Translate

السبت، 31 يناير 2026

محاكمة الرجل الرمادي قصة د. أشرف مبارك أحمد صالح


محاكمة الرجل الرمادي
قصة

د. أشرف مبارك أحمد صالح 

كانت المدينة الصغيرة تنام في أحضان تلال من الرمال، بل هي غارقة فيها، حتى شوارعها قد نسيت لون الأسفلت الأسود، وأصبحت صفراء من الرمال ... ولهانة هي بحب الرمال والصحراء ... تعشق الألوان الباهتة ... لأقدام الرجال والنساء فيها وقع خاص ... يقتلعون أقدامهم اقتلاعاً من الرمل ويلقون بها بقوة حتى تنغرز فيه، فتراهم لذلك ينحنون الى الأمام في مشيتهم ... تكتسي المدينة في الخريف بخضرة على مد البصر - يعكرها شوك الحسكنيت والضريسة - ولكن سرعان ما تنمحي عند حلول الشتاء ليعود للأرض اصفرارها.

يمر بها البدو في نهاية الخريف، وهم راحلون الى الشمال فيجعلون لها مذاقاً خاصاً ... ألوان ثيابهم وإبلهم تعيد للأذهان ألوان أيام ما قبل الخريف.

مدينة صغيرة يغلفها الهدوء ... أحيانا و في فصل الخريف ينطلق الرعد مثل رمية سهم تخترق قلب الهدوء الذي لا يلبث أن يستعيد عافيته، ولكأنه بروميثيوس حين ينهش النسر كبده .... ينهض الهدوء سريعاً ليعم أرجاء المدينة ... هذا باختصار عن هذه المدينة الوديعة التي كانت لحناً هادئاً في وسط الصحراء العاصفة ، والتي تربض في قلب هذا البلد الجميل جمال هدوئها والوديع وداعة سكانها ...

يزور هذه المدينة البدو فلا يعكر صفو هدوئها جلبتهم وصياحهم ، بل ويندغمان في إيقاعها البطئ ، دونما يفقد البدو طبيعتهم أو تفقد المدينة طبيعتها. كم يفرح السكان لقدومهم في هذا الوقت تمتلئ الأسواق بالألبان ومنتجاتها، وتنخفض أسعارها.

وتزورها الوفود الحكومية ، لتنطلق السيارات في كل ناحية وتسمع صفارات سياراتهم وأبواقها في كل أرجائها ، وتعج دروبها بقوات الأمن والشرطة والجيش والصحفيين والمواكب المصاحبة لمثل هذه المناسبات ، فهل يقلق ذلك ما ألِفَتْ من هدوء؟ كلا، فالسكان لا يأبهون بها وكأنما حياتهم وهذه الضوضاء تسيران في زمنين متوزايين وبينهما برزخ لا يلتقيان ...

كل ذلك كان حتى صباح هذا اليوم، فقد أصبحت كالذي يتخبطه الشيطان من المس، وامتلأت بالصحفيين والأجانب والرجال المهمين ... ماذا حدث؟ قيل قد ظهر فيها رجل رمادي ... أرتال من السيارات تخرج من بيوت الضيافة ومن الفندق الوحيد فيها، تسير الى حيث يوجد الرجل الرمادي ... هل بقي السكان كعادتهم في الزمن الموازي؟ كلا، فاليوم سيحاكم رجلاُ منهم قيل إنه رمادي ... ضحكت المدينة وهي تقول: عجباً! انظروا من يحاكمه!

وفي مكان ما كان الرجل الرمادي قابعاً خلف قضبان .. تتدافع الجموع نحوه ، كل يحاول الوصول لكي يروي الفضول برؤيته .. كان في قفصه مثل حيوان في حديقة الحيوان ينظر اليهم ودموع تترقرق في عينيه وتنحدر على خديه، ثم تسقط الى الأسفل مثل قطرات ماء تسقط من صنبور انقطعت منه المياه فصار يسقط الماء قطرات ثم يتبعها بصوت كالشخير .... قال الضابط للجمع المحيط بالمكان قبل أن يدخلوا: ليس الرمادي هنا. فقالوا له و هم لا يطيقون الإنتظار : والله لا نصدقنك. لم يعتادوا أن يكونوا وهذه الأحداث في زمن واحد. فقال لهم الضابط فاختاروا اثنين منكم إذن ليدخلوا وكان قد أضمر إبعادهم بالحيلة. ودخل اثنان كان الضابط قد أقنعهما بالكذب على الناس على أن يفوزا برؤية الرمادي، لكن الناس قالوا لهما والله لا نؤمن لكما حتى نرى ذلك بأعيننا وتدافعوا. قالت طفلة صغيرة لأمها أمي ارفعيني الى الأعلى ... أمي أريد أن أراه .... ابتسم الرمادي بمرارة لكنه ضحك عندما قالت لأمها ما الغريب فيه يا أمي؟ إنه يشبه والدي. انتهرتها الأم يا بنت! لم يكن أبوك رمادياً .. ثم قالت لها بحنان اعطه مما عندك من حب التسالي .. آه صرت قرداً ... قال الرمادي لنفسه. لم ينجح الجنود في منع الناس من الإقتراب منه أو التحدث إليه، ولم يرد عليهم، فقد كانت ليلة الأمس تشغله عنهم عندما كانت أيدي الجنود والمحققين تدفعه من يد الى أخرى 

