

لكن هيهات ثم هيهات...تفقد حواليه فإذا الكل في حداد تام ...تمة فيضانات أتت على مسقط رأسه، وأودت بحياة أبرياء من ساكنة المدينة.

ساعتها بكى بكاء شديدا، ورمى بالكأس بعيدا، ومضى يلعن الساسة والسياسيين، ويتأسف على أموال هدرت في لعبة ليس إلا، ومن ثم هرع ناحية بلدته، ينتشل جثت أموات ذهبوا ضحية فيضانات ذلك الوادي...

رنين بالذاكرة.. قصة قصيرة. ​بقلم: أحمـــــد مصطفــى الهلالـي (مصر)


"على ضفاف الكلمات، وحين نُبحر بين قوافي الحروف وعبير الذكريات، نكتشف أنَّ الحرف هو الجسر الذي لا تحده حدود، تتنفس من خلاله تفاصيلُ اللحظة؛ لتجدد فينا أسمى معاني الحب في الله والأخوة الصادقة.
هناك، حيثُ يلتقي عَبقُ النيل بـ شموخ جبال كردستان، تمنحنا الأقدار رئةً ثالثة نقتسم بها هواء الروح، ونُجسد بها نبل المشاعر التي تجعل من (رفيق الدرب) وطناً نأوي إليه.

​ورغبةً في مشاركتكم هذا الدفء، أضعُ بين أيديكم -رفقاء الحرف- ملامح من مداخلة قصصية، هي في جوهرها عناقٌ وجداني ومساجلة فكرية جمعت بين:

الشاعر/ أحمد مصطفى الهلالي (من أرض الكنانة - مصر) والأديبة/ حنين هلالي (من ربا كردستان الأبية)"

************

************

رنين بالذاكرة.. قصة قصيرة

​بقلم: أحمـــــد مصطفــى الهلالـي (مصر)

**************

​وحيداً بين جدران الغرفة، يتطلع إلى أرقام الهاتف.. يجد اسمها. يبدأ قلبه بالاحتجاج: "أما زلتَ تراهن على السراب؟" لكنه يتجاهل تحذيرات عقله ويستجمع شجاعته.

بأصابع ترتجف، يضغط زر الاتصال. تضطرب دقات قلبه، يحدث نفسه: "ربما ستعرف نبرة صوتي.. ربما كانت تنتظر هذه الإشارة لتعتذر.. أو ربما ليخمد هذا الحريق في صدري بكلمة واحدة منها."

​ثوانٍ من الرنين.. كأنها سنوات. وعيناه ممتلئة بالدموع، يهمس في سره: "أرجوكِ.. لا تكوني غريبة."

يأتيه الرد.. صوتٌ أجش، جاف كصحراء، يتساءل عن هويته. ينقبض قلبه بشدة: "هذا الصوت لا يسكنه الياسمين الذي أعرفه.. هذا الغريب يسكن بيتها، رقمها، وربما أيامها." يتجرع مرارة اللحظة ويتمتم بخذلان: "النمرة غلط".

​يسقط الهاتف.. دويّ ارتطامه بالأرض يوقظه من غيبوبة الحنين. يصرخ في أعماقه: "كفاك وهماً! استيقظ.. بضاعتك كاسدة في سوق لم يعد يعرفك. هل كنت تبيع الحب لمن اشترى النسيان؟"

يتجول بين الصور والذكريات، يخاطب طيفها بغضبٍ صامت: "لماذا لا تزالين تغمرين أحلامي وأنتِ لم تعودي هنا؟ هيهات أن تشفي قلباً أنتِ من كسرته."

​ينتفض مما تبقى منه، يقرر الرحيل داخلياً قبل أن يرحل مكانياً: "ارتحل يا قلبي إلى أرض تدرك هويتك، لا تترك أحلامك رهينة لزنازين الليالي المظلمة.. فالعالم واسع، وانت تحتاج ان تفتح نوافذ الأمل وتستقبل مايليق بك."

