Translate

الأحد، 4 سبتمبر 2022

الماضي لا يمضي أبدا بقلم الكاتب والناقد / محمد البنا

 الماضي لا يمضي أبدا

بقلم

الكاتب والناقد

محمد البنا


.......
ما أدهشني وأثار استغرابي، في الحقيقة لم يكن استغرابًا ولا دهشة؛ قدر ما هو فزع؛ فكل الأشياء من حوله تمضي، ويأتي غيرها ويمضي أيضًا؛ إلا هو!
تحينت لحظات هدأ فيها فزعي قليلًا؛ نعم قليلًا؛ ففزعي منه لا يفتأ يباغت حواسي، وكلما حاولت التغاضي عن متابعته؛ فشلت، أو بالأحرى لأكون صادقًا معكم، ما كان مني ليس متابعة؛ بل سمّوها مصاهرة، أو انعتوها ب انصهار؛ فكلاهما يصف الحالة أو على الأقل يقترب منها.
أتغاضى فأفشل، أتناساه فأفكر فيه، بينما هو كالجماد لا يتحرك قيد خطوة!.. المهم..في لحظة هدوئي تلك التي حدثتكم عنها، تمكنت من إخراجه من مكمنه؛ مَثَلَ أمامي بعينيه اللتين تشبهان عينيّ نمس يتأهب لإفتراس ثعبان كوبرا، وبشفتيه اللتين تشبهان شفتيّ قطة تتلمظ لالتهام فأر، نعم نعم ..كنت ذلك الفأر الذي ترتجف أطرافه، لذا حاولت جاهدًا أن أعيده إلى مخبئه؛ فأبى!..نعم أبى دون أن يحرك ساكنا، دون أن ينطق حرفا!..هممت بالهروب من عينيه وشفتيه، إلا أنني أيضًا فشلت، تجمدت مكاني مثلما تجمد في مكانه قبالتي..كلانا ينظر للآخر في صمت، ونتلاشى..رويدًا رويدا.
محمد البنا...القاهرة في ٢ سبتمبر ٢٠٢٢
قد تكون صورة ‏‏شخص واحد‏ و‏لحية‏‏