- ما جريمتي؟ 

- تآمرت 

- أنا؟ 

- وتكلمت بما لا يليق 

– ما تفوهت بكلمة قط 

- بل تكلمت 

- في ماذا؟ 

– في كل شئ .. 

وأتته يد طائشة تصفعه 

– و قتلت نفسا بغير حق 

– أنا؟ 

- باعترافك.. لقد سجلنا كل شيء .. أيها الرمادي لا فائدة من الإنكار ... أنت مدان ... الأدلة دامغة 

- وهل أملك أن أحيا لأحرم غيري الحياة أو أملك أن أعمر بيتاً لأسعي لهدمه؟ 

- وأنت رمادي وتريد أن تغير في الخلق السوي 

- .............. 

- الأدلة دامغة. 

ورفع أحدهم ورقة في وجهه 

– هذه رسالة من صديقة 

- نعم نحن نعرف .. وأخذ يقرأ : كان لابد ان أدعك تمارس ذلك الأسلوب الرمادي في القرارات لكنني الآن اقول لك انه سيأتي حتى ولو كنت لا أحس بذلك. أقول هذا حتى لا تحس بالذنب وتفضل البقاء في ظل الرمادي و ...... 

أخذت الدموع تنهمر من عينيه وذكرى الأمس تعزله تماما عن هذه الجموع وتعجب الناس عندما رأوا الدموع تنحدر من عينيه ... هل يبكي الرجال الرماديون؟! هل يحسون بوجع مثلما يحس الناس ، أو يحبون ويكرهون مثل جميع خلق الله؟

وما حدث للمدينة ليلة أمس هو لأمر عجيب! فقد سهرت في التقاط الإذاعات المحلية والعالمية وليس أمر التقاطها الإذاعات عجيباً ، ولكن العجيب هو ما سمعت. لقد سمعت كلاماً عجيباً يُردَّدُ  ... حقوق الإنسان هيومان رايتس .... العنصرية .. علم الأجناس .. بيض، سود، صفر و هنود حمر وسائر الألوان ... حق تقرير اللون ... سمعت كلاماً عجيباً عن العلوم؟! أتجرُّ محاكمة رجل كل هذا الكلام؟ وتساءلت عن القانون الذي يحاكم رجالاً حمراً وزرقاً ورماديين! وضحكت، لأنها أمست محل اهتمام قبائل عالمية كبرى وليس فقط القبائل الرعوية المحيطة بها.

والرجل الرمادي مازال يتذكر ما كان في التحقيق معه 

– ليس هذا فقط ، بل الدليل على تآمرك وعلى ما تنسجه من شباك قاطع 

– أي تآمر تريد صبغ العلاقات البشرية السوية باللون الرمادي وتنسج الشباك العنكبوتية لذلك 

– كيف؟ 

– اسكت واسمع ... رسالة أخرى من الصديقة ... ها ها ها .. اسمع: لقد منحتك حق تقرير المصير متناسية ما سيحيق بي لو أن القرار جاء مغايراً لما تتوق نفسي ، بل كنت أثق تماماً انه سيكون كذلك ، لكنه كان سيسعدني لأنك قد قررت ... لماذا لم تقرر ؟ 

- .... 

