Translate

الخميس، 15 يناير 2026

في رحاب ذكرى الإسراء والمعراج مقال بقلم : فوزية الكوراني - سورية

 


بمناسبة ليلة الإسراء والمعراج أحببت أن أطوف معكم أيها الأحبة بكلام العلماء حول هذه الرحلة العجيبة التي رحلها سيد البشر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بجسده وروحه مخترقا أجواء الفضاء وإن اختلف العلماء بتاريخ هذه الليلة في الشهر واليوم والسنة

لكن المهم أنها حصلت والقرآن الكريم ذكرها وخلدّها الله.
سورة الإسراء سُميت بهذا الإسم، وتسمى أيضاً بسورة: (بني إسرائيل)، سورة مكية ماعدا الآيات 32، 33، 57، ومن الآية 73: 80 فمدنية.
والإسراء والمعراج تعتبر من معجزات النبي ﷺ وقد اختلف العلماء متى كانا: فقيل أنها ليلة الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول ولم تعين السنة، وقيل أنها قبل الهجرة بسنة، فتكون في ربيع الأول، ولم تعين الليلة، وقيل في ليلة السابع والعشرين من رجب قبل الهجرة بسنة، وقيل قبل الهجرة بستة عشر شهراً، فتكون في ذي القعدة، وقيل قبل الهجرة بثلاث سنين، وقيل بخمس، وقيل: بست. والذي عليه أئمة النقل أن الإسراء كان مرة واحدة بمكة بعد البعثة وقبل الهجرة. ويؤكد علماء المسلمين أن هذه الرحلة تمت بالروح والجسد معاً وإلا لما حصل لها الإنكار المبالغ فيه من قبيلة قريش، وأن هذه الرحلة تجاوزت حدود الزمان والمكان. وروي عن ابن هشام في السيرة النبوية: قال «ثم أسري برسول الله من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وهو بيت المقدس من إيلياء، وقد فشا الإسلام بمكة في قريش، وفي القبائل كلها».
أما شهر الإسراء والمعراج ويومه وليلته كذلك بالتالي كان محل خلاف فقيل ربيع الأول، وقيل ربيع الآخر، وقيل شوال. أما في أي يوم من الشهر كان ؟ قيل ليلة السابع من ربيع الأول، وقيل ليلة سبع وعشرين من ربيع الآخر، وقيل ليلة سابع عشر من رمضان. أما ليلة الإسراء والمعراج فقيل ليلة الجمعة وقيل ليلة السبت، وقيل ليلة الاثنين ... وإن شاء الله يكون ليلة الاثنين ليوافق المولد والمبعث والمعراج والهجرة والوفاة.
ففي الوقت الذي اشتـدت وطـأة الكفر، وتردت أحوال المسلمين وأوضاعهم على نحو يؤذن بمحقهم، فقد حل بهم بلاء شديد بفقد نصيرين كبيرين وسندين قويين لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهما عمه أبو طالب، وزوجته السيدة خديجة أم المومنين. رضي الله عنها
ويأتي فقدهما في وقت واحد ليس بين موت أحدهما والثاني أكثر من أسبوع واحد، فضاعف ذلك من ألم المصطفى صلى الله عليه وسلم، وزاد من أحزانه وهمومه، ولم ينته حتى أعلنه عام حزن حدادا عليهما، وتعبيرا عن درجة الأسى التي بلغها نتيجة فقدهما.
غير أن ذلك لم ينل من عزمه، ولا صرفه قيد أنملة عن وجهته، فلم يضيع دقيقة واحدة من وقته إلا باحثا عن التماس المسلك الذي ينساب منه النور ليضيء أعماق الإنسان ويشع على الكون كله.
وكان عليه الصلاة والسلام موقنا من نصرة من يملك النصر وحده:”وما النصر إلا من عند الله“، وأن غيبة سندين مخلصين في وقت واحد لابد أن تكون وراءه حكمة ربانية قد نوفق في إدراك بعضها باجتهادنا، ولكن إدراك الحكمة كاملة يبقى فوق قدرتنا البشرية المحدودة، بيد أن الشدة يعقبها فرج، وأن العسر يتلوه يسر محقق، واشتداد الأزمات موذن بانفراجها مصداقا لقول الحق
سبحانه في محكم كتابه:”فإن مع العسر يسرا، إن مع العسر يسرا“،
وكاد أن ييأس من وجود ظهير على الحق في مكة، فخرج إلى الطائف، وهو مثقل بهذه الهموم، يحثه هاجس الأمل، أن يجد لدى بني ثقيف من العون ما بخلت به عليه عشيرته وأهله بمكة، ولكنهم لم يكونوا بذاك، فقد أساؤوا استقباله وردوا على دعوته إياهم إلى الله أبشع رد عرفه التاريخ، ولم يقفوا عند حد رفض العون والمساندة، بل أظهروا من اللوم والكراهية والحقد والبغض، قدرا غير مألوف في تقاليد العرب وأعرافهم الأصيلة، إذ أغروا به وسلطوا عليه أوباشهم ورعاعهم، يشتمونه ويسبونه ويقذفونه بالحجارة عن اليمين والشمال، وقد أحاطوا به من كل جانب، حتى ألجأوه إلى بستان أحد الكبار، فلاذ بظل شجرة وقد بلغ به التعب مبلغه، وضاقت عليه الدنيا على سعتها ورحابتها، ولولا الأمل والرجاء وقوة الإيمان، لانهار انهيارا.
أحس بأن أبواب بني البشر قد سدت في وجهه، ولم يبق له من ملجأ يلجأ إليه، ولا معتصم يعتصم به، إلا باب واحد من أبواب الرجاء، وهو الباب الذي كان وسيظل مفتوحا في وجه المكظومين والمظلومين، ولا يمكن أن يغلق أبدا، هو باب الله الذي وقف أمامه داعيا مستجيرا.