المواطن منّوبي بقلم نصر العماري

المواطن منّوبي
بقلم
نصر العماري
كان المنوبي "متشلقحا" على عين قفاه ، يغمره ظل شجرة الخروب في أعلى الربوة.
اخضرار المكان يغري بالاستلقاء . فنبات "النّفلة والبوخريش" كسى الارض البور وزخرفها ملاءة ندية طرية شهية في لون الأخضر " الكباري" يغري حيوانات القرويين المنتشرة هنا وهناك...
كانت الشياه ترعى في شراهة دون ثغاء أو صياح. و الهدوء يخيّم ويسمح للشمس أن تغمر المكان بدفئها . وضوءها يتسلّل برّاقا بين اغضان شجرة الخروب وينعكس على جسم "المنوبي" النحيل بين الحين والآخر كلما حرك النسيم الاوراق لتتراقص على انغام رقرقة مياه عين "سكرة " وهي تنهمر وتنساب جدولا بين أشجار الزيتون والزبوس والزعرور ونبات الاكليل وأم الرّوبيا ...
وتظهر السماء صافية يخرقها جبل السّرج وهو يُغدق- من غير حساب - ماءه الزلال ويدفعه في سخاء نحو تجاويف وادي الخروب ، فيحتضنه في حنو ورفق حتي لا تنشغل الحساسين والبلابل عن الشدو ولا الفراشات والنحلات عن الرقص...
شعر المنوبي بشحنة كهرباء تنبعث في جسمه وعيناه تلاحق فحل نعجاته التسع ، بل الثمانية. فالنعجة التاسعة كانت من نصيب العمدة . كانت افضلهن ، اسمنهن وأجملهن...لكن العمدة " حمده " أصرّ على اخذها أو شطب اسمه من قائمة المنتفعين ... "كانت نعجة صُردي تعمل الكيف ... لو كانت بين اخوتها ، لكانت اول من بادرها الكبش بالاخصاب. "
هذا ما جال بخاطر "المنوبي" وهو ملقى على ظهره .ثم تمتم رافعا عيناه نحو السماء " الله لا تبارك له فيها"
ثم كمن يحدث نفسه "مابال هذا الكبش لا يطارد النعجات ؟... مع أن الطقس جميل والمرعى خصيب
... أيكون ...؟ قوي وعفي و قرونه طويلة ولا يلاحق الإناث ؟ ياربي تستر "
سحب "المنوبي" يده من تحت رأسه ومسح شاربيه وفتلهما ثم مطط جسمه و مدّ ذراعيه وعقد أصابع يديه وتطاول برجليه حتى ظهر ابهام قدمه اليسري من فردة حذائه البالي .وأحس كأن جسمه به طاقه تهد جبل السرج في لحظة ... فردّد قائلا "الحمد لله اما يلزم نجربوه "
جلس المنوبي واسند ظهره الى جذع الخروبة . وأدخل يده في جيب جمازته البنيّة. فجذب علبة سجائره "الكريستال" ، أخرج واحدة وألقى بها في خفّة بين شفتيه وأشعلها على عجل من قداحتة الصينية الصفراء التي اهدته اياها خطيبته. كانت عيناه تبحث عن زُهرة بين البنات اللاتي جئن لملء أدنانهن ماء.
لمح المنوبي أتانها الرّمادية ولم يلمحها وكادت تأخذه الظنون لو لم يسمعها تناديه من خلف الخروبة ... أسرع نحوها والبسمة تعلو محياه قائلا:
والله "طيحتي لي قلبي شُفْت البنات والبهيمة وما شفتكش "
شعر المنوبي بحرارة تملا كيانه والقوة تسرى في جسمه لكن سريعا ما تضاءلت مع صوت اخيها الصغير وهو يسأل:
- وأنا ماريتنش؟
فأجابه المنوبي في فتور :
- آه ريتك ...انت جيت معها
ضحكت زهرة وقالت :
- طبعا هو دائما معي اخي حبيبي
- انتِ تجيبي فيه بالعاني
ومدّ يده ليمسكها من يدها،فتراجعت الى الخلف والحياء يكسوها منبهة اياه:
- يزي مسعود يُخزر . وأضافت في جدّية "اسمع منوبي اعمل حل لروحك"
فأجابها مبتسما وبكل ثقة : السّنا ... الصّيف هذا... ان شاء الله اروح بيك ... توّه نقلك لا مسعود لا كرفوس
فرد عليه مسعود: أنا ديما معاها ... بابا وصّاني "وين زهرة وين انت "
فضكت زهرة وضحك المنوبي وناولته خبزتي قوجة دافئتين وقاروة حليب رائب وهي تودّعه متحجّجة أن صويحباتها البنات في انتظارها.
ثم غادرت وهي تمسك بيد مسعود وعيناها لا تكاد تفارق عيني منوبي الذي وضع حافة جردقة الخبز في فيه ويهّم بقضمها ولا يفعل وأخذه الشرود فكأنه يحضن محبوبته زُهرة ...
استلقى المنوبي من جديد اخذ يتناول الخبز مع الحليب وهو يردّد : العام هذا باهي ان شاء الله يتاومو الثمنية ... ثم تذكر الكبش واضاف في مرارة: الله يهلكو تقريب عطاهولى خنثى ذكر ...
قد تكون صورة ‏‏شخص واحد‏ و‏نظارة‏‏