- ما علينا ... لكن وكم أسفت لذلك! عدت الى أسلوبك العنكبوتي ... الالتفاف حول دائرة كبيرة القطر ومحاولة محاصرة الهدف من مسافات بعيدة 

– ألا تخجل من نفسك؟ هذه رسالة خاصة ولطمه أحدهم في وجهه حتى سقط على الارض 

- أحبا تعني؟ أنت لا تعرف الحب وهذه شفرة ... للأسف كانت الصديقة ماهرة في إخفاء رسائلك وإلا لسهل علينا حل الشفرة ... ماذا كتبت لها؟ 

- لا أذكر 

- لا تعرف الحب ولا تذكر 

- أتعرفه أنت؟ غضبوا عليه فأوسعوه ركلاً وهو ساقط على الارض 

- هل فيه من رمق؟ سأل المحقق 

- مازال يتنفس جنابك . حسن اسمع هذا التسجيل وأدار جهاز التسجيل: 

- لم تبق في روح حتى أحيا وأحب. أوقف الجهاز 

- قتلتها اذن لابد أنها كشفت أمرك أو ضالعة فيه أيضاً وأدار الجهاز مرة أخري 

- لست أنا ثم لماذا تهولين الأمر؟ 

- لقد قتلت كل معنى جميل في نفسي كما قتلته في نفسك لقد قتلتني 

- ليس الأمر كما تظنين بهذه القسوة رغم أن القسوة تحيطنا من كل جانب ... قدر أن تتفرع بنا الطرق والقرار أتانا من الخارج .. من خارج أنفسنا ... والتأشيرة؟ 

- أصبحت أكبر من أن أفوز بها ... 

- ها قد سمعت .. من الخارج ؟ أدلة الإتهام وافية ... أنت ... متهم بأنك رمادي اللون والعقل والروح ووراءك يد أجنبية تخطط وتقرر لك ـ ها ها انظروا من يتهم من؟ هي تهمة لا أنكرها ، لكن التهمة ترد لمن يتهم ... لقد سُلِبتُ القرار 

- اسكت يا نذل .. لقد انتظرت الصديقة منك قراراً 

– كنت قد قررت 

– لم تنطق به ليس في أشرطة التسجيل شئ من هذا ـ ما اعتدت الإعلان عما بنفسي بصوت عال 

- متى تعتاد؟ 

- أنت من يقول ذلك 

– ما هو القرار الذي كانت تنتظره؟ 

- هذا أمر يخصني .. 

تطلع اليهم ... ينتظر تقرير مصيره التفت ناحية النافذة وأخذ يتأمل المدينة الهادئة، التي انقلبت رأسا على عقب لأن رجلاً أحب وفجأة تذكر أنه لابد أن ينهي حبه ولنقل يقتله أو يقتل نفسه أو يقتل من يحب لا فرق، ثم نظر بقسوة الى لون جلده الشاذ الذي يقرر اليوم مصيره ... لا يذكر هل كان هذا لونه منذ الولادة أم انقلب بعد ذلك.لقد أعطته حق التقرير فقرر لكن رماديته طغت، فنطقت هي بما يجب ان يكون ... هل ينطقون اليوم بالحكم الذي حكم به على نفسه؟ ليست هي لعبة الروليت الروسية الرهيبة ولا بكاراه. هي معركة لم يختر موقعها لكن خسارته انتصار.. هل يتصورون ذلك؟ أرسل نظرة بعيدة الى ما وراء المدينة ... كان طليقاً وغير طليق ... تتحرك قدماه ويداه ، يتحرك لسانه لكن الى أين .. يتحرك لسانه ولا ينطق كأنه في بابل في عصر بلبلة الألسنة .. ألم تكن أرض الله واسعة فيهاجر فيها؟ تلك أماني تتوهج في النفس ثم لا تلبث أن تتحول الى رماد كانت نفسه هادئة مثل هذه المدينة ثم أصبحت فجأة تموج بالمشاعر. ود لو يختطف منهم ورقة يكتب عليها رسالة ... لم يفعل ، فربما أصبحت دليلاً أو اعترافاً صريحاً برماديته ...  أهكذا يحرص على الحياة؟ كانت المشاعر تمور في نفسه والأرض ترتج تحت وقع أقدام الناس الذين يمنون أنفسهم بمشاهدة هذا المخلوق العجيب، فقد شاهدوا مخلوقات كثيرة حتى الشياطين وأبا لمبة والبعاتي لكنهم لم يشاهدوا رجلاً من بينهم انقلب لونه الى الرمادي ..

المدينة تتناقل همسات في قلب الضوضاء ... كان يقيم هنا منذ زمن بعيد .. يقال إنه خطير ... أهو من آكلي البشر؟

- هل فيه من رمق؟ 

- مازال يتنفس جنابك 

– أنت . أجب هل أنت الرجل الرمادي؟ 

- ماذا ترون؟ 

- نحن نراك رمادياً لكن لابد من اعترافك لنسجله ... يريد الناس رأسك 

- هل يقولون مايريدون؟ 

- وقح!