فجأة، يضيء الهاتف في يده بإشعارٍ تقني: "الذاكرة ممتلئة.. امسح بعض الأشياء." يبتسم بسخرية ووجع: "حتى الجماد يطالبني بالتخلص منكِ."

يمسح دمعته، يضغط على خيار الحذف النهائي..

"تم بنجاح."

******************

******************

​على الضفة الأخرى.. رحيل بلا صوت

​بقلم: حنین هلالي (كردستان)

****************

​بينما كان هو يصارع كرامته أمام هاتفه، كانت هي تصارع ما تبقى من أنفاسها.

ممددة على سرير أبيض، يحيط بها صمت المستشفى إلا من رنين الأجهزة الرتيب. نبضاتها المتعبة ترسم خطوطاً باهتة على الشاشة، وعيناها العالقتان بسقف الغرفة لا تبحثان عن الشفاء، بل عن "رنين" واحد وعدت به قلبها قبل أن يغيب الوعي.

​كانت تسمعه في مخيلتها كل ليلة، تهمس لنفسها: "سيتصل.. أعرف أنه لن يترك الغياب ينتصر."

فجأة، اخترق سكون الموت رنينُ هاتفها المركون فوق الطاولة. انتفضت روحها في جسدها الهزيل، حاولت أن تمد يدها، أن تصرخ، أن تخبر العالم أن هذا هو النبض الذي تنتظره لتعود إلى الحياة. لكنّ القيد كان أقوى من الإرادة، وصوتها كان سجيناً تحت قناع التنفس الاصطناعي.

​يدٌ غريبة امتدت للهاتف.. يد أخيها القابع بجانبها بملامح منهكة. ضغط زر الرد، وبنبرة جافة، أهلكها السهر والوجع، قال بآلية: "مين؟.. لا، النمرة غلط."

في تلك اللحظة، أحست وكأن خنجراً من الجليد انغرس في صدرها. أرادت أن تصرخ: "ليس خطأً.. إنه هو!"، لكنّ اليد التي حاولت عصرها لم تستجب إلا بارتجافة طفيفة.

​نزلت دمعة وحيدة، حارة، شقت طريقها على خدها الشاحب؛ دمعة وداع أخيرة، ليس للحياة، بل لقلبٍ ظن أنها اشترت النسيان، بينما كانت هي تدفع حياتها ثمناً للانتظار.

أغمضت عينيها، وتوقف الرنين في أذنيها.. وفي الغرفة.. وفي الحياة.

​******

أפـمـפـ مصطفى الهـــلالـــي

حين يعود الغائب ليصبح وطناً بقلم : جهينة الحسام

 

