Translate

السبت، 31 يناير 2026

محاكمة الرجل الرمادي قصة د. أشرف مبارك أحمد صالح


محاكمة الرجل الرمادي
قصة

د. أشرف مبارك أحمد صالح 

كانت المدينة الصغيرة تنام في أحضان تلال من الرمال، بل هي غارقة فيها، حتى شوارعها قد نسيت لون الأسفلت الأسود، وأصبحت صفراء من الرمال ... ولهانة هي بحب الرمال والصحراء ... تعشق الألوان الباهتة ... لأقدام الرجال والنساء فيها وقع خاص ... يقتلعون أقدامهم اقتلاعاً من الرمل ويلقون بها بقوة حتى تنغرز فيه، فتراهم لذلك ينحنون الى الأمام في مشيتهم ... تكتسي المدينة في الخريف بخضرة على مد البصر - يعكرها شوك الحسكنيت والضريسة - ولكن سرعان ما تنمحي عند حلول الشتاء ليعود للأرض اصفرارها.

يمر بها البدو في نهاية الخريف، وهم راحلون الى الشمال فيجعلون لها مذاقاً خاصاً ... ألوان ثيابهم وإبلهم تعيد للأذهان ألوان أيام ما قبل الخريف.

مدينة صغيرة يغلفها الهدوء ... أحيانا و في فصل الخريف ينطلق الرعد مثل رمية سهم تخترق قلب الهدوء الذي لا يلبث أن يستعيد عافيته، ولكأنه بروميثيوس حين ينهش النسر كبده .... ينهض الهدوء سريعاً ليعم أرجاء المدينة ... هذا باختصار عن هذه المدينة الوديعة التي كانت لحناً هادئاً في وسط الصحراء العاصفة ، والتي تربض في قلب هذا البلد الجميل جمال هدوئها والوديع وداعة سكانها ...

يزور هذه المدينة البدو فلا يعكر صفو هدوئها جلبتهم وصياحهم ، بل ويندغمان في إيقاعها البطئ ، دونما يفقد البدو طبيعتهم أو تفقد المدينة طبيعتها. كم يفرح السكان لقدومهم في هذا الوقت تمتلئ الأسواق بالألبان ومنتجاتها، وتنخفض أسعارها.

وتزورها الوفود الحكومية ، لتنطلق السيارات في كل ناحية وتسمع صفارات سياراتهم وأبواقها في كل أرجائها ، وتعج دروبها بقوات الأمن والشرطة والجيش والصحفيين والمواكب المصاحبة لمثل هذه المناسبات ، فهل يقلق ذلك ما ألِفَتْ من هدوء؟ كلا، فالسكان لا يأبهون بها وكأنما حياتهم وهذه الضوضاء تسيران في زمنين متوزايين وبينهما برزخ لا يلتقيان ...

كل ذلك كان حتى صباح هذا اليوم، فقد أصبحت كالذي يتخبطه الشيطان من المس، وامتلأت بالصحفيين والأجانب والرجال المهمين ... ماذا حدث؟ قيل قد ظهر فيها رجل رمادي ... أرتال من السيارات تخرج من بيوت الضيافة ومن الفندق الوحيد فيها، تسير الى حيث يوجد الرجل الرمادي ... هل بقي السكان كعادتهم في الزمن الموازي؟ كلا، فاليوم سيحاكم رجلاُ منهم قيل إنه رمادي ... ضحكت المدينة وهي تقول: عجباً! انظروا من يحاكمه!