صفارات سيارات الرجال المهمين تسمع في كل أرجاء المدينة ولا يفسح لها إلا بمقدار ما تسير بسرعة لا تتعدى سرعة عربة يجرها حمار. وبين الفينة والفينة يخرج صحفي من وسط الجموع ليحادث رجلاً مهماً 

– ما هي توقعاتكم؟ كيف ظهر الرجل الرمادي؟ أين ظفرتم به؟ 

يحاول رجال الأمن إبعاد الصحفيين. يفلحون مع بعضهم ويفشلون مع الآخرين. 

- لماذا لم نسمع بهذا الرجل الخطير؟ لماذا لم تتم توعية السكان؟ 

– هل صحيح أنه أحب امراة وأحبته وقتلها لأنه عجز عن اتخاذ القرار بالزواج أو الفراق؟ أم أنه كما جاء في الأنباء رجل رمادي يتلوّن لأغراض جاسوسية؟ لقد صرح لصحيفتي بأنه قد قتل الحب. هل يدان وبأي قانون؟ 

- بعثة التلفزيون 

- الإذاعة المحلية 

- الإذاعة الإتحادية ...

ضرب رجال الأمن اثنين من الجالسين أمام حانوت في سوق المدينة لأن أحدهم كان يقول: 

- لقد سمعت أنه حوكم في مكان ما في الخلاء و قد أُعدم ... صحيح؟ 

- وكيف عرفت؟

- سمعت من ثقات أن المحكمة قد انعقدت في مكان أٌعد لمثل هذه الأحوال لأن الأمن غير مستتب ... قيل إن هذا المكان معد منذ أن كان الانجليز في هذا البلد ... 

- بالله! 

وغير بعيد منهما كان أحدهم ينصت للمذياع: "ولم تُعقد المحكمة نسبة لازدحام الطرق مما أعاق هيئة المحكمة  في الوصول وتقول المصادر إن الجماهير الغاضبة كانت قد ملأت الطرق، ونقلاً عن وكالة الأنباء المحلية التي قالت إن المحكمة قد تعقد في مكان آخر نظراً لأن الأمن غير مستتب ..."

لم ينتبه الناس السائرون الى دار المحكمة لهذا الخبر كما لم ينتبهوا الى ان رجلاً كان يدفع الناس مذعوراً يحاول جاهداً أن يفتح له منفذاً ليتسلل ويطلق الساقين للريح ، فقد رآهم جميعاً رماديين.

الابيض ۱۹۹۷

من #مجموعة_رجال_مجنحون 

#أشرف_مبارك_أحمد_صالح 

#سيرة_الإنسان_حين_يصارع_الأوغاد

ندبة فوق الحاجب الأيسر بقلم : مناف كاظم محسن العراق

ندبة فوق الحاجب الأيسر
بقلم  
مناف كاظم محسن

لم يفهم شيئاً على الاطلاق. لكنه انتبه أخيراً، عندما ارتفع صوت القطار عالياً فرأى نفسه مع قليل من المسافرين في رحلة غريبة، رحلة البحث عن أبيه المفقود، الذي ذهب في يومٍ من الأيام إلى إحدى جبهات القتال، ولم يعد. أغمض عينيه تاركاً انفعالاته وتوتراته النفسية تتلاشى تدريجياً. أرتفع صوت أحد المسافرين الجالس قريبا من مقعده، يتحدث عن متاعب الحياة وقسوتها، شارك في الحديث بعض المسافرين الآخرين في العربة، لكنه رغم ذلك بقي صامتاً ولم يفكر أن ينطق كلمة واحدة.

      لم ينس بكاء أمه وهي تودعه. كانت تريده أن يبقى معها، أن يترك هذه الفكرة الغريبة التي سيطرت عليه خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، منذ أن سمع من إحدى المنظمات الإنسانية بأن مهمتهم التحري والبحث عن الجنود الذين فُقدوا في حرب الخليج. لقد أخبرته أن قلبها ينقبض كلّما فكرت برحيله بعيداً عنها، ولا تشعر بالاطمئنان من هذه الرحلة المشؤومة وغير المجدية.

