Translate

الثلاثاء، 11 أبريل 2023

مجلة القصة الذهبية ص 16 ، 17

 


قصة قصيرة
للكاتب محجوب حامد آدم


كذبة أبريل

من مجموعتي القصصية  شنكيباي الصادرة حديثا عن دار النسيم للنشر والتوزيع.

وقفت أمام المرآة تتحسًس وجهها ، تُبحلق وكأنها تقف لأول مرة أمام مرآة .

تبسمت ساخرة وهي تنظر للندبة المحفورة على خدها الأيمن كالأخدود .

يرن الهاتف ، تبحث عنه دون أن تدري وجهته ، يدُلُها صوته المخنوق داخل حقيبة يدها الملقية على طرف السرير ، تجري نحوه بلهفة .

يأتي الصوت بهيا ضاجا بالأغنيات ، فقد تعودت أن تسمع ذلك اللحن قبل الولوج إلى تفاصيل المكالمة كلما رن هاتفه من سنين مضت عندما كان يهاتفها بانتظام قبل أن تتقطع بهما السبل ويرسم الزمن ملامحه المتعبة في الإيام والسنين المعجونة بالغربة والهجران .

_ الوووووو

تصمت برهة قبل أن ترد وهي تسترجع ذكريات الجامعة ، يباغتها ثانية

_ الوو

يرجع الصدي مرة أخري إلى الجامعة حيث تعثرت به أول مرة في ممرات المكتبة وهي تبحث بين الأرفف عن بعض المراجع ، من يومها .. خرجت من المكتبة وهي تحمل حبا عميقا .

شيئا فشئيا تغلغل وسري بين أوصالها حتي صارلها رئة ثالثة .. لا تستطيع أن تتنفس دونها .

ترد بصوت حزين :

_ نعم ، مين معاي ؟

تعمدت أن ترد بهذه الطريقة وكأنها لم تتعرف على صوته ، وهي تقاوم ذلك البركان المتربص بها والذي ثار لتوه.

يأتيها صوته معاتبا :

كنت أظن أن رقم هاتفي محفوظ عندك.

لا يهم .. يمكن أن أحفظه الآن ، لكن المهم .. ما الرياح العاتية التي عصفت بك حتي تتذكرنا هكذا دون ميقات ؟

قال وكأنما يبحث عن أجابة مناسبة :

_ أقدار والله ..

ردت بنزق :

هكذا هي أقدراك التي لامبرر لها .

الحمد لله تعافيت من أوهامك وجنونك وأنانيتك المفرطة .

يسيل الدمع غزيرا من مقلتيها وهي تصارع رفيقاتها في الغرفة ، يتعالى صراخها ليتحول الى نشيج .. ثم الى حالة هستيرية .

تمسكها إحداهن بقوة من زندها وهي تقول :

- دعينا نتأكد من الخبر أولا ، من قال لك أنه قد مات ؟

- صديقه جاء الى هنا وهو يبكي وقد أكد لي أنه مات من ساعات في حادث سير , وجسمانه لا يزال مسجى في مشرحة المستشفي الكبير .

ثم تعود من جديد للنشيج .. ثم لزمت السرير وهي فاقدة للوعي لا تسمع ولا تعي ما يجري حولها ، غائبة وهائمة في عالمها المعزول تعيش صراعات داخلية لا علاقة لها بالخارج ، لم تستطيع العودة إلى رشدها حتي بعد أن تبين أن الخبر لم يكن سوي "كذبة أبريل" ، خطط لها هو ليختبر مدى حبها له ، مفسرا ذلك بأن الأول من أبريل يوم المفاجئات .

شاع خبر مرضها وعم كل أركان الجامعة ، أصبح الكل يحاول أن يقدم شئيا مفيدا قد يخرجها من عزلتها وتعود إلى حالتها الطبيعية ، بائت كل المحاولات بالفشل ، ولم تفلح محاولات رفيقاتها مع المشافي و الاطباء وأصبح مرضها الخبر الأكثر شيوعا في الجامعة .

لم يصدق ما جري ، لم يكن في باله سوى إختبارها ، لم يذهب بعيدا الى ما ذهبت إليه بهذه الطريقة التي لم يتصورها أبدا ، أصبحت الجامعة لا تحتمله بل أصبح العالم بأسره لا يحتمله ، تجده فاغرا فاه في كل مكان لا يصدق ما جري .

يرد بصوت فيه شيء من الأنين :

الحمد لله تعافيتي مني ، أنت لا تستحقين كل ما جري لك .

كنت أحمق ، ولا أستحق إهتمامك . لكن صدقيني .. إذا تجاوزت أنت كل ما تقولين ، فأنا لا أزال أعيش ذلك الواقع المريرتطاردني اللعنات في هذه الأصقاع البعيدة .