حين يعود الغائب ليصبح وطناً

بقلم :  
جهينة الحسام 
بينما تتهاوى أستارُ العتمةِ على رُفاتِ الذاكرة، ويغدو الليلُ "مرآةً للقلوبِ المكسورة"، انبثقتْ قصةٌ لم يخطّها بنانُ بشرٍ من قبل، بل استعارَ القدرُ لها "سطوراً قديمةً من ذاكرته ومزجها بالآن". في تلك "الطرق القديمة، حيث تتكسر ظلالُ المصابيح على حجارةٍ مهجورة"، لم يكن اللقاءُ مجردَ مصادفةٍ عابرة، بل كان عودةً لصدىً ضاعَ منذُ أزل.
كانت هي، ليلى التي "يُخبئ صدرُها رائحةَ العشبِ بعد المطر"، تتهادى في ممرِ الزمنِ كأنها "تتبعُ الطريقَ أو الطرقُ هي التي تتبعُها". أما هو، قيسُ الذي "في عينيه ليلٌ لم يتعلم النسيان"، فقد كان يقفُ على "مقربةٍ لا تُقاس بالخطى"، كأنه "لم يأتِ قط، وكأنه لم يغب أبداً".
لم تكن ثمة كلمات، فقد كانت "الكلماتُ تخونُ المعنى في مثلِ هذه الليالي"، وصارَ "الصمتُ أبلغَ من ألفِ حكاية". وحين "لامستْ يداه يدها"، انتشرَ دفءٌ في عروقِ الأزلِ، كأنّ جسديهما "يعرفانِ بعضهما قبل أن يتعارفا". نظرَ إليها بصوتٍ لا يُسمع، وهتفَ بوجدٍ "يُصيبُ القلبَ بنبضاتٍ غريبة": "أنتِ كما تركتُكِ".
في تلك اللحظة، "اهتزَّ جدارُ الغيابِ الذي بُني حجراً حجراً"، وغدا اللقاءُ "شيئاً غامضاً يشبهُ حفيفَ الأشجارِ حين تمرُّ الأرواحُ القديمة". كان "الزمنُ قد أوقفَ ساعته في تلك اللحظةِ القديمةِ ينتظرُ عودتهما"، وكأنّ الحكايةَ التي ظنَّها العالمُ قد انتهت، كانت "مختبئةً في صدرِ الليلِ تنتظرُ بصبرِ حجارةِ الطريق".
لكن، ثمة لغزٌ يلوحُ في الأفق؛ فبينما كانا "يلتقيانِ عند نقطةٍ لا يعرفها أحد"، بقيتْ هناك "كلمةٌ ترتجفُ على حافةِ الشفاه، أبتْ أن تولدَ وأبتْ أن تموت". هل كان هذا اللقاءُ بعثاً جديداً أم "موتاً بطيئاً يشبهُ موتَ شمعةٍ في غرفةٍ مغلقة"؟ ظلَّ السؤالُ معلقاً كقنديلٍ في مهبِّ الريح، تاركاً في قلبِ القارئ فضولاً لا ينطفئ؛ هل عادَ المجنونُ لليلاه، أم أنهما مجردُ "صدىً لاثنين" ضاعا في "تيهِ الغيابِ الذي لا بريدَ له ولا عنوان"؟ ومع ذلك، لم ينصرفا.
فبعضُ اللقاءاتِ لا تنتهي حين ينتهي العناق، بل تبدأ حين “يتراجع الجسد ويبقى القلب واقفاً في منتصف الطريق”.
مشى كلٌّ منهما خطوةً إلى الوراء، كأنهما “يخافانِ أن يُفزعا الحلمَ إن اقتربا أكثر”، لكن الخيطَ الخفيَّ الذي شُدَّ بين الصدرين كان “أقوى من المسافات وأعنَد من الفراق”.
قالت ليلى، وصوتُها “يشبهُ ارتجافَ غصنٍ حملَ طيوراً أكثر مما يحتمل”:
— أتظنُّ أننا نلتقي لأننا أردنا؟ أم لأن الوجعَ دلَّنا على بعضنا؟
ابتسم قيسُ ابتسامةَ من “تعلّم أن يضحكَ كي لا ينهار”، وقال:
— بعضُ الطرقِ لا نختارها… هي التي تختارنا حين نتعبُ من الهرب.