آمال هي الأيام بقلم عدنان يحيى الحلقي سورية

 آمال هي الأيام

بقلم

عدنان يحيى الحلقي

سورية

***********
لِطيرٍ أبيض الصَّفحاتِ..
فوقَ المرمرِ الخمري..
بستانٌ مِنَ الرحماتِ..
يا لشقائق النُّعمانِ
حينَ تلامسُ الوجدانَ!..
أوجاعٌ هي الكلمات..
ما بالُ التي وُلِدتْ؟
بعيداً في اخضرارِ الحلمِ..
أفتحُ دفترَ النِّسيانِ..
أدخلُ في لظىٰ الألوانِ..
يبدأُ خافقي بالعزفِ..
كانَ الأزرقُ المفتوحُ..
مَنْ تسري بهِ الألحانُ..
لاجدوىٰ مِنَ التَّفكيرِ فيما لا..
أراهُ الآن.. روحي في سكونِ الرِّيحِ
تبدأُ بالرَّحيلِ..إليَّ ..آمالٌ هي الأيام..
******


( أنين قلب ) بقلم الكاتب / ناجح صالح

 ( أنين قلب )

بقلم

الكاتب / ناجح صالح

ها أنا ذا في الد الخصام معك أيها القلب في كل ما فعلته معي وتركتني اكابد الجروح والآلام...أجل انت .. كم كنت ترتعش وتهتز وتزداد خفقاتك في كل موقف من المواقف الحاسمة لأكون انا ضحيتك .. فأول ضربة قصمت ظهري كنت انت سببها ؛ فما أن أقبلت تلك الصبية الجميلة بثوبها الأحمر وشعرها الأسود المسترسل وهي تلقي النظرات حتى ارتفعت دقاتك واوقعتني في فخ الحب ..الحب الذي كنت أجهله ولم اعرفه يوما ولكن انت بضعفك جعلتني أسير هواه والاقي الويل منه في تلك الليالي المضنية ؛ ثم في كل مظلمة تقع عليك تحملني وزرها لأقع في معاناة تشق على النفس ؛ وما ابرأ من موقف حتى تقودني الى موقف اصعب منه ..هكذا هو دأبك وهكذا هي بصمتك ..إن جرحك أحد تلقي ردة فعلها علي ؛ وإن فارقني صديق أو قريب رحت تبكي بكاء يزيد من تعاستي ؛ أما إذا ارتحل وغادر هذه الدنيا من الأحبة أحد فصراخك صراخ وعويلك عويل لألقى ما القاه من الحزن والفزع . ما حكايتك أيها القلب وأنت لا يهدا لك خاطر في كل حكاية وحكاية !..ان ناحت حمامة أجدك تنوح معها وإن بكى يتيم بكيت معه وإن تأوهت أرملة تاوهت معها ..يا لهذا القلب كم اتعبني وأشقاني ؛ كم تحملت معه من خطوب ! وما تزال حكايته حكاية .


إطلالة في سطور (05) على الققج بعنوان "قناعة" للقاص اللبناني إبراهيم ياسين بقلم الناقد الفني الدكتور عبد الحميد سحبان "قناعة"

 إطلالة في سطور (05)