تنبتسم أمام المرآة ثانية وهي تقول :

لم تلحق بك اللعنات بعد .

تبحلق ثانية على خدها الأيمن ، تتحسس الندبة وهي تمسك والدها متوسلة ،أن لا يفعلوا بها هكذا ، تصرخ بأعلى صوتها ، تستنجد بالناس حولها ، لا شيء هناك سوى الصدى .

أرجوكم .. أرجوكم .. أرجوكم .

يسقط الهاتف من بين يديها ، وتسقط هي بالقرب منه وتغوص في غياب بعيد .

تنقلب على جانبها الأيسر يضغط يدها الثانية عمها الجالس قبالة والدها على متن سيارة البوكسي وهي تسارع الريح بين الجبال صعودا وهبوطا وفوح الأشجار يمتزج برائحة الأرض المبللة بالمطر .

يصلها صوت عمها عميقا وهو يقول :

أهل المدينة لا يعرفون مثل هذه الأمراض ، الحمد لله وصلنا الخبر في الوقت المناسب ، كلها ساعتين ونصل الى القرية بإذن الله .

يرد والدها :

- نعم ، أهل المدينة لا يعترفون بالمس والسحر والجنون والشواطين .

يرد العًم وهو متوجس :

اللهم عافنا عن ذكرهم .

البوكسي يصارع الجبل بأنينه المتقطع ، ثم يصعد أعلى مرة واحدة ويستوي على السطح ، القرية تبدو واضحة أمامهم ، الشمس تجري نحو الغروب والشفق يرسم لوحة بهية على جنبات القرية .

لم يصدق أهل القرية ما جرى لها ، كل ما يعلمونه عن أهل المدينة أنهم أهل علم وحضارة .. أحدهم يقول :

- بالله في المدينة سحرة ودجالين ؟ ..البنت أهلها أرسلوها للتعليم ، تعود هكذا سبحان الله .

في القرية لم يسمع أحدهم ب "كذبة أبريل" ولا بالحب الذي يسلب الألباب ويفقدك صوابك .

ويقول الثاني:

الشيخ جبريل منتظرهم من الصباح ، ساعات وسوف تفيق من هذا الجنون .

أضاف آخر ..وهو يقهقه ضاحكا :

شيخ جبريل يطرد الأرواح الشريرة الهائلة التي تعيش في الجبال والوديان ، سحرة المدينة لايأخذون من وقته سوى دقائق .

مددوها على سريرخشبي بعد أن قرأ عليها الشيخ جبريل بعض من تعويذاته .. وختم قوله :

- دعوها تستريح ، سوف أعود صباحا بإذن الله ، جهزوا لي تيسا أسود على جبينه علامة بيضاء ، وبخور عدني ، وماء ورد .

تنقلب على جانبها الأيمن ، تفيق على صوت والدتها وهي تجادل والدها :

مستحيل أن تفعلوا بها هكذا ، كيف يمكن أن تفعل ذلك وأنت رجل مؤمن تصلي وتصوم ، البنت متعلمة لا تعكر حياتها ، دعنا نجرب علاجا آخر.

يرد عليها بحزم :

من قال لك أن ذلك حرام ؟ حتي النبي صلي الله عليه وسلم - لم ينجوا من السحرة .

هذه البنت مسحورة .

لم تصدق الأم أن فلذة كبدها أفاقت بهذه السرعة ،

تضمها الى صدرها وهي تقول :

حمدا لله على السلامة .

ترد بصوت واهن متقطع :

- أين أنا ؟ وكيف جئت الى هنا ؟

- سمعنا بمرضك وذهب أبوك وعمك وأتيا بك الى هنا . الحمدلله أنك بخير، يبدو أنك اشتقت لهواء القرية ، الأشواق تفعل أكثر من ذلك يا عُمري .

***

الليل يغطي القرية بظلامه الدامس ، بعض النجوم الصغيرة تتحايل على العتمة وتظهر بين الفنية والأخري وألسنة اللهب المتطاير من نيران خلوة القرآن الكريم تحاكي النجوم في تبديد العتمة ، الصبية مُتحلقون حول كوم اللهب ، تتعالى أصواتهم وهم يرددون التلاوة خلف شيخهم ، أنسام الخريف تهب على الأكواخ وهي تشكل صوتا يشبه الصفير، الأغنيات العذبة تتسلل من بعض شقوق الأكواخ البعيدة :

" قمج أبا لعنتاتي أتحاليكو إقل إردى

وغاششكوها نفسيي إلا شاما قل أبدى

تبوم بيلا للبيي كمسل شداد وردى

حكم ربي رداتو خالق وجبو لحمدي"*1

تردد مع الأغنية المقطع الأخير وهي تمسح الدموع عن خديها ، ثم تنقلب على بطنها وهي تعاود النوم من جديد .