وفي مكان ما كان الرجل الرمادي قابعاً خلف قضبان .. تتدافع الجموع نحوه ، كل يحاول الوصول لكي يروي الفضول برؤيته .. كان في قفصه مثل حيوان في حديقة الحيوان ينظر اليهم ودموع تترقرق في عينيه وتنحدر على خديه، ثم تسقط الى الأسفل مثل قطرات ماء تسقط من صنبور انقطعت منه المياه فصار يسقط الماء قطرات ثم يتبعها بصوت كالشخير .... قال الضابط للجمع المحيط بالمكان قبل أن يدخلوا: ليس الرمادي هنا. فقالوا له و هم لا يطيقون الإنتظار : والله لا نصدقنك. لم يعتادوا أن يكونوا وهذه الأحداث في زمن واحد. فقال لهم الضابط فاختاروا اثنين منكم إذن ليدخلوا وكان قد أضمر إبعادهم بالحيلة. ودخل اثنان كان الضابط قد أقنعهما بالكذب على الناس على أن يفوزا برؤية الرمادي، لكن الناس قالوا لهما والله لا نؤمن لكما حتى نرى ذلك بأعيننا وتدافعوا. قالت طفلة صغيرة لأمها أمي ارفعيني الى الأعلى ... أمي أريد أن أراه .... ابتسم الرمادي بمرارة لكنه ضحك عندما قالت لأمها ما الغريب فيه يا أمي؟ إنه يشبه والدي. انتهرتها الأم يا بنت! لم يكن أبوك رمادياً .. ثم قالت لها بحنان اعطه مما عندك من حب التسالي .. آه صرت قرداً ... قال الرمادي لنفسه. لم ينجح الجنود في منع الناس من الإقتراب منه أو التحدث إليه، ولم يرد عليهم، فقد كانت ليلة الأمس تشغله عنهم عندما كانت أيدي الجنود والمحققين تدفعه من يد الى أخرى 

- ما جريمتي؟ 

- تآمرت 

- أنا؟ 

- وتكلمت بما لا يليق 

– ما تفوهت بكلمة قط 

- بل تكلمت 

- في ماذا؟ 

– في كل شئ .. 

وأتته يد طائشة تصفعه 

– و قتلت نفسا بغير حق 

– أنا؟ 

- باعترافك.. لقد سجلنا كل شيء .. أيها الرمادي لا فائدة من الإنكار ... أنت مدان ... الأدلة دامغة 

- وهل أملك أن أحيا لأحرم غيري الحياة أو أملك أن أعمر بيتاً لأسعي لهدمه؟ 

- وأنت رمادي وتريد أن تغير في الخلق السوي 

- .............. 

- الأدلة دامغة. 

ورفع أحدهم ورقة في وجهه 

– هذه رسالة من صديقة 

- نعم نحن نعرف .. وأخذ يقرأ : كان لابد ان أدعك تمارس ذلك الأسلوب الرمادي في القرارات لكنني الآن اقول لك انه سيأتي حتى ولو كنت لا أحس بذلك. أقول هذا حتى لا تحس بالذنب وتفضل البقاء في ظل الرمادي و ...... 

أخذت الدموع تنهمر من عينيه وذكرى الأمس تعزله تماما عن هذه الجموع وتعجب الناس عندما رأوا الدموع تنحدر من عينيه ... هل يبكي الرجال الرماديون؟! هل يحسون بوجع مثلما يحس الناس ، أو يحبون ويكرهون مثل جميع خلق الله؟

وما حدث للمدينة ليلة أمس هو لأمر عجيب! فقد سهرت في التقاط الإذاعات المحلية والعالمية وليس أمر التقاطها الإذاعات عجيباً ، ولكن العجيب هو ما سمعت. لقد سمعت كلاماً عجيباً يُردَّدُ  ... حقوق الإنسان هيومان رايتس .... العنصرية .. علم الأجناس .. بيض، سود، صفر و هنود حمر وسائر الألوان ... حق تقرير اللون ... سمعت كلاماً عجيباً عن العلوم؟! أتجرُّ محاكمة رجل كل هذا الكلام؟ وتساءلت عن القانون الذي يحاكم رجالاً حمراً وزرقاً ورماديين! وضحكت، لأنها أمست محل اهتمام قبائل عالمية كبرى وليس فقط القبائل الرعوية المحيطة بها.

والرجل الرمادي مازال يتذكر ما كان في التحقيق معه 

– ليس هذا فقط ، بل الدليل على تآمرك وعلى ما تنسجه من شباك قاطع 

– أي تآمر تريد صبغ العلاقات البشرية السوية باللون الرمادي وتنسج الشباك العنكبوتية لذلك 

– كيف؟ 

– اسكت واسمع ... رسالة أخرى من الصديقة ... ها ها ها .. اسمع: لقد منحتك حق تقرير المصير متناسية ما سيحيق بي لو أن القرار جاء مغايراً لما تتوق نفسي ، بل كنت أثق تماماً انه سيكون كذلك ، لكنه كان سيسعدني لأنك قد قررت ... لماذا لم تقرر ؟ 

- .... 