لم يدع على الذين آذوه وخذلوه، ولا خطرت بباله أبدًا خاطرة الانتقام لنفسه، ولو شاء أن يفعل ذلك لما تأخرت الاستجابة.
ولكن ذاكرته وعت الحدث في قتامته وبشاعته، وتحدث عنه كأسوإ حدث مر به في ظروف المحنة والابتلاء.
روى البخاري ومسلم عن السيدة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها سألته فقالت له يا رسول الله هل أتى عليك يوم كان أشد عليك من يوم أحد، فقال:”ما لقيت من قومك كان أشد علي من يوم أحد، وكان أشد ما لقيت يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد يا ليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي فإذا فيها جبريل، فناداني فقال:إن الله عز وجل قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت، قال: فناداني ملك الجبال، وسلم علي ثم قال: يا محمد إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك، فما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، ولا يشرك به شيئا”.
إن في طبع أهل ثقيف وإغراء صبيانهم وسفهائهم وأوباشهم بالرسول دليلا على أن طبيعة الشر واحدة في كل الأجيال وسائر الأزمنة، وهي الاعتماد على السفهاء في إيذاء الناس، كما في يومنا هذا!
لم يفعل النبي صلى الله عليه وسلم كرد على سوء صنيع بني ثقيف به إلا أن رفع يديه إلى السماء داعيا الله أن يكشف عنه الضر، ويمنحه من مدده ما يكون له زادا لمتابعة هذه الرحلة إلى نهايتها:
“اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي، وهواني على الناس يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن تنزل بي غضبك، أو يحل بي سخطك، لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك”.
كان دعاء الطائف، الذي دعا به المصطفى الأكرم وهو مكظوم، مكروب، إمام أدعية الرجاء والشدة وأصلها، ومنطلقا لما يمكن أن نسميه بأدب الدعاء الذي أبدع العلماء والأدباء وأرباب البلاغة والبيان في صياغته وعرضه نثرا وشعرا. ولعل من أجود ما سجله أدب التوسل والدعاء من نماذج عالية في هذا الباب.
الإسراء والمعراج ضيافة ربانية:
إن الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء قد سمع نداء عبده وخاتم أنبيائه واستجاب لدعائه بما يكشف عنه الضر، ويريح نفسه من همومها، ويرفع قدره عنده حيث استضافه بحضرته في علياء قدسه، ونقله إليه بوسائل علمه وإرادته، وأقبل عليه بتجلياته، وطوى له الأبعاد والمسافات طيًا، ثم فتح له أبواب ملكوته الأعلى فعرج إلى ما فوق سبع سموات إلى سدرة المنتهى وقربه إليه زلفى، وأوحى إليه ما أوحى وأراه من آياته الكبرى. “إنها ضيافة وأي ضيافة”.
قبل أن أقدم إطار هذه الرحلة، أشير إلى أنها ثابتة بنص القرآن الذي عرض جل ما تضمنته في سورتين:
وتولى تفاصيلها العلماء بدقة متناهية، وشرح مستفيض لأحداثها مما لا يتسع له هذا العرض المقتضب السريع، ولفتت أنظارا بإشاراتها الدالة وآياتها المدهشة، ومعانيها المتجددة. فأفردوها بالتصنيف إبرازا لحقائقها ولإثارة الانتباه إليها.
ولعل أشهر من أفرده بالتأليف من الحفاظ: أبو الخطاب ابن دحية السبتي في كتابه:”الابتهاج في المعراج”.
والأستاذ النظار ابن الأشبيلي في كتابه: “المعراج”.
والإمام محمد بن يوسف الشامي في كتابيه الأول بعنوان:” الآيات البينات في معراج سيد أهل الأرض والسماوات”، والثاني بعنوان: “الفضل الفائق في معراج خير الخلائق”. وقد جمع فيه كعادته فوائد متناثرة لا توجد مجتمعه إلا فيه.
بدأت هذه الرحلة المثيرة ليلًا، من المسجد الحرام بمكة والأصح، قبل الهجرة بسنة واحدة في أشهر الروايات.
ولنتجاوز الخلاف المسجل حول المكان الذي أسري منه أو الزمان والشهر واليوم، والذي انطلقت منه الرحلة بالضبط أهو المسجد؟ أم هو بيت النبي نفسه؟ أم منزل أم هاني بنت أبي طالب رضي الله عنها
عن أبي صالح بن باذام عن أم هانئ بنت أبي طالب رضي الله عنها، في مسرى النبي صلى الله عليه وسلم أنها كانت تقول : ما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو في بيتي نائم عندي تلك الليلة فصلى العشاء الآخرة، ثم نام ونمنا، فلما كان قبيل الفجر ،أهبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما صلى الصبح وصلينا معه قال : " يا أم هانئ لقد صليت معكم العشاء الآخرة كما رأيت لهذا الوادي، ثم جئت بيت المقدس فصليت فيه، ثم صليت صلاة الغداة معكم الآن كما ترين.
أم هو مكان ما في المسجد وجد به صدفة؟ وإن كان الميل إلى أن المسجد الحرام كان منطلقا لها بل أجزموا بذلك؟