تفيق في الصباح على أصوات الرجال المتعالية أمام الكوخ .

- السلام عليكم .

يستقبلهم والدها وهو يرد:

- عليكم السلام ، تفضلوا

يفتح لهم كوخا آخر مقابل لكوخها ثم يقول وهو يخاطب الشيخ جبريل :

كل شيء جاهز يا شيخ .

سوف نعمل الطقوس في الكوخ الكبير، هو واسع يتيح لنا ذلك .

يرافق الشيخ جبريل والدها نحو الكوخ الكبير، يضع أمام بابه مبخرا كبيرا تتصاعد منه أبخرة اللبان العدني ، ثم يسحب التيس الأسود داخل الكوخ وهويقول :

تعالوا بها إلى هنا .

يسحبها والدها عنوة من سريرها برفقة رجلين آخرين ، لا تعلم إلى أن يقودونها ، بينما والدتها تتقطع أوصالها من الحسرة وغيمة من الحزن تحاصرها بالخوف والرجاء .

أدخلوها الكوخ الكبير ، أقعدوها القرفصاء على طست*2 نحاسي واسع ثم شكلوا بثوب أبيض دائرة حول الطست وهي ترتجف تحتهم ، بينما الشيخ جبريل يهرول حول الكوخ تارة ، ثم يخرج تارة أخري ، وهو يردد تعويذات غير مفهومة ، يضيف اللبنان العدني على المبخرة الكبيرة ، ثم يدخل ثانية داخل الكوخ الكبير وهو يستل خنجرا طويلا ، ينادي بعض الرجال بالخارج لمساعدته ، ثم يكبر بصوت متحشرج وهو يضع عنق التيس نحو القبلة .

يأمرهم وهو يذبح التيس :

- كونوا يقظين ، سوف نرفع معا مجرد أن يسيل الدم .

ثم صاح بصوت عال :

- هيا بسرعة .

بخبرة المتمرسين .. رفع الرجال التيس المذبوح أعلى الثوب الأبيض يإيقاع منتظم ، بينما عنقه يتدلى وسط الطست والدم يسيل منه بسرعة جنونية نحو رأسها .

لحظات عصيبة عاشتها، وهي تقاوم الدم الفائر الذي يغطيها من كل جانب ، لم يكن في وسعها فعل شيء سوى وضع يديها الضعيفتين على عينيها لتحميهما من الدم الحار الذي بدأ يملأ الطست أسفل قدميها .

الشيخ جبريل يطوف حول الثوب الأبيض ، يردد تعويذاته بلغة غير مفهومة ورائحة الدم تخالط اللبنان العدني ، فتتسرب عن ذلك الفعل رائحة كريهة تجعل من الكوخ الكبير مكان قميئا .

يحمل الرجال التيس خارج الكوخ ، يتولى أحدهم عملية سلخ الجلد ، بعد ان علقوا التيس على شجرة كبيرة وسط فناء الدار .

وحدها في الكوخ مع الشيخ يربت على ظهرها وهو يقول :

- ستقومين بالسلامة بإذن الله .

تحاول أن تقف على رجليها بصعوبة ، تحاول وهي ترتجف ، تتكىء على والدها في محاولة يائسة لفك أصابع رجليها من الدم المتيبس ، وقفت بصعوبه وهي تنظربأسى إلى هيئتها الدامية بينما أنوثتها صارت تتساقط تحت قدميها ، نظرت إلى أعلى .. لم تستطيع أن تتبين شيئا ، أصابها ما شبه الدوار.. ثم سقطت مغشيا عليها .

طار الطست إلى أعلى من شدة الإرتطام ، فقد سقطت على حافته بخدها الأيمن .

تجمهر الرجال حولها داخل الكوخ ، الدم يسيل كجدول من خدها الأيمن، يتجاوز الدماء اليابسة في مجاسدها ويرسم لوحة حزينة قرب نهديها .

تنقلب على ظهرها ، تستجمع قواها وهي تقوم على رجليها من جديد .

الهاتف منكفئٌ على شاشته تحت الطاولة ، بينما رنينه يملأ فضاء الغرفة ، تسير نحوه بتكاسل .

ترد على صديقتها بصوت باك وهي تقف أمام المرآة ، تمسح الدموع المتساقطة في الندبة على خدها الأيمن .

القاهرة

مايو 2022

هوامش:

1/ مقطع من أغنية شعبية بلغة ”تجريت" للفنان سعيد عبدالله

2/ إناء كبير مستدير للغسل .