- ما علينا ... لكن وكم أسفت لذلك! عدت الى أسلوبك العنكبوتي ... الالتفاف حول دائرة كبيرة القطر ومحاولة محاصرة الهدف من مسافات بعيدة 

– ألا تخجل من نفسك؟ هذه رسالة خاصة ولطمه أحدهم في وجهه حتى سقط على الارض 

- أحبا تعني؟ أنت لا تعرف الحب وهذه شفرة ... للأسف كانت الصديقة ماهرة في إخفاء رسائلك وإلا لسهل علينا حل الشفرة ... ماذا كتبت لها؟ 

- لا أذكر 

- لا تعرف الحب ولا تذكر 

- أتعرفه أنت؟ غضبوا عليه فأوسعوه ركلاً وهو ساقط على الارض 

- هل فيه من رمق؟ سأل المحقق 

- مازال يتنفس جنابك . حسن اسمع هذا التسجيل وأدار جهاز التسجيل: 

- لم تبق في روح حتى أحيا وأحب. أوقف الجهاز 

- قتلتها اذن لابد أنها كشفت أمرك أو ضالعة فيه أيضاً وأدار الجهاز مرة أخري 

- لست أنا ثم لماذا تهولين الأمر؟ 

- لقد قتلت كل معنى جميل في نفسي كما قتلته في نفسك لقد قتلتني 

- ليس الأمر كما تظنين بهذه القسوة رغم أن القسوة تحيطنا من كل جانب ... قدر أن تتفرع بنا الطرق والقرار أتانا من الخارج .. من خارج أنفسنا ... والتأشيرة؟ 

- أصبحت أكبر من أن أفوز بها ... 

- ها قد سمعت .. من الخارج ؟ أدلة الإتهام وافية ... أنت ... متهم بأنك رمادي اللون والعقل والروح ووراءك يد أجنبية تخطط وتقرر لك ـ ها ها انظروا من يتهم من؟ هي تهمة لا أنكرها ، لكن التهمة ترد لمن يتهم ... لقد سُلِبتُ القرار 

- اسكت يا نذل .. لقد انتظرت الصديقة منك قراراً 

– كنت قد قررت 

– لم تنطق به ليس في أشرطة التسجيل شئ من هذا ـ ما اعتدت الإعلان عما بنفسي بصوت عال 

- متى تعتاد؟ 

- أنت من يقول ذلك 

– ما هو القرار الذي كانت تنتظره؟ 

- هذا أمر يخصني .. 

تطلع اليهم ... ينتظر تقرير مصيره التفت ناحية النافذة وأخذ يتأمل المدينة الهادئة، التي انقلبت رأسا على عقب لأن رجلاً أحب وفجأة تذكر أنه لابد أن ينهي حبه ولنقل يقتله أو يقتل نفسه أو يقتل من يحب لا فرق، ثم نظر بقسوة الى لون جلده الشاذ الذي يقرر اليوم مصيره ... لا يذكر هل كان هذا لونه منذ الولادة أم انقلب بعد ذلك.لقد أعطته حق التقرير فقرر لكن رماديته طغت، فنطقت هي بما يجب ان يكون ... هل ينطقون اليوم بالحكم الذي حكم به على نفسه؟ ليست هي لعبة الروليت الروسية الرهيبة ولا بكاراه. هي معركة لم يختر موقعها لكن خسارته انتصار.. هل يتصورون ذلك؟ أرسل نظرة بعيدة الى ما وراء المدينة ... كان طليقاً وغير طليق ... تتحرك قدماه ويداه ، يتحرك لسانه لكن الى أين .. يتحرك لسانه ولا ينطق كأنه في بابل في عصر بلبلة الألسنة .. ألم تكن أرض الله واسعة فيهاجر فيها؟ تلك أماني تتوهج في النفس ثم لا تلبث أن تتحول الى رماد كانت نفسه هادئة مثل هذه المدينة ثم أصبحت فجأة تموج بالمشاعر. ود لو يختطف منهم ورقة يكتب عليها رسالة ... لم يفعل ، فربما أصبحت دليلاً أو اعترافاً صريحاً برماديته ...  أهكذا يحرص على الحياة؟ كانت المشاعر تمور في نفسه والأرض ترتج تحت وقع أقدام الناس الذين يمنون أنفسهم بمشاهدة هذا المخلوق العجيب، فقد شاهدوا مخلوقات كثيرة حتى الشياطين وأبا لمبة والبعاتي لكنهم لم يشاهدوا رجلاً من بينهم انقلب لونه الى الرمادي ..