على الققج بعنوان "قناعة"
للقاص اللبناني إبراهيم ياسين
بقلم الناقد الفني الدكتور عبد الحميد سحبان
"قناعة"
بعدما حَدّقَ بواجهة المحل الزجاجية، شاهد راتبه بالكامل مطبوعاً على فردة حذاءٍ إيطالي. انفعلَ قليلاُ، اشْتَكى قليلاً، أشاح بصرهُ نحو الواجهة الأخرى حيث أبْصَرَ راتب جاره مُسعّراً على سروالٍ داخلي. انْفَرَجت أساريره، ثمّ انصرف راضياً بقسمته مواسياً نفسه بما حفظه عن أجداده "يلي بشوف مصيبة غيرو بتهون عليه مصيبتو".
ما أحوجنا للسخرية بأشكالها الراقية في أيامنا العصيبة هذه التي يعرف فيها العالم ارتفاعا بل تفاقما في نسب القلق بكل أشكاله وأنواعه. القلق من شظف العيش وضيق الأفق فضلا عن القلق الوجودي العام، فالبسمة التي يمكن للكاتب أن يقتلعها من الإنسان العربي المهموم والمغموم لا تقدر بثمن، قد تسهم في تلطيف الأجواء على ما فيها من توتر وتشنج، لأن المثل المغربي يقول" كِثْرَةْ اَلْهَمْ كَاتْضَحَّكْ".
السخرية في أعمق تعريفاتها تقوم أساسا على تغيير مسار الخطاب من خلال استطراد مُخلخِل للمعنى الحقيقي، مع الحرص على تشكيل معنى آخر يتماهى مع ما تمت خلخلته. فهي تتطلب تأنيا مزدوجا يبدأ بتأمل ما جاء به الكاتب من جهة والانخراط في تبني المحتوى الدلالي المقصود من جهة أخرى. فهي تؤسس لتعارض بين الأمر المقلق والمأساوي الذي يشغل بال الكاتب وطريقة معالجته له، تعارض يثير تساؤل القارئ ويدفعه إلى طرح العديد من الاستفهامات وإلى تنمية ملكة الانتقاد لديه.1
النص الذي بين أيدينا نص ساخر بامتياز، من نوع السخرية السوداء لأنه يؤكد بمرارة وأسى بؤس الواقع المعيش وعبثية الأقدار التي تجعل من قيمة حذاء قوم تساوي قيمة كد وجهد قوم آخر في مفارقة أكثر غلوا لأن هناك من لا يتجاوز أجرهم وكدهم ثمن سروال داخلي لا يظهر للعيان ولا يصلح إلا لستر العورة. إن الهدف من الخطاب الساخر يتمثل بالأساس في معالجة بعض القضايا الاجتماعية الشائكة، كما هو الأمر في هذا النص الذي سلط الضوء على تدني المستوى المعيشي كنتيجة حتمية للمشاكل الاقتصادية الكبيرة التي تتخبط فيها البلاد. والقص الذي بين أيدينا وَفِيٌّ للمنظور التقليدي للسخرية عبر قلب فني دقيق للمعنى باستعمال تقنية التعبير المعكوس، والمراد من ذلك إظهار تدني الأجر بطريقة معكوسة من خلال الحديث عن حذاء وسروال داخلي يساويان ثمن الأجر الشهري للبطل وجاره.
1- من حذاء الطنبوري المهذِّب إلى الحذاء الغربي المستفز