ونتجاوز كذلك الوسيلة التي استعملت في هذه الرحلة الأرضية: “البراق” وخصوصيتها ومدى سرعتها، وأوصافها الظاهرة، ولو أنها تستحق الوقوف مليا، بغاية استخلاص شيء مهم، وهو أن هذه الرحلة العجيبة، تمت بواسطة دابة مدهشة تجاوزت سرعتها أنواع وسائل النقل المعاصرة.
أقول: نتجاوز ذلك كله إلى المسجد الأقصى غاية الرحلة الأرضية حيث كان في استقبال خاتم الأنبياء، لتحيته والترحيب به، ثم تقديمه للصلاة معه إماما، لفيف من أنبياء الله ورسله، وبهذه المراسيم ينتهي الشطر الأرضي من برنامج الرحلة الأرضية لتبتدئ الرحلة السماوية “#المعراج”.
الشطر السماوي من هذه الرحلة هو أشد غرابة، وأكثر إثارة من الأول وهو قسم العروج إلى السماوات العلى، انطلاقا من المسجد الأقصى الذي بارك الله من حوله، وانتهاء إلى ما فوق سدرة المنتهى، مرورًا بالسبع الطباق، حيث سمع صريف أقلام القدرة. ورأى من الغرائب ما لا يكاد يوصف، وقابل من أنبياء الله ورسله في كل سماء عددا.
لم يكن العروج على متن البراق كما في الرحلة الأرضية الإسرائية، ولكنه كان من محطة فضائية، وبواسطة أداة اسمها المعراج نصبت خصيصا لإنجاز هذه الرحلة المعجزة.
والمعراج في وصف أهل هذا الشأن هو عبارة عن سلم من نور، طرفه الأسفل بالأرض، وطرفه الأعلى متصل بالفضاء اللامتناهي، حاول بعض الواصفين أن يقر به إلى أذهاننا من خلال وصف مادي لشكله ومظهره، وهو مصعد الأرواح إلى برزخها، حيث تفارق أجسادها التي كانت تعتمرها ومن أجلها يُرى بصر المحتضر يتبعها مشيعا لحظة مفارقتها الجسد وصعودها، مأخوذا بروعة مشهد المعراج الذي يتجلى له في تلك اللحظة الأخيرة التي يودع فيها الحياة الدنيا.
وهو وصف شاعري، وجداني لمحطة فضائية إلهية وصلت الأرض بالسماء، تسخيرا منه لأكرم عباده وأحبهم إليه.
يلاحظ أن الرحلتين: الإسرائية والمعراجية، كان منطلقهما المسجد. الأولى كانت من المسجد الحرام، والثانية من المسجد الأقصى، ولعل هذا يعني فيما يعنيه أن كل إقلاع حقيقي للمسلمين، لا يمكن أن يتم من أي فضاء آخر غير المسجد، فإن شاء المسلمون أن يقلعوا إقلاعا حقيقيا، فإن قاعدتهم الصحيحة هي المسجد، بكل ما يرمز إليه من جمع بين العلم والإيمان الصحيح، لأن المسجد في الإسلام هو مجمع العلم والإيمان، فإن هما اجتمعا فذلك هو الكمال حقا.
لحظة زمنية قصيرة، قربت إلى ذهننا كيفية حدوث الاتصال بين الأرض والسماء وصعود الكائن البشري في الفضاء على أن ضميرنا الديني لا يمكن أن يغيب عنه أبدًا أن هذا الاتصال كان متحققا دائما عبر تاريخ أنبياء الله ورسله بالأسلوب والكيفية التي اختارها الله.
ونستحضر نحن الذين نعيش عصر الفضاء ما يحتاج إليه الصعود في الأجواء الفضائية العليا، واختراق جدار الجاذبية، من أدوات وتجهيزات ووسائل مادية: محطات وتأطير علمي، وبشري، وتكنولوجي ونتصور ما يحشد لذلك من طاقات وقدرات ويرصد لإنجازها من نفقات ضخمة.
ثم لا يمكن لأي رحلة علمية سواء على مستوى المستقبل القريب أو البعيد أن تحقق ما حققته الرحلة النبوية من تصورات وحقائق عن الملأ الأعلى، ولا ينتظر أبدًا أن تفتح أبواب السماوات في وجه الفضائيين كما تفتحت لنبيّ الله صلى الله عليه وسلم.
وإذا كان في المعراج ما يرمز إلى الرفعة والسمو المادي والروحي على مستوى الشعور والإحساس والغريزة ويدعو المسلم إلى أن يسمو عن غيره من سائر البشر بعلو المكانة وسمو الهدف، والتحليق في أفق المثل والقيم الرفيعة، متجاوزا كثافته المادية التي تشده إلى الأرض. فإن في قصة المعراج إشارة إلى إمكانية ارتياد الفضاء والخروج عن نطاق الجاذبية الأرضية، فلقد كان رسولنا المصطفى صلى الله عليه وسلم في حادثة المعراج أول رائد للفضاء في تاريخ العالم كله، بل وإن رحلته الفضائية سبقت التفكير العلمي بألف وأربعمائة سنة، وأن ريادة الفضاء والعودة إلى الأرض بسلام أمر ممكن إذا وقع لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالمعجزة في عصره، فإنه من الممكن أن يقع للناس عن طريق العلم والفكر، لا على معنى أن الريادة الفضائية العلمية ستتمكن في يوم ما من إدراك الرحلة النبوية لأن علم الرحلة النبوية إلهي، وعلم الرحلات الفضائية العلمية بشري،
وشتان بين هذا وذلك، إن علم البشر مهما تطور، فلن يتجاوز مدى معينا، ويبقى ضئيلًا هزيلًا إذا ما قيس بعلم الله تعالى، وصدق الله تعالى: "وما أوتيتم من العلم إلا قليلا"، مما لا يسعنا معه إلا الإيمان بقدرة الله الباهرة، وعلمه المحيط وعظمته المطلقة.