        كلّما فكّر بأمه يعتصر قلبه ويشعر بحزن شديد. مرات عديد يسأل نفسه، كيف استطاعت أن تتحمل ألم الفراق، كيف أمكنها أن تعيش أياماً ولياليَ طويلة، تؤنس وحدتها مع صورة معلقة على جدار الغرفة، بهتت الوانها وتلاشى بريقها. تعكس وجه جندي بملابسه العسكرية، تعلُو حاجبه الأيسر ندبةٌ، يحاول أن يبتسم للكاميرا لكن أمراً ما جعل ابتسامته تعكس حزناً عميقاً.

      (هناك ماضٍ يلاحقني، ليس حلماً، يتدفق ويتلاشى، أحداثٌ لم أعشها، لكنها خلّفت جرحاً عميقاً لا يندمل. أيامٌ وليالٍ ألعن نفسي، أنهار داخل حيرتي، أتذكرك. أنت الذي خطفك الزمن بعيداً عنا، أتخيلك مبتسماً تلك الابتسامة التي تلاحقني أينما ذهبت، تملأُ أعماق روحي بالراحةِ والسكينة).

       أدار رأسه باتجاه النافذة مراقباً ظلال الأشجار التي تبدو كالهياكل البشرية المفزوعة، وتذكر حينما قال لصديقه في إحدى ليالي الشتاء الباردة بعد أن شاهدا تحقيقاً عن دمار الحروب وتأثيراتها (أصعب أنواع الفقد يا صديقي، عندما تعرف أن أباك على قيد الحياة، ولكنه غائب، تاركاً خلفه هيبته التي تلامس القلب، وصمتاً لا يزول أبداً).

     أحس بارتباك مفاجئ، خفض نظره. وحاول أن يتحاشى النظر الى الرجل المسن الذي صعد من المحطة الأولى، حين وقف القطار برهة من الزمن. جلس الرجل في المقعد الذي أمامه بعد أن وضع حقيبته القديمة على رف الأمتعة. رغم التجاعيد التي تعكس التعب والمرض على وجه الرجل المسن، إلّا أنه شديدُ الشبهِ بصورة أبيه. مما جعل ضربات قلبه تتسارع شاعراً بصداع قوي في رأسه.

     دقق النظر أكثر بحثاً عن الندبة التي تعلو الحاجب الأيّسر، نعم، حتى الندبة واضحةٌ تماماً. لم يتمالك نفسه، اشتد شحوب وجهه وهو ينهض من مكانه. (أريد أن أركض في الشوارع حتى تنهار قوتي. وأبكي في حضنك لوحدي دون أن يعلم أحد لماذا. ونضحك معاً حتى أنسي كلَّ آلامي وأحزاني). كان يريد أن يصرخ بصوت يصل صداه الى سابع سماء ..... ابي. لكنه لم يستطع، أغلق فمه في اللحظة الأخيرة، ولم ينطقها. ارتمى على مقعده بعد أن ثقلت أنفاسه، وتسارعت ضربات قلبه.

      تلاقت نظراتهم في لحظةٍ خاطفة. لكن هذه اللحظة لم تمر أو تتلاشى في العدم، دون أن تحفز الذكريات القديمة في الرجل المسن. لقد أيقظت في نفسه كل الأحداث الماضية التي نسيها، منذ أن ترك أمه قبل خمسين سنة، ورحل تلك الرحلة المشؤومة مثلما أخبرته أمه، بحثاً عن أبيه الذي فُقد في الحرب. (يا ألهي لقد سرقت السنين عمري دون أن أشعر. صرت عجوزاً يتوكأ على عصاه، في السبعين من عمري، هدني المرض ولا زلت أبحث عنك يا أبي. أمضيت سنين طويلة في القطارات، وحيداً اتنقل من عربة الى عربة، لا أعرف جواباً عن سؤالي، الذي صار مرآة لحياتي الماضية والقادمة. لماذا لم أجدك يا أبي؟ لماذا لم أجدك؟).

     (إلى كل أبٍ رحل أو غاب قسرًا، هناك طفلٌ ينتظر أباً لم يرهُ يومًا. كلنا نعرف كيف يولد الأطفال، لكن هل نعرف حقًا كيف صار الآباء آباء؟) تذكر حينما قال لصديقه قبل خمسين سنة، عندما كان شاباً، منتفضاً يرفض أن يبقى ضائعاً بلا أبٍ يرشده إلى الطريق المستقيم.

     (هذا الشاب الجالس أمامي يشبهني تماماً. حتى ندبته فوق الحاجب الأيسر هي ندبتي. كأنني أتجوّل في حلم يولد من حلم، بينما أمضيت عمري في عربات القطار). فكّر الرجل المسن وهو يحدق مذهولاً بوجه الشاب الجالس أمامه. شعر بأنه أمام مرآة سحرية، تعكس صورته شاباً. كأنها تمحي أثر الخمسين سنة التي أمضاها بحثا عن أبيه المفقود.