صدر عن دار وعد للنشر والتوزيع

كتاب (الاستقامة وعلاماتها وعاقبتها في الدنيا والآخرة ) للكاتب الدكتور محمود خليفة الازهري، تكلم فيه المؤلف عن ما جاء في القرآن والسنة عن الاستقامة، حيث دعت آيات القرآن العظيم، وأحاديث السنة النبوية المطهرة إلى الاستقامة، وبينا سبل تحقيقها. وتناول فيه المؤلف أيضا الحديث عن العلامات التي إذا ما وجدها الإنسان في نفسه عرف أنه من أهل الاستقامة.

كما قام المؤلف بذكر عاقبة الاستقامة في الدنيا والآخرة.

وقد اعتمد في ذلك كله على ما ورد في القرآن الكريم، وصحيح السنة النبوية، وأقوال أهل العلم الموثوق بدينهم وعلمهم.

وسلك المؤلف منهجا سلسا في عرض مادة الكتاب، حيث الأسلوب السهل، والكلام الواضح، والبعد عن التطويل والتعقيد، بحيث يكون فهمه في مقدور الجميع ممن يطالعونه .








طيف حلم

للشاعرة السورية  أميرة قطلبي


طيف حلم

تركت خلفي حزنا

وعبرت الدرب سبيلا

علّي أرى وجوها طيبة

وابدد المستحيلا

حقيبة سفر

وبضع أوراق

رغم الضباب

اعرف التأويلا

شددت على يدي

واتخذت قراري

ونويت الرحيلا

تسبقني خطاي

حين استريح قليلا

فوجهتي اعرفها

لاضير إن تعثرت قدماي

فأنا نويت الوصولا

إلى حيث المحبه

إلى مدن رسمتها في

مخيلتي الجميلة

لتلفني شهقة يديك

بكل مالديك من شموع

وبكل مالدي من أمل

ومعي الدليلا

اتمسك بك قبل أن

يفر من حذائي الطريق

ولا أعرف السبيلا

واقول كيف الرجوع

من دوحة الأحلام

وكيف بعد غفوة حلم

يكون البديلا

 أميرة قطلبي

 





 









 







الاثنين، 10 أبريل 2023

مجلة القصة الذهبية ص 14



قصة قصيرة
للكاتب السوري سالم سلوم
صراخ المقابر


رموه كشاة نافقة في حفرة واسعة، تزخر بأمثاله من الناس الذين لا حول لهم ولا قوة جُلّهم أبرياء، منهم أطفال ونساء وشيوخ..كانت المقبرة لهم ومثواهم الأخير.

تذكَّر أيامه السّابقة، وبدأ الأنين والتّحسّر، أخذتْ أنفاسُه تخرج بتقطُّع مخيف، حشرجات من هم حوله وآهاتهم بعد أن أثخنتْهم جراحُهم النّازفة.

تأمّل المكان المُعتم المخيف.

أطلق صرخة كانت مسموعة للجميع، وعلا الصراخ في المكان حتى بُحَّتِ الحناجر.

حقيقة لم يكن وحده، بل كانت مأساة الجميع. كنتُ أصغي إليه بحذر وصمت رهيب، كوني كنتُ ملاصقا له. أخرجَ من جوفه آهات متتابعة، في كلّ آه كنتُ أقرأ فيها أحلامه وخيباته و..

عمَّ صمته للحظات، رغم أن صراخَ الآخرين وآهاتهم كانت كافية لأعلمَ بأنّني لستُ الوحيدَ ها هنا..!

أخذ يسرد بصوت مسموع.. آه كيف

كنّا نعيش بسلام وهدوء، رغم النّفاق الذي يحيط بنا، كان كل شيء ممكنا وموجودا، أصابتِ التخمةُ كروشنا، ابتعدنا عن الله، فابتعد عنّا كل شيء.

على حين غرّة نَخَرَ السّوسُ عِظامنا ، طَفَتْ وجوهٌ جديدةٌ وغريبةٌ تسلّلتْ عبر أحيائنا،

أمطرونا بوابل شعاراتهم البرّاقة، انقسمنا فرقاء، أعجبتنا أقوالهم، ولا تسمع سوى الأنا..أنا.. ، تاهت بنا السبل وفقدنا البوصلة.

حينها خلعوا أقنعتهم المزيّفة واقتادونا جميعا دون هوادة.

حين استطالت أحلامهم، قصّوا ألسنتنا قبل أيادينا، ونحن خائرون لا نقوى على شيء سوى التحسُّر على ماضينا الجميل الذي لم نعرف حقّه إلّا بعد فقده.

إنّها ضحالة عقولنا الهشّة، إنّه زيف ادعائنا بالمحبّة والوطنيّة، إنّه نفاقنا الذي تبجّحنا به طويلًا.

فجأة يعلو الضحيج خارجًا..تُفتَحُ حفرةٌ جديدةٌ، يُقذَفُ بها مجموعة أخرى، ردموها على رؤوسهم، غير آسفين.، عم الصّراخ ثانية، أحدهم سقط بالقرب مني، أخذ يصرخ بأعلى صوته..