وقد يتساءل من يتساءل:
وما هي الآيات الكبرى التي رآها النبي صلى الله عليه وسلم وهو ينزل ضيفًا على ربه في ملكوته الأعلى؟
إن حديث القرآن ختم قصة الإسراء بقوله عز من قائل:”لنريه من آياتنا” وجعله ذلك مناط رحلة الإسراء.
كما ختم رحلة المعراج بقوله تعالى:”لقد رأى من آيات ربه الكبرى“
وفصل المشاهد والآيات الأرضية والسماوية التي أريها وهي من التنوع والكثرة بحيث لا يستطيع أن يحيط بها حديث من نوع حديثنا هذا ذي الصبغة التذكيرية المحدودة.
ولعل في مقدمتها من حيث الإثارة هذه الرحلة العجيبة التي رحلها النبيّ صلى الله عليه وسلم بجسده وروحه مخترقا أجواء الفضاء، منتقلا من سماء إلى سماء، ثم إلى سدرة المنتهى حيث وقف من ربه الأعلى قاب قوسين أو أدنى فأوحى إليه رب العزة ما أوحى.
وفي مقدمة ما أوحى إليه من التكاليف “#الصلاة” التي كان فرضها من فوق سبع سماوات ودعي رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه ليتلقاها، فكان ذلك من أعظم خصوصياتها.
وفرض الصلاة في المعراج، إشارة إلى الحكمة التي من أجلها شرعت، فكأن الله تعالى يقول لعباده المومنين:”إذا كان معراج رسولكم بجسمه وروحه إلى السماء معجزة فليكن لكم أنتم في كل يوم خمس مرات، معراج تعرج فيه أرواحكم وقلوبكم إلي، ليكن لكم عروج روحي تحققون فيه الترفع عن أهوائكم وشهواتكم وتشهدون به من عظمتي وقدرتي ووحدانيتي ما يدفعكم إلى السيادة على الأرض لا عن طريق الاستعباد والقهر والغلبة، بل عن طريق العمل والتمدن والعلم والخلق الحسن.
ولعله بسبب هذا العروج الذي يناله من يصلي صلاة حقيقية، كانت الصلاة مناجاة وخطابا مباشرًا وحوارا متصلا بين المصلي وربه، وكان الساجد لعظمة الله أقرب الناس وأدناهم مرتبة منه، مصداقا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم:”أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد”.
“اللهم اجعلنا من المصلين الذين تعرج بهم صلاتهم إلى حضرة قدسك”.
وأعود إلى رحلة الإسراء في محاولة لفهم الحكمة من وراء الربط بين المسجد الحرام والأقصى، وما حوله من الأرض المقدسة وما لعله يهدي إليه هذا الربط من حقوق لهذه الأماكن في ذمة المسلمين مسؤولون عنها مسؤولية مباشرة أمام الله عز وجل.
ولعل أول ما يفهم من أحكام الصلة بين القبلتين أن الأقصى وفلسطين من مقدسات الإسلام، والدفاع عنها وحمايتها، هو دفاع عن الإسلام وحماية لمقدساته، والتفريط فيها تفريط في الإسلام نفسه، وإن استصراخ الأقصى نداء موجه إلى ضمير كل مسلم أينما كان موقعه في شرق أو غرب، والجهاد من أجل تحريره وتطهيره واجب بالنفس والمال والكلمة النافذة، والصلاة الخاشعة كما أن الربط بين الإسراء والمعراج، وجعل الأقصى منطلقا للمعراج دلالة على مدى ما لهذا البيت من مكانة وقدسية عند الله.
ولنا كذلك أن نستشعر من هذا الربط بعدًا تاريخيًا يرتبط بتحول في القيادة الروحية، ذلك أن النبوة والرسالة ظلت طويلة في بني إسرائيل، وظل بيت المقدس مهبط الوحي، ومنبت الأنبياء، فلما أهدر اليهود كرامة الوحي، واستهانوا بأحكام السماء، حلت عليهم اللعنة وتقرر حرمانهم من هذا التكريم، وتحويل النبوة عنهم إلى الأبد، فكان أن وكل الله هذه الرسالة إلى قوم ليسوا بها بكافرين، إعلانا بانتقال القيادة الروحية في العالم من أمة إلى أمة، ومن بلد إلى بلد، ومن ذرية إسرائيل إلى ذرية إسماعيل.
ومضت إرادة الله على الرغم من تمرد اليهود وإنكارهم لهذا التحول، وحملت الأمة الجديدة رسالتها، وورث نبي الإنسانية تعاليم إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، وقام يكافح من أجل نشرها ودعوة الناس إليها، فكان من تمام وصل الحاضر بالماضي وإدماج الكل في حقيقة واحدة، إذ يعتبر المسجد الأقصى ثالث الحرمين في الإسلام تقديرا لدوره التاريخي في القيادة الروحية، وأن ينتقل إليه الرسول صلى الله عليه وسلم في إسرائه فيكون هذا الانتقال بمثابة تحية إجلال وتكريم للإيمان الذي درج قديما في رحابه. ثم يجمع الله الرسل السابقين من حملة الهداية في الأرض ليستقبلوا صاحب الرسالة الخاتمة، دليلًا على أن النبوات يصدق بعضها بعضا، ويمهد السابق منها للاحق، مصداقا لقول الله تعالى:”وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيناكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتومنن به ولتنصرنه “
وقد اتفق العلماء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بإخوانه الأنبياء ركعتين بالمسجد الأقصى، فكانت هذه الإمامة إقرارا بأن الإسلام كلمة الله الأخيرة إلى خلقه، أخذت تمامها وكمالها على يد النبي الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم.