     أندهش من نظرات الرجل المسن، والتي تعكس الكثير من التساؤلات والحيرة. لكنه في لحظة خاطفة، خيّل له أنّه أمام مرآة سحرية، تعكس صورته عجوزاً تجاوز السبعين سنة. لم يشعرا كم استغرقا من الوقت، يتأمل أحدهما الآخر. كلاهما يحمل بداخله قصة يرويها، لكنهما بقيا صامتين.

 

مناف كاظم محسن

27 / كانون الثاني / 2026

الخميس، 29 يناير 2026

ثلاثية ملاحم بقلم : نزار الحاج علي - سورية

 

ثلاثية ملاحم

بقلم 
نزار الحاج علي
سورية
أُلفة
تشعر أنّ أحدهم يراقبك باستمرار، قد يبدو لك الأمر غريباً في البداية؛ تطفئ الأنوار حتى لا يراك أحد، لكن يراودك إحساسٌ بأن أحدهم ما زال مستيقظاً في داخلك.
عندما تنهض من السرير، وقبل أن تغادر، تودّع الذئب الذي كان يتجول معك ليلة البارحة.
عند الصباح
تتناول جرعتك اليومية من " لا يهمّ، ليست مشكلةً " ثمّ تنطلق مثل سهم.
وها أنت ذا ودون أن تلتفت، تقتنص زهرة عجيبة لا ينظرُ إليها أحد.
تتسائل بينك وبين نفسك:
_هل سأجدني هناك؟ فتبدأ بقطف البتلات.
وقبل أن تسقطها في منتصف الطريق، يصدر منها أصوات ضحكات أطفال، وبكاء عبيد، وعواء ذئاب...إنها مثلنا...عندما لا يراها أحد.
عند اكتمال القمر
تسقط في غرفة مليئة بالمرايا، تتأكد عندها من ألاف العيون التي تراقبك؛ تكتشف أنك محبوس خارج شرنقة... ترجع رأسك للوراء ثم تضغط على الدوّاسة، تراقب إسفلت الطريق، و إشارات المرور، حقول الألغام، نشرات الأخبار و أصوات الباعة المتجولين، ضحكات العاهرات..أنت الآن في الخارج، وأنت من لديك المفاتيح...تطفئ الأنوار...تغمض عينيك...ثم تبدأ بالعواء.