إذا تمكن حذاء الطنبوري الضارب في عمق المَشرق العربي المُشرق من تغيير حياة أبي القاسم رأسا على عقب من رجل بخيل أناني وماكر بأن جعل منه رجلا صالحا متصدقا وصادقا يحب الخير للناس، فإن الحذاء العربي كان له دور أخلاقي بَيِّنْ على صاحبه في ظل ازدهار اقتصادي وإشعاع ثقافي إبان فترة المجد والعزة. أما الحذاء الغربي فقد ظل حذاء مستفزا لمشاعر العربي قديما وحديثا. قديما بِدَوْسِه على أوطاننا بتقسيمها وتمزيقها وزرع بَذْرْ الفتن فيها. واليوم، وكما جاء في القص، باختزال وتبخيس عرق جبين المواطن العربي وكده وسعيه في كناية صريحة على أن الوضع ليس على ما يرام، وأنه لا يزال غارقا متخبطا بالرغم من خروج الحذاء الغربي تحت مسمى الاستقلال، لكن القبعة التي عوضته لم تعد قادرة على إخفاء فشلنا في اللحظة الراهنة.
2- سروال القس 2 بحثا عن التطهير وسروال الجار كنتاج للتفقير
إذا كان السروال الداخلي للقس "ولر" خط الدفاع الأول لمقاومة نزعات الشيطان. يسمح له بالابتهال إلى الله وهو مطمئن رابط الجأش لأنه يستر الجزء الأكبر من جسده ويمثل حصنه الحصين للفضيلة في خضم الفساد المرذول؛ فإن السروال الداخلي لجار البطل في القص معيب بكل المقاييس. إنه يمثل عرق الجبين كاملا غير منقوص لهذا المواطن المغلوب على أمره، في صورة مجازية تدل على قمة الهشاشة والتهميش. سروال لا يصلح إلا لستر العورة وَكَأَنَّ سعي جار البطل لا يتجاوز حد ستر عورة الجوع والعوز. مفارقة تظهر البون الشاسع ما بين السروالين: الأول ذو بعد أخلاقي تطهيري والثاني كنتيجة لواقع مؤلم وصل فيه التفقير إلى أسوإ ما يمكن تصوره، وبالأخص عندما أخبرنا الكاتب بحرقة ومرارة بأن بطل قصه شاهد على أن "راتب جاره [مُسعّرٌّ] على سروالٍ داخلي".
3لا زالت هناك بقية من الأنفة "قناعة"
يخرج الأمل من اليأس كما يخرج الرجاء من البؤس حينما انفرجت أسارير البطل عند إدراكه بأن سلم التدني لم يتوقف عنده. إنه ممتد إلى أسفل سافلين في قبو المحنة والضيق. ابتسم مرددا المثل الشعبي المشهور الذي يشبه القولة المغربية "آلٍّلي ضَرُّو حَالُو إِيشُوفْ حْوَالْ غِيرُو يِتْفَاجَا عْلِيهْ اَلْحَالْ فِي اَلْحِينْ". لازالت هناك بقية من الأنفة والعفة والرضا بالقَدَر مهما كان قاسيا ومؤلما. وهكذا أنهى القاص بتفوق سخريته السوداء بحصافة ووقار بيضاوين أكدت لنا أن العربي بالرغم من كل معاناته وابتلاءاته يتحدى في صمت وثبات، أَملُه قناعته وعتاده تقواه.
-----------------------------
1- انظر المقالة بعنوان "السخرية: "فنية الخطاب والقدرة الحجاجية" لـ "دانيال فورجي "عن موقع (URIDIT).
(IRONIE: STRATEGIE DU DISCOURS ET POUVOIR ARGUMENTATIF)
de (DANIEL FORGET) voir Site ERUDIT.
2- "سروال القس"، رواية للكاتب الأمريكي "ثورن سميث" ترجمة الدكتور "ثروت عكاشة". دار المعارف مصر، الطبعة الثانية، 1975.