وسكتا ثانيةً، لأن “الأسئلةَ الكبرى لا تحبُّ الضجيج”، ولأن القلوبَ حين تمتلئ “تحتاجُ إلى صمتٍ كي لا تفيض”.
كان الليلُ يراقبهما من بعيد،
“يعدُّ دقّاتِ قلبيهما كمن يعدُّ نجوماً سقطت من السماء”،
والريحُ تمرُّ بينهما “كأنها رسولٌ قديمٌ يحملُ رسائل لم تُفتح منذ قرون”.
كلُّ شيءٍ حولهما كان يقول: هذا ليس لقاءً عادياً… هذا “استدعاءٌ من الذاكرة الكونية”، كأنّ العالمَ نفسه “أراد أن يذكّر الحبَّ باسمه القديم”.
لكن الحبَّ…
حين يعود بعد غياب، لا يعود بريئاً.
يعود “مثقلاً بأسئلةٍ لم تُجَب، وبخوفٍ من أن يُكسَر مرةً أخرى”.
قال قيس، وكأنه يخاطبُ ظله لا ليلى:
— أخاف أن نكون قد تأخرنا… أن يكون الوقتُ قد سبقنا بخطوة.
ردّت ليلى، وفي عينيها “حريقٌ صامت”:
— ومن قال إن الوقتَ أقوى من الذين ينتظرون؟
كانت تعرف…
أن بعضَ القلوب “تُخلق وفيها قدرةٌ غريبة على الصبر”،
وأن بعضَ القصص “تتأخر كي تأتي كاملة، لا كي تُلغى”.
اقتربا، لا ليعانقا، بل ليختبرا إن كان الواقعُ “قاسياً كما تخيّلاه في البعد”.
وحين تقاطعت أنفاسُهما، لم يحدث شيءٌ درامي،
لم تسقط السماء، ولم تنشقّ الأرض،
بل حدثَ ما هو أخطر:
“اطمأنَّ القلب”.
والاطمئنان… حين يأتي بعد خوفٍ طويل،
يشبهُ معجزةً صغيرةً لا يراها أحدٌ سواك.
غير أن الطريقَ لم يكن مفروشاً بالضوء.
كان خلف كلِّ نظرةٍ سؤال،
وخلف كلِّ ابتسامةٍ ذكرى “لم تبرأ تماماً”.
فالحبُّ العائد من الغياب
يشبهُ بيتاً قديماً…
جميل، دافئ،
لكن في جدرانه شقوقٌ تعرفُ أسماء ساكنيه.
قالت ليلى:
— إن بقينا… هل نبقى كما نحن؟ أم سنضيع مرةً أخرى؟
أجاب قيس:
— الضياعُ ليس أن نفترق… الضياعُ أن نلتقي ونكذب على قلوبنا.
فهمت عندها أن هذا اللقاء
ليس وعداً سهلاً،
بل “امتحاناً قاسياً للنوايا”،
وأن الحبَّ الحقيقي لا يقول: سأبقى مهما كان،
بل يقول: سأبقى إن كنا سنكون صادقين مع ما فينا.
تقدّم الفجرُ خطوةً في الأفق،
“كطفلٍ خجولٍ يفتحُ باب الغرفة على حكايةٍ لم تنتهِ”،
وعرفا أن الليل — شاهد الأسرار —
سيسلّمهما الآن إلى وضوح النهار،
حيث لا تختبئ المشاعر خلف العتمة،
وحيث يجب أن يُتَّخذ القرار.
لم يقولا: سنلتقي غداً.
ولم يقولا: هذا وداع.
قالا فقط:
— لن نهرب.
وأحياناً…
هذه الجملة وحدها تكفي لتشعل العالم.
مضيا كلٌّ في اتجاه،
لكن الخطوتين كانتا “تتشابهان كأنهما كُتبتا بالقلم نفسه”،
وكأن الطرقَ — تلك الطرق القديمة —
ابتسمت أخيراً لأنها أعادت إلى نفسها “قصةً كانت ناقصة”.
وبقي السؤال، لا كجرح، بل كنجمة:
هل سينتصر الحبُّ هذه المرّة؟
أم أن القدرَ سيطلبُ منهما ثمناً آخر؟
غير أن شيئاً واحداً كان مؤكداً:
أن القلبَ الذي تعلّم أن يحبّ مرة،