نافذة نحو الانزواء بقلم هيثم العوادي - العراق

 نافذة نحو الانزواء

بقلم

هيثم العوادي - العراق

وحيدًا أسكب همي فوق حفيف الخطوات، أتنفس عطر الماضي القادم من رحيق الذكريات، ولا شيء يطفئ جذوة حناني غير ذلك الرصيف، أهرب إليه مصطحبًا رفيق وحدتي، الذي يحبني ليخفف أحزاني وينفس عني همومي، مع أنه يرافقني دومًا، إلا أنه قليل الكلام، متجهم الوجه، لا يذكرني سوى بالمصائب.
صعب أن تتعلق بالماضي، ويكون الحبل الوحيد الذي ينقذك من بئر مخاوفك هو نفسه حبل المشنقة التي تتأرجح منها أحلامك الضائعة، مددت يدي نحو ذلك السراب، محاولًا لمس الحقيقة المتسربلة بين طيات الضياع، لكنَّ محراث الماضي خط تجاعيده المحفورة على روحي الهرمة.
قال لي صاحبي:
- يا حميد، أَلستَ من رفض الزواج بعدما قضى على حبيبتك ذلك المرض اللعين؟ كانت تتمناك كل نساء القرية، عيونك الخضراء تجذب أجمل الأقمار، وتستدرج الحب نحو شمائلك المورقة، بإمكانك أن تصطادهن قبل أن يقطعن أيديهن من جمال لحاظك، لكنك ضحكت من خفة عقولهن، وفضلت ذكرى جدث امرأة في رأسك، على كل هذا الحب.
أنا أعذرك فأنت لم ترها، كانت آخر نظراتي لها لما دخلت إلى ذلك المكان الذي يغسل فيه الموتى، رفض الجميع وحاولوا منعي بالقوة، رفعت سلاحي في وجوههم، لقد كنت مصممًا على الموت إن منعوني من رؤيتها، دخلت رغمًا عن أنوفهم، كانت مسجاة على دكة إسمنتية، يقطر الماء من جسدها، وتلتف حولها النسوة اللاتي بادرن بتغطية جسدها بعباءتهن، لا أدري كيف أصفها، حتى في تلك الحالة كانت نائمة كالملاك، زغب أبيض يتوهج من بين ضفيرتيها الذهبيتين، ذلك الجبين الوضاء والعينان الناعستان، حتى وهي على تلك الدكة، أحسست بأنها سوف تطير لتعانقني، وقلبها سوف يخفق لي مرة أخرى، لكنها ظلت جامدة دون حراك، ماذا أفعل؟ قل لي ماذا يفعل حميد مع هذا الشقاء؟.
داهمني الجوع، أخرجت رغيفين وقطعة جبن، صمت صديقي، الذي أفهمته فيما مضى، إن لم تسعفك الكلمات ولا تستطع أن تعبر عما يجيش بداخلك، شاركني في الأكل على الأقل، حتى أشعر أن هنالك من يهتم بي، تناول رغيفًا ووضعه على ركبته، وأكل بشراهة حتى أيقنت أنه سيأتي على كل شيء، واكتفيت بالنظر إليه.
تركته يأكل وأخذت أعوم في ذلك الفراغ، شارف عمري على الستين عامًا، والشيب المزروع بين ضفتي ذلك الفرق في شعر رأسي جرس إنذار لأيامي التي قرضها الدهر كما يقرض الجرذ ملابسي.
وصل الأمر ذروته! في الأسبوع المقبل سيقام العرس، والتحضيرات على قدم وساق، في خضم تلك الفرحة العارمة، نشب خلاف بين عمي ووالدها، حين عبرت مواشي عمي على أرضهم، بين أخذ ورد وجذب، حصل خلاف بين العائلتين، كل شيء انتهى، رفض أبي هذه الزيجة، فالموضوع يتعلق بكرامة العشيرة:
-لا زواج من هذه الفتاة!.
قبل يومين من موعد الزفاف أقنعت الجميع ووسّطتُ شيخ عشيرتنا لحل الخلاف، ساد السلام بعض الوقت حينها وتصالح الجميع، لكنَّ الحظ العاثر! دائمًا يسبقني بخطوة، كيف يكون عاثرًا ويسبق الجميع، لا أدري؟
في ليلة الزفاف وغمرة تلك الفرحة، صوت إطلاقات نار كسرت بهجتها:
-ابن عمك أطلق النار على والدي!
هذا ما قالته عروسي.
لم يمت أبوها، كان جرحًا بسيطًا، إلا أن الزواج مات في تلك الليلة، ولم أرها بعد ذلك إلا وهي جثة هامدة على دكة المغتسل، حينها كانت سليمة معافاة، ولولا تلك المشاكل، على الأقل لأنجبت لي ولدًا أو بنتًا تؤنسني في وحشتي، وتنعش ذاكرة العشق كلما رأيت عينيها، أفضل من العيش في بيت أخي، الذين ما عادوا يطيقون وجودي.
عاد رفيقي ولا أدري من أين خرج هذه المرة قال لي:
-حظك سيء يا حميد.
قبل أن أجيبه سمعت صوت ابن أخي:
-عمي إن أبي يبحث عنك، لماذا تجلس وحيدًا وتأكل على هذا الرصيف؟
تجاهلته والتفت إلى رفيقي الذي يبدو أن لا أحد يراه غيري:
-لا عليك، قم معي يا حميد!.
هيثم العوادي

جد مرجع بقلم: ماهر اللطيف

قد تكون صورة ‏‏شخص أو أكثر‏ و‏تحتوي على النص '‏چد جدمرجع 50 بقلم ماهر اللطيف‏'‏‏

 