وقد أخبر عليه الصلاة والسلام عن هذه الاستمرارية والامتداد الروحي وأن اللاحق يكمل عمل السابق عند ما قال:”إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له، ويقولون هلا وضعت هذه اللبنة؟ فأنا تلك اللبنة وأنا خاتم النبيين ”
ويجرنا هذا إلى الإذعان والإقرار بأن الأديان المعتمدة على الوحي السماوي معروفة، وليس منها طبعا ما اصطنعه الناس لأنفسهم من أوثان وطقوس قديمة موروثة وحدثية مصنوعة.
وكان بالإمكان لو سلم القصد وخلصت النيات من الشوائب أن توضع أسس عادلة لوحدة دينية تقوم على احترام المبادئ الثابتة المشتركة بين كل الأديان، وإبعاد الهوى عن استغلال الفروق التي تختفي مع الزمن، أو تفقد حدتها مع مرور الأيام، وإن الإسلام الذي يعتبر تعاليمه امتدادا للنبوات الأولى، ولبنة مضافة على بنائها العتيد لأول من يرحب بهذا التوجه ويباركه ويزكيه.
وإن ارتفاع نبي الإسلام وعروجه إلى أعلى عليين انطلاقا من الأقصى وفلسطين ليشعر إن شاء الله بظهور الإسلام وانتصاره في خاتمة المطاف، كما علا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن تجاوز كل ذرائع الإحباط، وانتصر على قوى العدوان والشر والشيطان، وما المحنة التي تجتازها الأمة الإسلامية اليوم إلا ابتلاء من الله لدرجة إيمانها ومستوى يقينها، وغدا “يفرح المومنون بنصر الله، ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم، ويعود المسجد الأقصى منبع الأنبياء والمرسلين إلى الأمة الإسلامية وينصرها على بني إسرائيل
" وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون".
عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم من عروجه إلى مسراه، ومنه إلى المسجد الحرام، نقطة الانطلاق الأولى في الليلة نفسها والليل، إذ لم يستغرق كل ذلك سوى جزء بسيط من الليل لم يتعد أربع ساعات في تقدير البعض.
عاد وقد عرف مكانته عند ربه إذ آتاه ما لم يوت أحدًا من خلقه. عاد بعد أن أودع ملف هذا الدين سبقا إعجازيا في ميدان قهر المسافات، وفتحًا في ريادة الفضاء. وها هو العلم، بعد أربعة عشر قرنا من الزمن، يتحرك في محاولة للتغلب على الأبعاد وغزو الفضاء على نحو ما يفعله البشر عندما يعتزم استخدام ما أودع الله فيه من قوى ذاتية وسخر له من إمكانات طبيعية.
على أن الإسلام قد هيأنا لقبول مثل هذا الإعجاز بما زودنا به من إيمان ودعانا إليه من إقبال على المعرفة.
إن حديث القرآن عن السرعة المذهلة في نقل الأشياء،
وحدثنا كتاب الله في قصة بلقيس ملكة سبأ عندما عزم عليها سليمان أن تقدم عليه بفلسطين، فأمر خدام المملكة من الجن بإحضار عرشها قبل أن تحضر بشخصها على أن يكون ذلك بأقصى سرعة ممكنة، فأظهر فريقان منهم قدرتهما على فعل ذلك.
أما أحدهما، فقال: أقدر على إحضاره قبل أن تقوم من مقامك، وهذه سرعة خارقة أن يحضر شيئا من اليمن إلى فلسطين في أقل من حركة الجسم قياما من قعود،
ولكن سليمان استبطأ هذه السرعة، فطلب سرعة أكثر، فكان الثاني أقدر على إحضاره في أقل من لمح البصر، وكان هذا فريق أهل العلم.
فحديث القرآن هنا يربط السرعة بالعلم، وإن العلم يستطيع أن يحقق الكثير.
وفي نقل الصورة نجد حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم
عندما طلب منه المشركون أن يصف لهم المسجد الأقصى، فظهرت صورته أمامه وصار ينظر إليه ويحدثهم عنه، والصورة ماثلة أمامه كأنه ينظر إليها على شاشة تلفاز يعرض شريطا.
عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة وأخذ يحدث عن رحلته المثيرة.
فكان الملأ من حوله فريقين:
فريق معارض رافض على رأسه أبو جهل، عمرو بن هشام، حاول أن يجعل من حدث الإسراء والمعراج سلاحا يضرب به مصداقية النبي صلى الله عليه وسلم ويشكك في جديته، وهم ينطلقون في تصورهم من منطلق القدرة المحدودة للإنسان، وأن العادة جرت بأن القافلة التجارية لا يمكن أن تقطع المسافة في أقل من شهر ذهابا وشهر آخر إيابا.
وقد استطاع أبو جهل والمعارضة أن يؤثر إلى حد ما في ضعاف العقول والإيمان، ويزرع الشك والبلبلة في الأوساط العامية، ولو أن أبا جهل بالخصوص كان في قرارة نفسه مقتنعا بصدق ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم، قد يؤيد ذلك ما صدر عنه هو نفسه في حالة من حالات يقظة ضميره، حين كشف عن الخلفية الحقيقية التي تقف وراء معارضته ورفضه.
سئل مرة على رأيه في محمد أهو غير صادق في نظره؟ فقال: كلا، ولكننا تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا ما تحاذينا الركب وكنا كفرسي رهان، قالوا:”منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك هذه، والله لا نصدقه أبدا”.
وينتهي حديث الإسراء والمعراج، وتنتهي معه مرحلة الدعوة في مكة لتبدأ مرحلة النصرة بالتحول إلى المدينة حيث يتحقق هناك وعد الله بالنصر والفتح.