ربّاه..

ماذا فعلتُ ؟!

أهذه هي نهايتنا.؟!!

بعد ذُلِّنا، بعد سنوات من القهر والجوع والتشرّد، بادرتُه بسؤالي قائلًا:

- لا عليك ، هوِّن على نفسك ..!

تفاجأ بوجودي هدأ قليلا، فقلتُ له: أخبرني كيف أتيتم إلى هنا..؟!

أخرج من جوفه آهًا مؤلمة كحد السيف، واسترسل قائلا:

- صبرنا على أحوالنا القاسية، بعد هول حرب اجتاحت ربيعنا، جعلتْه مُصفَرًّا ، قطّعوا أغصاننا وبتروا الجذور، قتلوا الطفل قبل الكبير ، فبدأتْ أوراقُه بالتساقط. وبعضها مازال ينتظر، حاولوا كسر صمودنا وعقيدتنا، بشتى الوسائل والطرق، لم يألوا جهدا في سبيل ذلك، حتى وصل بهم المطاف إلى محاربتنا بلقمة عيشنا، أتحفونا بقانون جديد وحصار غاشم، إنّه الحَظْرُ، إنّه خط الكسر والإذلال، هي سياستهم المعهودة ضد الشعوب، والآن كما ترى .. حين وقفنا في وجوههم فتكوا بنا وقتلونا بدم بارد، بعد أن أرجعونا عهودا إلى الخلف،

لم يكن لدينا إلّا الصبر، حتى هو قد سَئِمَنا وفرَّ مِنّا، فقدتُ كلّ أهلي تقريبا حين قرّرتُ الرّحيل والهجرة بعد معاناة حقيقية، في طريقِ هروبي، كانت سماسرة الطريق، وعواصف البحار، وأشياء أخرى أيضا لا أستطيع وصفها .. قبضوا عليّ بِتُهَمٍ شتّى، اقتادوني مكبّلا وحاكموني صوريّا، كانت تلك هي نهايتي مع مجموعة من رفاقي، كم تمنيت الموت، وها قد نُلتُه أخيرا، لكنه في الحقيقة موحش جدًا.

قاطعه من كان يصغي إليه:

- تلك هي نهاياتنا جميعا..اعتقدنا بأن هناك راحة بعد الموت ""

قاطعتُه قائلا:

- انظر لما حولك، كم من أبرياء هنا لا ذنب لهم إلّا أنّهم وُلدوا على هذه الأرض..!

عذرا منك محمود درويش (على هذه الأرض هناك ما يستحق الحياة )

لا… أنت مخطئ، اعذرني..!

صاح بي:

- أنت إذا الصحفي أو الكاتب الذي.... ؟!

قلتُ له بحزنٍ، كنتُ..!

- ما هي تهمتك إذًا.. ؟!

- لقد حاربتُ فكرَهم بقلمي، بعد أن غسلوا عقولَ شبابنا، وكتبتُ في مذكّراتي، زيف ادعائهم، وضَّحتُ نفاقهم وعهرهم، وحتى شريعتهم النكراء، فقبضوا عليّ بتهمة التحريض ضد الدولة المزعومة،

وصفوني بالمارق، قصّوا أصابعي قبل أن يرموني ها هنا..!

أذكر أنني قبل إلقاء القبض عليّ كتبتُ مقالًا بعنوان: صراخ المقابر..

حقيقة لاقى العنوان إقبالا شديدا وبيعت نسخُ الصّحيفة بوقت قصير؛ أعيدَتْ طباعة المقال مرّات عديدة؛ حقّقت أرباحًا كثيرة، بدأ نجمي يسطع حينها، في ليلة مظلمة داهموا منزلي وعاثوا فسادا، قتلوا جميع أهلي، عَمَّ حزنٌ كبيرٌ في داخلي، وأنا مكبّل معصب العينين، لا أعلم إلى أي ديار أخذوني حتى لحظة إعدامي، ورَميي هنا دون عنوان. فجأة عَلا صراخُ امرأةٍ تقول ابتعدوا عني إنني حامل.؟!

عمَّ صمتٌ رهيبٌ داخل المقبرة، أقصد الحفرة..! حين بقروا بطنها، خرجت صيحة من جوفها أيقظت الجميع من سُباتهم الأبدي، حتى أنا أفَقتُ مذعورًا صارخًا..

حينها تأملت نفسي على سريري الذي تبلّل خوفا، جرّاء كابوس لعين، داهمَ نومي العميق. تأملت طاولتي التي اكتظَّت بكتبي وأوراقي المتناثرة، حين وقعت عيناي على تلك القِصة(صراخ المقابر) التي دفعتُ ثمنها كابوسا مازالت ذكراه تجثم على صدري حتى الآن.