جد مرجع

بقلم:   ماهر اللطيف 

ارتمى حفيدي في حضني باكياً بحرقة ظهر هذا اليوم بعد اجتيازه مناظرة انتداب في فرع شركة عالمية، بللني بدموعه التي كانت تسقيني وملابسي وهو يصدر حشرجة وصوتاً متقطعاً:
كالعادة يا جدي، لم يقع انتدابي.
(مربتاً على ظهره بلين) لا تقلق بني. اصبر فالصبر مفتاح الفرج، لا تقنط من رحمة الله.
(وقد تضاعف البكاء) ونعم بالله. صبرت كثيراً يا جدي والعمر يتقدم بي دون جدوى.
(مقبلاً جبينه) استغفر الله بني وتمهل، سيأتيك قسمك في وقته إن شاء الله.
تواصل الحوار بيننا سجالاً، يشتكي ويندب حظه وأنا أحاول تهدئته وتحفيزه، دغدغة وازعه الديني وشحذ إيمانه، يلعن أقداره وسوء طالعه، أذكره بأن بعد العسر يسراً، يلبس رداء اليأس والقنوط والخنوع، وأنا أستنجِد بذاكرتي وسجل تاريخ عائلتي المليء بمثل هذه الحوادث حتى ابتسمت وأمرته بأن يجلس أمامي وينتبه لقولي.
ما إن فعل حتى أعلمته إنني أحضر تقريباً نفس حكاية "المولدي" والده الذي عانده القدر منذ حصوله على شهادته الجامعية حتى شارف على سن الثلاثين، قدم عشرات الملفات للمؤسسات الحكومية والخاصة، اجتاز عدة مناظرات واختبارات، لكنه وُجه بالرفض حتى كاد يستسلم. مرض نفسياً وفكر في الهجرة، وفعلًا بدأ يبحث عن طريقة لركوب البحر نحو الغرب، حتى ترشح لإجراء مناظرة انتداب في فرع شركة عالمية هنا.
مع ذلك، كان المولدي يائساً وغير عابئ بنتيجة هذا الاختبار حتى وهو في طريقه لذلك يوم الحسم، فلم يلبس لباساً لائقاً، ولم يجهز نفسه على جميع الأوجه كالعادة، كان يستهزئ من نفسه ويعلن عن رفضه لهذه الوظيفة بدلاً من المسؤول الذي سينطق بذلك.
دخل الشركة فوجد عشرات المتناظرين يصطفون وينتظرون ساعة الحسم، كل يمني النفس بالفوز ونيل المركز الوحيد المتناظر عليه إلا المولدي الذي كان يستهزئ بهم حتى كاد أن يتعرض للضرب من طرف بعض الشبان الذين لم يعجبهم تصرف المولدي.
غير أن أعضاء لجنة التحكيم تعمدوا وضع أوراق نقدية أمام باب قاعة الامتحان قبالة كاميرات المراقبة حينا، وخواتم ومجوهرات ثمينة حينا آخر، ليقيموا أمانة وثقة الممتحنين، وهو جزء من الامتحان الشفوي.
غير أن جميعهم سقطوا في فخ الأنانية، حب المال، إشباع الغرائز وغيرها، ومن بينهم المولدي الذي اندهش لرؤية ورقة نقدية من فئة خمسين دينار، التفت يمنة ويسرة وقلبه يخفق بقوة، تقدم خطوة وهو متردد، ثم تظاهر بتفقد خيوط حذائه وأخذ الورقة دون تردد، وضعها في جيب سرواله، ودخل فوقع طرده شر طردة إثر جلوسه أمام اللجنة دون إذن، والتحدث بسخرية، وعدم احترام الناس وعدم الاعتراف بما اقترفه من ذنب أمام الباب حتى وقع عرض المشهد الذي سجلته الكاميرا خارجاً...
بيد أن عبد الحليم (حفيدي) يتميز عن والده المولدي - الذي هاجر حينها خلسة إلى إيطاليا وتعذب عذاباً شديداً حتى تحصل على عمل وكون نفسه يوماً بعد يوم إلى أن تزوج وأنجب أطفاله هناك - أنه طموح، مؤمن إيماناً شديداً بأن بعد العسر يسراً...
وبقيت كذلك، أنفخ في صورته من خلال فشل والده إلى أن هدأ، ابتسم، استرجع توازنه، قبلني من يدي، جبيني ثم خدي وهو يقول "لن أخذلك أيها العجوز، سأصنع من ضعفي قوة، ومن يأسي أملاً، سأهدي نجاحي المتوقع بإذن الله إلى روح والدي الذي غادرنا منذ سنوات وهو في المهجر..."
قد تكون صورة ‏‏شخص أو أكثر‏ و‏تحتوي على النص '‏چد جدمرجع 50 بقلم ماهر اللطيف‏'‏‏

كل التفاعلات:
٢

مشاركات الأعضاء

شِلة قبضين ( عامية مصرية ) كلمات : متولي بصل

    شِلة قبضين   ( عامية مصرية )   كلمات : متولي بصل ******* شالوا الطَبَقْ حَطُّوا الطبقْ فاضي ما فيه حتى مَرَقْ ! دول شِلة الجهل...

المشاركات الشائعة