أثر حدث المعراج المعجز في الأدب العربي والآداب العالمية المختلفة تأثيرا قويا.
ففي الأدب العربي كان صداه واضحا عند أبي العلاء المعري في الرحلة الخيالية إلى الجنة والنار في “رسالة الغفران” التي كانت رحلة رائعة التصوير محلقة فوق قمم الفن والإبداع، وتلك الرسالة ذاتها ألهمت شاعرا إيطاليا الرائد دانتي في كتابه الشهير:”الكوميديا الإلهية”.
حدث الإسراء والمعراج وصلته بالمسجد الأقصى والقدس الشريف:
تتجدد ذكرى الإسراء والمعراج كل عام، وتمضي بكل ما تحمله من معان ودروس وعبر وأسرار، دون أن يتحقق ما هو مرجو من هذه الذكريات، على مستوى التعبئة الروحية، بل ودون أن يتحقق حتى الحد الأدنى من الإحساس بالانتماء الحضاري والتاريخي لدى السواد الأعظم من الأمة، وكأنها حدث لا يعني شيئا لديننا.
ويتجدد مع تجدد الذكرى على الساحة الإسلامية من النكسات ما يراكم الاخفاقات المتواترة والتي لم تعد الذاكرة قادرة على استيعابها. ولولا أن المحن قديمها ومتجددها قد استنزفتنا، لكانت ذكرياتنا مناسبة لوقفة تأملية، قد تكون دليل هذه الأمة إلى تشخيص العيوب، وتحديد أسباب الداء والبحث عن دوائه الناجع.
وقد يلاحظ أن النمو الديموغرافي للمسلمين في تزايد مطرد، ويلاحظ بالمقابل ترد رهيب وذهول محزن على مستوى الشعور بالذات، والتسارع نحو الانسلاخ عن النفس، والدفع السريع نحو الاندماج في الآخر، والانبهار به واتباع خطاه شبرا بشبر وذراعا بذراع.
والسؤال الذي يطرحه الملاحظون هو: ما شأن هذه الكتلة البشرية الهائلة من حيث كمها، الهزيلة من حيث جدواها وفائدتها لا تخجل من نفسها، ولا تبالي بما يصب عليها من أشكال التنقيص والتهوين من قدرها، سيما وهي لسوء الحظ تمثل تراثًا تاريخيًا وعلميًا وحضاريًا ما يزال العقلاء يذكرونه بقدر من الاحترام.
لماذا رضيت هذه الأمة بالهوان واستكانت للذل، وألفت المسكنة، وهي التي تملك من أسباب النهضة وشرائط الإقلاع المادي والمعنوي ما يجعل منها المثل الأعلى والقدوة الحسنة للآخرين، ولكن:
ومع ذلك فلا بأس من الأمل والرجاء، فقد تحدث المفاجأة، ويحصل ما ليس بالحسبان.
ولعل في ذكرى حدث الإسراء والمعراج بما تضمنه من أبعاد ودلالات، ما يساعد على تجاوز الضعف واستعادة الوعي بالذات، والانتصار على التحديات.
أما على مستوى الأقصى الذي بارك الله حوله وهوكان غاية الرحلة الأرضية “الإسراء” ومنطلق الرحلة السماوية “المعراج” فإنه جرح عميق، في قلب كل مسلم، أينما كان موقفه في شرق أو غرب، وعلى أرضه المباركة تتجلى قصة الهوان بكل فصولها ومشاهدها التي يشيب لها الولدان. قصة الضياع والهزيمة تتجلى بشاعتها وقبحها أيضا، في استجداء الحل وطلب العفو والرحمة من الغاصب المحتل، ولو كان ثمنه الركوع والخنوع والعار، بالرغم مما نتلوه، ونعيد تلاوته في كل وقت وحين في كتاب ربنا الذي يقول:”ولن ترضى عنك اليهود والنصارى حتى تتبع ملتهم“.
ولكن لا بأس على الإسلام، وقد تكفل الله بحفظه وانتصاره ولو كره الكافرون، فإن يضعف قومنا اليوم عن حماية الوجود، وحفظ العهود، فإن الله سيستبدل بهم قوما آخرين أولي بأس شديد، تحقيقا لوعده الذي لن يتخلف أبدا فقد قال وهو أصدق القائلين:”وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم، ثم لا يكونوا أمثالكم“
هذا والله أعلى وأعلم.. اللهم علمنا ماينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما.. اللهم صل وسلم على نبينا وحبيبنا محمد وعلى آل بيته الأطهار وصحبه الأخيار.