إن عادَ إلى الحب…
فلن يعودَ ليكون عابراً،
بل ليكون قدراً ومنذ تلك الليلة، لم يعد اللقاءُ حلماً صافياً،
بل صار “واقعاً يختبرُ القلب كلَّ يوم”.
صار قيسُ وليلى يتقاطعان في الرسائل أكثر مما يتقاطعان في الطرق،
وتتشابك أصواتهما عبر كلماتٍ “تصل متأخرةً أحياناً، ومتعبةً دائماً”.
كانت ليلى تشعر أن قلبها
يسبق الرسالة بثلاث خطوات،
وأنها تقول في داخلها ألف شيء
ولا يصل منه سوى سطرٍ بارد:
— كيف الحال ؟
وكان قيس، كلما قرأ اسمها،
يشعر أن صدره يضيق كأن الذاكرة
“تفتح عليه أبواباً كان قد أقفلها بصعوبة”،
فيكتب، ثم يمسح، ثم يكتب،
كأنه يخاف أن يقول الحقيقة كاملة
فتعود الأشياء إلى الاشتعال.
لم يعودا كما كانا في اللقاء الأول…
ذلك اللقاء الذي كان نقيّاً كالمطر.
الآن دخلت بينهما الحياة،
بدوامها، بتعبها، بخوفها من التكرار،
وبذلك السؤال الخفي:
هل نحن مستعدان فعلاً؟ أم نشتاق فقط؟
كانت ليلى تحبّه،
لكنها كانت تحبّ أيضاً فكرة أن يكون لها مكانٌ في قلبه
لا ينافسه شيء ولا يؤجَّل.
وكان قيس يحبّها،
لكن داخله كان يمتلئ بالخوف من أن يعِد
وهو غير متأكد من قدرته على الوفاء.
وهنا يبدأ الوجع الحقيقي…
ليس حين لا نحب،
بل حين نحب ولا نعرف كيف نقترب دون أن نخسر أنفسنا.
قالت له مرة:
— أحسّك قريب وبعيد بنفس اللحظة.
كأنك تمدّ يدك وتسحبها بسرعة.
قال:
— مو لأن ما أريدك…
بس لأن أخاف أرجع أكسرك.
وكُسِر الصمتُ بينهما بشيء يشبه الاعتراف،
اعتراف أن الحب موجود،
لكن الطريق إليه “مو مستقيم ولا سهل”.
كانت ليلى تبكي أحياناً بلا دموع،
فقط ذلك الثقل في الصدر،
ذلك الشعور بأنك تنتظر رسالة
تعرف أنها قد لا تأتي اليوم…
لكن قلبك يظل يترك الباب مفتوحاً.
وكان قيس، حين يبتعد قليلاً،
لا يرتاح…
بل يشعر أن روحه معلّقة عند اسمها،
وأن الهروب منها لا يشبه النجاة
بل يشبه التأجيل.
صارا يدوران في دائرة:
قربٌ يخيف،
وبعدٌ يوجع،
وصمتٌ أطول من اللازم.
وفي إحدى الليالي،
حين تعبت ليلى من الانتظار،
كتبت له:
— إذا ضليت هيچ، راح أتعب… وأنا ما أريد أتعب منك.
قرأ الرسالة أكثر من مرة،
ولم يرَ فيها تهديداً،
بل رأى فيها قلباً يقول:
أنا هنا… بس لا تتركني معلّقة.
وفهم عندها أن الحب
ليس فقط أن نشتاق،
بل أن نختار…
أن نقرّر إن كنا سندخل المعركة معاً
أو نترك بعضنا سالمين لكن فارغين.
وقف قيس عند مفترقٍ لا يشبه الطرق،
بل يشبه القرارات التي تغيّر شكل الحياة،
وعرف أن الوقت لم يعد يسمح له
أن يكون نصف حاضر.
أما ليلى،
فكانت قد تعبت من أن تكون قوية دائماً،
وتمنت لو أن أحداً يقول لها ببساطة:
أنا معك، لا تخافي.
وهنا…
توقفت القصة لحظة،
ليس لأن الأحداث انتهت،
بل لأن القرار يقترب،