المدينة تتناقل همسات في قلب الضوضاء ... كان يقيم هنا منذ زمن بعيد .. يقال إنه خطير ... أهو من آكلي البشر؟

- هل فيه من رمق؟ 

- مازال يتنفس جنابك 

– أنت . أجب هل أنت الرجل الرمادي؟ 

- ماذا ترون؟ 

- نحن نراك رمادياً لكن لابد من اعترافك لنسجله ... يريد الناس رأسك 

- هل يقولون مايريدون؟ 

- وقح!

صفارات سيارات الرجال المهمين تسمع في كل أرجاء المدينة ولا يفسح لها إلا بمقدار ما تسير بسرعة لا تتعدى سرعة عربة يجرها حمار. وبين الفينة والفينة يخرج صحفي من وسط الجموع ليحادث رجلاً مهماً 

– ما هي توقعاتكم؟ كيف ظهر الرجل الرمادي؟ أين ظفرتم به؟ 

يحاول رجال الأمن إبعاد الصحفيين. يفلحون مع بعضهم ويفشلون مع الآخرين. 

- لماذا لم نسمع بهذا الرجل الخطير؟ لماذا لم تتم توعية السكان؟ 

– هل صحيح أنه أحب امراة وأحبته وقتلها لأنه عجز عن اتخاذ القرار بالزواج أو الفراق؟ أم أنه كما جاء في الأنباء رجل رمادي يتلوّن لأغراض جاسوسية؟ لقد صرح لصحيفتي بأنه قد قتل الحب. هل يدان وبأي قانون؟ 

- بعثة التلفزيون 

- الإذاعة المحلية 

- الإذاعة الإتحادية ...

ضرب رجال الأمن اثنين من الجالسين أمام حانوت في سوق المدينة لأن أحدهم كان يقول: 

- لقد سمعت أنه حوكم في مكان ما في الخلاء و قد أُعدم ... صحيح؟ 

- وكيف عرفت؟

- سمعت من ثقات أن المحكمة قد انعقدت في مكان أٌعد لمثل هذه الأحوال لأن الأمن غير مستتب ... قيل إن هذا المكان معد منذ أن كان الانجليز في هذا البلد ... 

- بالله! 

وغير بعيد منهما كان أحدهم ينصت للمذياع: "ولم تُعقد المحكمة نسبة لازدحام الطرق مما أعاق هيئة المحكمة  في الوصول وتقول المصادر إن الجماهير الغاضبة كانت قد ملأت الطرق، ونقلاً عن وكالة الأنباء المحلية التي قالت إن المحكمة قد تعقد في مكان آخر نظراً لأن الأمن غير مستتب ..."

لم ينتبه الناس السائرون الى دار المحكمة لهذا الخبر كما لم ينتبهوا الى ان رجلاً كان يدفع الناس مذعوراً يحاول جاهداً أن يفتح له منفذاً ليتسلل ويطلق الساقين للريح ، فقد رآهم جميعاً رماديين.

الابيض ۱۹۹۷

من #مجموعة_رجال_مجنحون 

#أشرف_مبارك_أحمد_صالح 

#سيرة_الإنسان_حين_يصارع_الأوغاد

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركات الأعضاء

محاكمة الرجل الرمادي قصة د. أشرف مبارك أحمد صالح

محاكمة الرجل الرمادي قصة د. أشرف مبارك أحمد صالح  كانت المدينة الصغيرة تنام في أحضان تلال من الرمال، بل هي غارقة فيها، حتى شوارع...

المشاركات الشائعة