رجل وظل وجميلة في الشمال قصة بقلم د. أشرف مبارك أحمد صالح

 

قد تكون صورة ‏تحتوي على النص '‏جميلة رجل وظل في الشمال قصة د أشرف مبارك أحمد صالح‏'‏

رجل وظل وجميلة في الشمال

قصة
د. أشرف مبارك أحمد صالح
اليوم أعددت أسلحتي، وقررت المواجهة. كل محاولاتي للهرب كانت تنتهي بالفشل وآخرها كانت قبل يومين. جذبني من ياقة قميصي بعنف وقال: لن تستطيع الهرب. جلست على كرسي في مواجهة باب الشقة. جهزت أسلحتي.... مطرقة، وأوتاداً، وحبلاً، وشريطاً لاصقاً، مثل الذي يستخدم في العمليات الجراحية. كفّاي تنضحان بالعرق. وخوفٌ مما أنا مقدمٌ عليه يزلزل كياني ويشتت تفكيري. حاولتُ تثبيت نفسي بتلاوة بعض الدعاء عسى أن تكون هذه المحاولة الأخيرة.
***
قبل يومين توجهت الى محطة القطارات، وابتعتُ تذكرة في القطار الليلي المتوجه إلى المدينة الكبيرة... فكرت كثيراً في أن أعود لأجمع أغراضي، لكني فضلت أن أبقى في انتظار القطار خوفاً من أن يلحقا بي ويعيداني إلى دائرة سلطانهما. وأخذتُ أتخيل العالم بدونه... ظل يلازمني منذ أن بلغتُ الحلم... احتل حياتي، وغيَّب إرادتي... وتخيلتُ العالم بدونها تلك التي سرّبها الظل إلى حياتي دون إذن مني، وسحرني بسحرها... ساحرة... العالم بدونها لا طعم له.
وتحرك القطار. وبدأ اهتزازه الذي أحببت. لم تثنني ثرثرة العجوز المخمور الذي كان يجلس أمامي من الاستلقاء للنوم. سألني إن كان بلدي أجمل أم هذا البلد فأجبته وعيناي مغمضتان بمثل شائع عندهم: كل بلاد الدنيا تكون جميلة إلا إن الوطن دائماُ أجمل. وقلت في نفسي حتى ولو لم تكن فيه...... وخفت من ذكر اسمها حتى ولو بيني وبين نفسي...... ونمت. حلمت بالعالم الجديد. وصحوت على وصول القطار، وغادرت العربة، فوجدته يقهقه في وجهي وفي عينيه نظرات عاتبة وساخرة ويقول لي: لن تهرب مني، لأنني أكون في كل مكان تكون فيه. ثم ضحك وقال: أنت لا تعرف كنت أراقبك طوال الليل في القطار وقلت لنرى نهاية الأمر. حاولت الدخول إلى محطة المترو لعلني ألوذ بزحامها، لكنني كلما خطوت خطوة وجدته أمامي... واستسلمت، وبدأت رحلة العودة.. وكانت في استقبالي.. ساحرة لها سحر خاص بها... فاتنة وفتنتها خاصة بها... سعيدة بعودتي. وفي الشقة مسحتْ على شعري بحنان، وقالت: لابد أنك مشتاق إلى أهلك. أغمضت عيني وقلت: ومشتاق إلى نفسي... أخضع له تماماُ حينما أستسلم لانتهاكها حدود نفسي وجسدي... فتحت عيني فوجدتها تنظر إليه وكفها الناعم الرقيق يربت على رأسه وهو مستلق يضع ساقاً على ساق ويحرك يديه كأنه يمسك بخيوط يجذب بها شيئاً... رائحتها كانت ترتع في أنفي، وعبق مثبت الشعر النفاذ يتسرب من خياشيمي إلى رأسي، فيسكرني. طرق سمعي صوتها الحنون - فيم جلوسك قرب الباب؟ وما كل هذه الأشياء؟ لقد أحضرت كعكة وبعض الفطائر وحالا سأعد الشاي وأجهزة المائدة. كانت تغمرها فرحة غير عادية، وابتسامة عريضة تحتل أغلب وجهها... ربما كانت فرحة بما جلبت من السوق. الغريب أنني لم أنتبه حين فتحت الباب. كيف دخلت؟ لماذا لم يأت معها؟ ... لابد أنه منزو في ركن من الأركان فهو يكون حيث أكون. منذ أن بلغت الحلم وهو يرافقني، وربما منذ أن كنت كتلة طرية في حضن أمي لا أستطيع تمييز الأشياء. وعندما تعلمت الأسماء وميزت الأشياء شعرت به كياناُ يوازي كياني، وقوة أكبر من قوتي، وعقلاً له من الذكاء أكثر مما لعقلي... أظنه يعرفني جيداً بقدر جهلي به. طالما تلفت باحثاً عن مفر، وتعوذت بالله من الشيطان الرجيم، وكثيراً ما جريت وأنا مملوء رعباً.
قالت لي: انتبه للماء في السماور. ودخلتْ الحمام. ارتعشتْ يداي وأنا أسمع صوت الماء وهو يغلي مختلطاً بصوت سقوط الماء من الدش في الحمام... اندفع الدم إلى عروق رأسي بقوة، وأحسست بنبضها مثل صوت تدافع عجلات القطار على القضبان.