والقرار دائماً أخطر من الاشتياق لم يأتِ قرارُ قيس سريعاً،
فالقلوبُ التي خُذلت مرة
تسير نحو الفرح بحذرٍ يشبه الخوف.
لكنه، في تلك الليلة،
حين جلس وحده والمدينة نائمة،
أدرك شيئاً بسيطاً وخطيراً بنفس الوقت:
أن كل الطرق التي حاول أن يهرب بها
كانت تنتهي عند اسمها.
فهم أخيراً أن الابتعاد عنها
لم يكن يحميه…
بل كان يؤلمه بطريقة أبطأ.
نهض، وكأنه يستجيب لنداءٍ قديم،
وكتب لها دون تفكير طويل:
— تعبت من الهروب… وإذا بعدك تقبليني، أنا جاي.
قرأتها ليلى،
وتوقّف الزمن عند تلك الجملة.
لم تبكِ،
لم تضحك،
فقط وضعت يدها على صدرها
كأنها تحاول أن تهدّئ قلباً
كان يركض منذ شهور بلا اتجاه.
لم تكتب كثيراً،
قالت فقط:
— أنا بعدني هنا.
وكانت تلك الجملة
أقوى من ألف عتاب
وأصدق من ألف وعد.
التقيا مرةً أخرى،
لكن هذه المرة لم يكن اللقاء مرتبكاً.
كان فيه شيء من الوجع القديم، نعم،
لكن كان فيه أيضاً قرارٌ واضح
أن لا يعودا نصفين مترددين.
نظر إليها قيس طويلاً،
كأنما يحاول أن يحفظ ملامحها
لآخر مرة يخاف أن يخسرها،
وقال بصوتٍ ثابت أخيراً:
— ما أريد أضيعك مرة ثانية…
وإذا الطريق صعب، نمشيه سوا مو وحدي.
ردّت ليلى،
وفي عينيها ذلك اللمعان
الذي لا يظهر إلا حين يتعب القلب من الصبر:
— أنا ما كنت أريد غير هذا…
أن تحس إني مو محطة، أنا طريق.
وفي تلك اللحظة،
سقط آخر جدارٍ بينهما.
لا الدموع نزلت،
ولا الكلمات كثرت،
لكن الأرواح تعانقت قبل الأجساد،
وكأن الحب قال أخيراً:
الآن… فقط الآن، صرتُ في مكاني الصحيح.
لم تختفِ مشاكل الدنيا،
ولم يصبح الغد سهلاً فجأة،
لكن الفرق كان واضحاً:
لم يعودا وحدهما في المواجهة.
صار قيس يختار البقاء
حين كان سابقاً يختار الصمت.
وصارت ليلى تثق
حين كانت سابقاً تنتظر الدليل.
وعادت الحكاية تمشي،
لا كحلمٍ سريع الانطفاء،
بل كقصة تعرف أن الألم جزء منها
لكنها لا تسمح له أن يكون النهاية.
وفي إحدى الليالي،
قالت ليلى وهي تضحك لأول مرة من قلبها:
— تعرف؟ الناس كانوا يقولون ليلى ومجنونها قصة وانتهت.
أجابها وهو يضم يدها:
— بعض القصص تنتهي…
وبعضها يتأخر بس حتى يرجع أقوى.
وهكذا،
لم يعودا صدىً لاثنين ضاعا في الغياب،
بل صارا قلبين اختارا أن يبقيا،
رغم الخوف،
رغم التعب،
رغم كل ما كان يمكن أن يفرّقهما.
وعاد المجنون إلى ليلاه…
لا لأنه ضلّ الطريق،
بل لأنه أخيراً عرف
أن الوطن ليس مكاناً نصل إليه،
بل شخصاً نختاره ونبقى عنده.
وهنا… لم تنتهِ القصة،
بل بدأت حياةٌ تشبه الحلم
الذي تعب كثيراً قبل أن يتحقق. 
🤍

قد تكون رسمة لـ ‏‏شخص أو أكثر‏ و‏حجاب‏‏

مشاركات الأعضاء

لوحات فنية بريشة الفنانة/ إيما تومانيان

 

المشاركات الشائعة