جلست تنتظر

للكاتبة المغربية د. سلوى بنموسى

 

 


في غرفتها الضيقة وتقاطع أنفاسها وهديانها ؛ وشحوب معالم أفكارها ؛ وتعالي الصيحات داخلها بحثت بين أناملها عن صديقها الوفي

تحاول استدراجه يمينا وشمالا ؛ لعله يرضخ لطلباتها ولكن هيهات هيهات.إن ملكة الأفكار لم تنزل من السماء بعد أتنتظر هبوطها المفاجئ ؟ أم تراها ترتجل ؛ أو تعيد كالببغاء ماكان وقيل : بضاعتنا ردت إلينا

لا أبدا ستخلق فدوة من بنات أفكارها شيئا جديدا غير مبتدل ؛ ولا خارج عن المألوف

تستهدي بالله . هاهي الآن تتقاذفها كلمات عسلية ؛ تنير تفائلها وتلمع مقلتيها وتترنح مشيتها ؛ ويثوق القلب والفكر والوجدان لسماعهم . ولكن ماذا حصل؟ اسودت الغيوم ؛ ومس صاحبتنا لمسة حزن وانقباض وجنون : آه تذكرت موت الغالي مشجعها والآخذ بيدها إذ كل فتاة بأبيها معجبة . لا لن تستسلم للخسارة قط غسلت أحزانها وشرعت تخيط أعذب كلام للوالد الطيب الراحل وتثنو على أفضاله وشيمه الحميدة .

وتطلب من الرحمن أن يودع روحه الطاهرة

في رحاب جنان النعيم .. لا لن تخذله بعد منيته .. بل ستحقق له حلمه أكيد أكيد

إنه يشجعها دوما ؛ تحس بطيفه يلامسها وينصحها . ويربث على كتفها هامسا : إلى الأمام يا امرأة !! كوني امرأة فولادية !!

وإياك والخوف والجبن. فالله معك يا ابنتي الغالية تبتسم فدوة وترد له الدين معلنة الانتصار؛ والعمل إلى آخر نفس لتسعد ذكراه وتكون الفتاة المتفوقة والبارة والمطيعة والناجحة في حياتها المهنية والعامة شكرا صديقي القلم تبحر بي في متاهات خلتها منسية وتعيدها للواقع بكل ود ونقاء وطيبة

 

 ذكريات

للشاعر  المصري أحمد عمران


...... ذكريات ......

عايز تطل على اللى فات

افتح بيبان الذكريات

وانت ماشى بص فيها

تلقى فيها كتير اهات

ذكرى حلوه ذكرى مره

مانت هاتقولها حكايات

بس اوعى تبكى تانى

اوعى تبقى يوم انانى

خلى كلمة ذكريات

فيها شيئ اسمه الامانى

عيش تملى خد وهات

عيش وكافح يوم عشانى

ياللى بلقاك زى طير

جوه سجن وفيه اسير

كل مايحلق بيرجع

تانى مش عارف يطير

جرحه زايد مالمناهده

جرح بيقولوا خطير

خلى كل سنين حياتك

ذكرى حلوه ليوم مماتك

قوم ودور عاللى باقى

مالهنا هاتكون نجاتك

خلى قلبك قلب طيب

طيبته مرهونه بصفاتك

أحمد عمران 

 



 

 




 

مجلة القصة الذهبية ص 13

 


