Translate

السبت، 31 يناير 2026

ندبة فوق الحاجب الأيسر بقلم : مناف كاظم محسن العراق

ندبة فوق الحاجب الأيسر
بقلم  
مناف كاظم محسن

لم يفهم شيئاً على الاطلاق. لكنه انتبه أخيراً، عندما ارتفع صوت القطار عالياً فرأى نفسه مع قليل من المسافرين في رحلة غريبة، رحلة البحث عن أبيه المفقود، الذي ذهب في يومٍ من الأيام إلى إحدى جبهات القتال، ولم يعد. أغمض عينيه تاركاً انفعالاته وتوتراته النفسية تتلاشى تدريجياً. أرتفع صوت أحد المسافرين الجالس قريبا من مقعده، يتحدث عن متاعب الحياة وقسوتها، شارك في الحديث بعض المسافرين الآخرين في العربة، لكنه رغم ذلك بقي صامتاً ولم يفكر أن ينطق كلمة واحدة.

      لم ينس بكاء أمه وهي تودعه. كانت تريده أن يبقى معها، أن يترك هذه الفكرة الغريبة التي سيطرت عليه خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، منذ أن سمع من إحدى المنظمات الإنسانية بأن مهمتهم التحري والبحث عن الجنود الذين فُقدوا في حرب الخليج. لقد أخبرته أن قلبها ينقبض كلّما فكرت برحيله بعيداً عنها، ولا تشعر بالاطمئنان من هذه الرحلة المشؤومة وغير المجدية.

        كلّما فكّر بأمه يعتصر قلبه ويشعر بحزن شديد. مرات عديد يسأل نفسه، كيف استطاعت أن تتحمل ألم الفراق، كيف أمكنها أن تعيش أياماً ولياليَ طويلة، تؤنس وحدتها مع صورة معلقة على جدار الغرفة، بهتت الوانها وتلاشى بريقها. تعكس وجه جندي بملابسه العسكرية، تعلُو حاجبه الأيسر ندبةٌ، يحاول أن يبتسم للكاميرا لكن أمراً ما جعل ابتسامته تعكس حزناً عميقاً.

      (هناك ماضٍ يلاحقني، ليس حلماً، يتدفق ويتلاشى، أحداثٌ لم أعشها، لكنها خلّفت جرحاً عميقاً لا يندمل. أيامٌ وليالٍ ألعن نفسي، أنهار داخل حيرتي، أتذكرك. أنت الذي خطفك الزمن بعيداً عنا، أتخيلك مبتسماً تلك الابتسامة التي تلاحقني أينما ذهبت، تملأُ أعماق روحي بالراحةِ والسكينة).

       أدار رأسه باتجاه النافذة مراقباً ظلال الأشجار التي تبدو كالهياكل البشرية المفزوعة، وتذكر حينما قال لصديقه في إحدى ليالي الشتاء الباردة بعد أن شاهدا تحقيقاً عن دمار الحروب وتأثيراتها (أصعب أنواع الفقد يا صديقي، عندما تعرف أن أباك على قيد الحياة، ولكنه غائب، تاركاً خلفه هيبته التي تلامس القلب، وصمتاً لا يزول أبداً).

     أحس بارتباك مفاجئ، خفض نظره. وحاول أن يتحاشى النظر الى الرجل المسن الذي صعد من المحطة الأولى، حين وقف القطار برهة من الزمن. جلس الرجل في المقعد الذي أمامه بعد أن وضع حقيبته القديمة على رف الأمتعة. رغم التجاعيد التي تعكس التعب والمرض على وجه الرجل المسن، إلّا أنه شديدُ الشبهِ بصورة أبيه. مما جعل ضربات قلبه تتسارع شاعراً بصداع قوي في رأسه.

     دقق النظر أكثر بحثاً عن الندبة التي تعلو الحاجب الأيّسر، نعم، حتى الندبة واضحةٌ تماماً. لم يتمالك نفسه، اشتد شحوب وجهه وهو ينهض من مكانه. (أريد أن أركض في الشوارع حتى تنهار قوتي. وأبكي في حضنك لوحدي دون أن يعلم أحد لماذا. ونضحك معاً حتى أنسي كلَّ آلامي وأحزاني). كان يريد أن يصرخ بصوت يصل صداه الى سابع سماء ..... ابي. لكنه لم يستطع، أغلق فمه في اللحظة الأخيرة، ولم ينطقها. ارتمى على مقعده بعد أن ثقلت أنفاسه، وتسارعت ضربات قلبه.

      تلاقت نظراتهم في لحظةٍ خاطفة. لكن هذه اللحظة لم تمر أو تتلاشى في العدم، دون أن تحفز الذكريات القديمة في الرجل المسن. لقد أيقظت في نفسه كل الأحداث الماضية التي نسيها، منذ أن ترك أمه قبل خمسين سنة، ورحل تلك الرحلة المشؤومة مثلما أخبرته أمه، بحثاً عن أبيه الذي فُقد في الحرب. (يا ألهي لقد سرقت السنين عمري دون أن أشعر. صرت عجوزاً يتوكأ على عصاه، في السبعين من عمري، هدني المرض ولا زلت أبحث عنك يا أبي. أمضيت سنين طويلة في القطارات، وحيداً اتنقل من عربة الى عربة، لا أعرف جواباً عن سؤالي، الذي صار مرآة لحياتي الماضية والقادمة. لماذا لم أجدك يا أبي؟ لماذا لم أجدك؟).

     (إلى كل أبٍ رحل أو غاب قسرًا، هناك طفلٌ ينتظر أباً لم يرهُ يومًا. كلنا نعرف كيف يولد الأطفال، لكن هل نعرف حقًا كيف صار الآباء آباء؟) تذكر حينما قال لصديقه قبل خمسين سنة، عندما كان شاباً، منتفضاً يرفض أن يبقى ضائعاً بلا أبٍ يرشده إلى الطريق المستقيم.

     (هذا الشاب الجالس أمامي يشبهني تماماً. حتى ندبته فوق الحاجب الأيسر هي ندبتي. كأنني أتجوّل في حلم يولد من حلم، بينما أمضيت عمري في عربات القطار). فكّر الرجل المسن وهو يحدق مذهولاً بوجه الشاب الجالس أمامه. شعر بأنه أمام مرآة سحرية، تعكس صورته شاباً. كأنها تمحي أثر الخمسين سنة التي أمضاها بحثا عن أبيه المفقود.

     أندهش من نظرات الرجل المسن، والتي تعكس الكثير من التساؤلات والحيرة. لكنه في لحظة خاطفة، خيّل له أنّه أمام مرآة سحرية، تعكس صورته عجوزاً تجاوز السبعين سنة. لم يشعرا كم استغرقا من الوقت، يتأمل أحدهما الآخر. كلاهما يحمل بداخله قصة يرويها، لكنهما بقيا صامتين.

 

مناف كاظم محسن

27 / كانون الثاني / 2026

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركات الأعضاء

محاكمة الرجل الرمادي قصة د. أشرف مبارك أحمد صالح

محاكمة الرجل الرمادي قصة د. أشرف مبارك أحمد صالح  كانت المدينة الصغيرة تنام في أحضان تلال من الرمال، بل هي غارقة فيها، حتى شوارع...

المشاركات الشائعة