تجربة -ق ق ج - بقلم أميرة صارم سوريا

 تجربة

-ق ق ج -

بقلم

أميرة صارم

سوريا

استعنت بظلي لأرسم مساحة لايدخلها إلا الفرح،أختفت بارقة الأمل ، رميت للريح ألواني فرسمت شجرة تقف وحيدة تواجه تقلبات الحياة.


النقاء بقلم الكاتبة / خلود أيمن

النقاء

بقلم

الكاتبة / خلود أيمن

ليت القلوب تظل بذلك النقاء بحيث لا تشوبها أي رواسب تُعكِّر صفوها وتُغيِّر سجيتها وعطاءها الفياض للجميع بحب و طيب خاطر وشغف دون توقف أو تقطير ، ولكن القلوب تتقلب من حين لآخر بفعل تغيرات تطرأ عليها أو ظروف يمر بها أصحابها ولكنها ليست حُجَّة قوية على الإطلاق ، فمَنْ أراد الإبقاء على رونقه وأصله وفطرته التي جُبِل عليها سيتمكن من ذلك حتى وإنْ تكالبت عليه كل شرور ومهالك العالم ومغرياته المتباينة التي يقع في فخها مَنْ يملك نفساً هشة ، ضعيفة الإيمان ، مهتزة الثقة ، تاركة المبادئ ، تحركها الرياح كيفما شاءت دون المقاومة والتصدي لها بقدر الإمكان ، فلا بد من ثورة عارمة عنيفة تهز أرجاء البدن بحيث لا يتفاعل سوى مع ما يتناسب مع فطرته فحسب دون الانجراف مع التيار أو الانحراف الذي يسير عليه البعض تلك الأيام دون تفكير أو محاولة للحفاظ على التَميُّز والتفرد الذي يملُكه المرء بين طيات قلبه في ظل مجتمع يتشابه فيه الجميع بلا قدرة على التفرقة أو التمييز بين ساكنيه ، فلقد عمَّ الخراب قلوبهم أجمعين وصار جزءاً لا يتجزأ من حياتهم بلا رغبة في التخلي عنه أو التفريط فيه والتمسك بسمات المرء الأصلية التي أوجدها الله فيه من العدم فتبطر عليها وانقلب حاله على إثر ذلك الاعتراض حتى يواكب العصر الذي يحياه دون النظر لفناء الدنيا والرحيل القريب عنها ، فكان عليه أنْ ينتهج النهج السليم منذ بادئ الأمر كى تصبح حياته طبيعية يسيرة ونهايته مُرضيَّة ...

عرس لا شبيه له بقلم محمد سلاك

 عرس لا شبيه له

بقلم

محمد سلاك

ثلاثون نفرا جاؤوا لأخذ العروس، هم لا يشبهون أحدا، يسكنون في أعالي الجبال و لعل الطبيعة مارست حقها الطبيعي فيهم و جعلت منهم أشخاصا غلاضا ذوو عضلات ترتعد منها الكلاب، و تنفر الدواب ربما بدافع الخوف أو الفطرة، في فصل الشتاء يلزمون البيوت و لا يخرجون الا للضرورة، يتلذذون بتسخين اجسادهم عبر تعريضها للحرارة المنبعثة من أفران التدفئة.
مع ذوبان الثلوج و بزوغ شمس الربيع ينفضون الجلابيب الصوفية، و يذوبون كغيرهم بين المنحذرات و الأودية العميقة
و لا يعودون إلا مساءا بغناءم تتنوع بتنوع التضاريس، حتى الأعشاب البرية يقطفونها و يبيعونها في المدينة، دون نسيان تربية الماشية النشاط الوحيد المدر للدخل على طول السنة.
هنا نشأ ميمون حتى سن السابعة عشرة، هنا قرر أبوه تزويجه
ليكون قريبا منه ، يساعده في تدبير شؤون الأسرة. و لعل قراره بإرسال كتيبة من الرعاة كان لها الفضل في تيسير حفلة الزفاف.
وصلوا مع ساعات الظهر و رفضوا إطعام أهل العريس بل عاثوا فسادا و اخرجوا عصيهم المدبدبة لتبدأ عمليات القنص. يستدرجون أحدا من الغرباء و يشبعونه ضربا ، انينهم لا ينقطع
صيحات النساء تملأ المكان استبدلن الزغاريد بالنواح .
تقدم كبيرهم نحو العروس و جرها بقوة، حملها بين ذراعيه و كأنها فراشة ،تحيط به تلك الزمرة الشرسة ،وضعها على ظهر الدابة ثم اطلق لها العنان، ربما تعرف الطريق لوحدها إذ لم تتوقف إلا بعد وصولها لمنزل العريس، وجدته الفتاة في الإستقبال، و لعله يعلم الخطة بعد أن تراءت له جماعته تسابق الريح، لتنعم بالوليمة التي أعدت لهم خصيصا، قبل الشروع في أي مغامرة.

قد تكون صورة ‏‏‏شخص واحد‏، و‏لحية‏‏ و‏منظر داخلي‏‏

مشاركات الأعضاء

لوحات فنية بريشة الفنانة/ إيما تومانيان

 

المشاركات الشائعة