قصة قصيرة
للكاتب المصري  السيد علي القن
مشوار نغم
الفصل الرابع

وعادت نغم الي البيت وهي تعلم انه سوف يمر وقت طويل قبل ان تري آسر مره أخري واخذت تفكر نغم فيما قاله آسر وفيما دار بينهم و كيف سارت خائفه ودقات قلبها سريعه وتسأل نفسها ماهذا ؟ ماذا حدث ؟ ومرت عدت ايام ثم خرجت أخوة نغم الي خالتهم صفيه يزورنها وبقيت هي بالبيت وهنا توجهت نغم الي دولاب ملابسها فاخرجت الهاتف وفتحته ثم رنت علي الرقم الذي سجله آسر فدق جرس الهاتف آجاب آسر علي الفور ألو الو آسر نعم كيف حالك ؟ بخير ‘ وانت ؟ الحمد لله بخير وبدا صوت نغم مرتعشا وأحس آسر بذلك فأخذ يطمأنها ويقول لها لا تقلقي ليس في الامر شئ آتعرفين ان صوتك رائع وجميل وأنا معجب جدا به منذ غنينا معا في الحفل قالت نغم اشكرك وانت كذلك ياآسر قال آسر هل تذكرين الحفل وما حدث به ؟ قالت. نغم نعم. قال آسر أترين كيف كان الجميع معجبون بنا ويصفقون لنا ؟ نعم رأيت ولن انسي ذلك اليوم ابدا فهو من أجمل الذكريات عندي قال آسر وهو كذلك بالنسبة لي ومن يومها اشعر اني لا اطيق ان ابعد عنك واني اري طيفك يحدثني ويغني لي بل واحيانا اسمع صوتك يوقظني من نومي ومما اقلقني عليك هو غيابك عن المدرسه فخشيت ان يكون قد حدث امر ما الي أن أتيت الي منزلكم ورأيتك وكنت بمنتهي السعاده والان ماذا عنك ؟ انا مثلك تماما كانك تتحدث عني غير اني خشيت ان تلاحظ أمي شئ وان يفتضح أمر الهاتف ومع ذلك مازلت حائره ماذا اقول لامي وانا لست معتاده علي الكذب عليها وأخشي لو عرفت ان تغضب مني قولي لها أعطاني أياه المدير او احد اولياء الامور تقديرا للمجهود الذي بذلناه في الحفل سأحاول. والآن علينا ان ننهي المكالمه وارجوا ان لا تتصل بي حتي اتصل أنا بك اولا مع السلامه مع السلامه وأقفلت نغم الخط وانقطع الاتصال ثم اخذ آسر يفكر والسعاده علي وجهه وهو غير مصدق ان نغم قد أتصلت به ومرت عدة ايام وجاء يوم أعلان النتيجه وأستأذنت نغم امها الخروج الي المدرسة لتأتي بالنتيجه وهناك كان اللقاء الاجمل حيث قابلت آسر عند الباب ودخلا معا الي فناء المدرسه ووجد كثير من الطلبه وكلهم فرحون وانطلق مهاب أفرح ياعم طلت الثالث علي المدرسه وأنت يانغم طلعت الخامس الف مبروك أيه يعم آسر مش هتعزمنا علي حاجه بمناسبة المجموع ده قال آسر . حاضر ياجماعه تحت امركم اطلبوا اللي انتو عايزينه وهنا انطلق الاولاد الي خارج المدرسه وذهبوا جميعا الي محل الايس كريم وطلبوا آيس كريم واخذا يتبادلون الحديث والضحك الي انتهوا من تناول الايس كريم ثم بدأو بالانصراف وعاد كل واحد الي منزله وفرحت ام نغم بأبنتها جدا وكذلك اخوتها التي باركوا لها تفوقها وكان بالبيت خالتها صفيه واولاد خالتها محمد وهو اكبر من صفيه بثلاث سنوات وأحمد وهو في الجيش وحاصل علي مؤهل متوسط ويعمل نقاش بأجازة الصيف وكذا اختهم سمر والتي كانت في الصف الثاني الثانوي بينما كان زوج صفيه يعمل موظفا أداريا في وزارة العدل بمؤهله المتوسط وكان يحمل بين يديه قضايا وملفات مهمه وبينما هم يحتفلون بنجاح نغم كانت امها و خالتها قد أعد طعام الغداء واجتمع الاسرتان الي مائدة السفره القديمه نوعا ما واخذت سمر تناول اولاد خالتها في تحضير السفره وجلس الجميع الي المائده وبدأو في تناول طعام الغداء وتبادولوا الحديث علي الاكل قال الاستاذ نبيل والد محمد واحمد وزوج خالتها شدي خيلك يانغم عايزين نشوفك دكتوره كبيره وردت أم نغم يارب ياأخويا بس مين هيقدر يصرف عليها في كلية الطب دي مصاريفها كبيره جدا وا احنا مش قدها ام صفيه سيبها علي الله ساعتها ربنا يدبرها بس هي تجيب بس المجموع وبعدين ربنا يحلها المهم سمر نشوفها دكتوره لا ياخالتوا انا ادبي وماينفعش ادخل الطب انا عايزه ادخل كلية الاعلام ام نغم ودي بيطلعوا منها أيه دي دي ياأما صحفيه أو مذيعه في التلفزيون ياسلام طب والله حلو ربنا يوفقكم ياولاد يارب ونشوفكم حاجه كبيره ام محمد أهم حاجه للبنت ياأختي الستره يعني الجواز وتواصل الحديث والضحك الي انتهوا من الغداء وكذلك انقضت شهور الصيف بين أمنيات نغم التي كانت تخفيها عن الجميع وكذلك أمنيات ساهر الذي حاول مرارا ان يري نغم لكنه فشل في ذلك حتي انه انتظر كثيرا حتي كان العيد وفي يوم العيد رن الهاتف وجاءه صوت نغم من بعيد يزف بشري خروجها وصحبتها ندي وشذي للفسحه في ملاهي المدينه وما هي الا دقائق قليله حتي اتصل آسر بكريم ومهاب وطلب منهم الخروج ليلتقوا معا بالملاهي وهناك التقي الاولاد بالبنات فتصافح الجميع وقال آسر مارأيكم انا عازمكم نجرب الالعاب دي كلها نغم بس بلاش لعبة بيت الرعب و لا العجله كفايه لعبه واحده شذي انا بخاف من الالعاب دي مهاب ماشي نركب الاول لعبة العربات دي يالله بينا وبعد ان ركب الجميع الالعاب تعالي الضحك و كذا الصراخ حتي انقضي وقت طويل وحين فرغ الاولاد من الالعاب تناولوا بعض المشروبات وكذا الكيك والشيبسي ثم انصرفوا عائدين الي بيوتهم وحاول كريم وآسر وشذي ومهاب وندي ان يتفقوا علي موعد الا ان نغم رفضت ذلك وقالت ان امي وافقت علي خروجي مع ندي وشذي بعد الحاح شديد وهي لن تقبل بذلك مره اخري وانتهي يوم من أجمل الايام بالنسبة للاولاد .

قصص قصيرة جدا

للكاتب العراقي

رعد الأمارة

عابر سبيل

(أحدهم فطر قلبي)

 

١ (أتبع قلبي)

لطفاً أخبريني أنتِ، بعضهم يقول بأنكِ امرأة سيئة السمعة، أنا لا أصدقهم، ببساطة، أنا اتبع قلبي، مع ذلك سيكون لطيفاً لو قلتِ شيئاً ما، حرفاً ما!.

٢ (انتظار)

لن أمهلك كثيراً حتى تعودي لرشدك، أنفاسكْ مليئة بالكثير من الذنوب، رأيت أبتسامتك الوقحة له، طيب مالحلُّ برأيك؟ ونَصلُ سكيني ينتظر!.

٣ (هزّة واحدة)

سأتماسكْ، من العار أن أبكِ أمامك، فقط لاتحدقي بي هكذا، تريدين أن ترحلي، طيب ليكن، لن أخسر أكثر من هزة كتف واحدة !.

٤ ( انتصار)

لن تجذبني صورتك بعد الآن ، ولن يغريني شذا القداح الغافي في وسادتك، لاتقلقي، وكفّي عن ازعاجي برسائلك، لن أموت بالسكتة، أي أحمق خدعك بذلك، لاتهتمي، فالصور تتغير، وشذا القداح يمكنه أن يذهب للجحيم!.

٥ ( بين الأمس واليوم)

كنت تديرين كلتا ذراعيك حول عنقي، حين يداهمك الحزن، الآن أصبحتِ تديرين يديكِ حول نفسكْ فحسب.

٦ (عاصفة)

ماكل هذه الضجة الكبيرة التي يثيرها حضورك، يلوّح الكثير لكِ وبعضهم يتعثر، ماذا عني؟ أنا لا أهتم، لكن ما بال أصابعي ترتعش وأنا أرتشف القهوة.

٧ (غبية)

أنتِ لن تفهمي ، لكني خبأتُ لكِ أفضلُ ماعندي، كنت حريصا وأنا أفعل ذلك، بل كنت مبهورا، حتى أني تمسكتُ بكلمة يا إلهي ياإلهي، ورددتها حتى أكثر من سنين عمركْ وعمري!.

 ٨ ( المرة الأخيرة)

وماذا سيحمل لي الغد أكثر من أنكِ فطرتِ قلبي، توقعتُ أن تمسحي على رأسي، وأنا أجثو أمامك، لكنك أشحتِ بنظرك بعيداً عني، طيب ليكن، هذه المرة الأخيرة التي أركع فيها لغير الله!.


شعر عامية

 ( لك يوم )

يوميات رمضانية

للشاعر / متولي بصل



رمضان شهر الإحسان

والكلمة لازمها ميزان

فكَّر قوي فيها

قبل ما ترميها

وتصيب إنسان

ما هو سهل تلقَّح

واسهل لك تجرح

مش صعب عليك

تجرح بإيديك

وتصيب بعينيك

أو تؤذي بطرف لسان

وانت مفكَّر نفسك أستاذ

والناس حواليك شبابيكها إزاز

لك يوم دمَّك يتعكَّر

لمَّا إزازك يتكسَّر

وتلاقي حالك متبعتر

وتقول وقتها ندمان

ندمان أو مش ندمان

اللي اتجرَّح واتهان

بالزور أو بالبهتان

لا هيرجع زي زمان

ولا هينسيه نسيان

وهتفضل عنده شيطان

مش أي كلام يتقال

فيه كلام بيهد جبال

والكلمة اللي ما بتصيبش

زي ( الشقرف ) بتحش

وتسيب علامات في الوش

وتدمَّر في الوجدان


 




مشاركات الأعضاء

لوحات فنية بريشة الفنانة/ إيما تومانيان

 

المشاركات الشائعة