عرفتها ذات يوم كان ينقر فيه على رأسي ليمنعني النوم. كنت عائدا من مدينة ساحلية حيث قضيت عطلة الأول من مايو. في ذلك اليوم أصبحنا ثلاثة. في ذلك اليوم كانت عيناي مقيدتين إلى تنورة قصيرة جداً تكشف عن فخذين سويين يهتزان مع كل هزة وكل حركة للقطار. وانتبهت إلى أن عينين زرقاوين كانتا تحدقان إلي، فأشحت بوجهي في خجل إلى النافذة. رأيت القاطرة في المنحنى البعيد ترقص غير مبالية بما تجر من عربات، تقهقه مثل الذي ينقر في رأسي. – تفضل أيها الرفيق.. وجدت الفتاة قد وضعت طعاماً عل الطاولة وقنينة بها سائل صافٍ كالبلور، وصبت منه في قدحين، وكررت دعوتها. اعتذرت لكن شيطاني أفرغ كل ما في القدح في جوفه. – جميل أنك تعرف لغتنا. لا... لا... لست أنا الذي يجيد لغتكم، بل هو. وملأتْ القدح. وصل القطار ونزلت معي ويدها في يده.
خرجتْ من الحمام مبللة... تروح وتجيء في إعداد المائدة... عاتبتني لأنني لم أنتبه للماء الذي كان يغلي. دخلتْ إلى الغرفة وارتدتْ أجمل ثوب لديها ذلك الثوب الأسود الطويل المنتفخ الأكتاف الضيق من الخصر وحتى الركبتين الواسع أسفل الركبتين، في صدره تناثرت حبيبات لامعة مثل نجوم السماء، جلبه الآخر من إحدى مدن الغرب الصاخب لكنها ما زالت تقول بأنني من أهداه إليها... هنأتني بعيد ميلادي وصبت السائل البلوري في قدح وقدمته إلي... صوتها الحنون سيهزمني.. ينتهي مساحات من نفسي.. تتلاشى الحدود بين جسدينا.. سألتني وهي تمد القدح إلي – ما بيمينك يا عزيزي؟ – مطرقة. – أعلم أنها مطرقة. أعني ماذا تفعل بها؟ – ما يفعل الناس بها، وليس فيها مآرب أخرى. – حسناً يا عزيزي لا تغضب. لن أدع هذا النهر الدافق من الحنان يهزمني الليلة أيضاً.. هذه إحدى حيله.. جذابة في هذا الثوب.. أفلحت علبة المكياج في أن تجعلها أكثر فتنة وإثارة.
والنهر يتقدم نحوي، يغمرني ويشل تفكيري، يزداد الطرق في رأسي وفي صدري.. أتلفّتُ باحثاً عنه، لا أراه. بدأتُ أستسلم، وحدودي تُنتهك وكل عضلة في جسمي ترتخي، وقبضة يدي على المطرقة ترتخي، وأنفي يغوص في كتلتين طريتين، يفوح مهما عطر مثير. كانت أجمل الفتيات في تاريخ النساء. كادت المطرقة تسقط من يدي والنهاية مني بمنى خطوة. ظهر يقهقه ويشير إلي إشارة فهمت منها أنه يشد على يدي يهنئني.. نفسي ما زال يدغدغها التمرد والنهاية قاب قوسين أو أدنى، قفزتُ وأمسكت به وهويت على وجهه بالمطرقة.. قاومني لكن ضربة أخرى جعلته يتهاوى.. في عينيه ذات النظرات... ألصقته بالحائط.. دققت الأوتاد في كفيه وألصقت ساقيه بالشريط اللاصق، ولم تمض سوى أقل من دقيقة حتى كان مشدود الوثاق مصلوباً على الحائط، يسيل الدم من كفيه ومن أنفه.. التفتُ إليها.. كانت تصرخ مذعورة – ما الذي تفعله؟ لماذا دققت المسامير على الحائط؟ – لقد صلبته. لم أرها مذعورة أبداً لكنني لم أر أجمل منها في تلك اللحظة.. تقدمت نحوها.. كانت مستسلمة، وجمالها فاق كل جمال، وكنت أنا في قمة توتري.. قيدتها بالحبل إلى السرير.. بكت بحرقة.. أخذت حقيبتي وخرجتُ. ركبت أول طائرة تعود إلى أرض الوطن.. وأخيراً شعرت أنني وحدي. لم أعد أحس بأنفاسه تتردد حولي. نظرت من خلال النافذة لأرى السحب عن قرب.. رأيته يطير بجانب الطائرة، ولوّح لي بيده، وأخذ يدير قبضة يده اليمنى في راحة اليسرى.. يغيظني... أسدلت غطاء النافذة ولم يتبدل شعوري أنني وحدي، ورحت في سبات عميق..
نوفمبر ١٩٩٣
من
رجال مجنحون – دار عزة للنشر والتوزيع بالخرطوم ٢٠٠٣
قد تكون صورة ‏تحتوي على النص '‏جميلة رجل وظل في الشمال قصة د أشرف مبارك أحمد صالح‏'‏

خفة الوقت ( فنتازيا سردية) بقلم : شوقي كريم حسن

قد تكون صورة ‏شخص أو أكثر‏

خفة الوقت

( فنتازيا سردية )
بقلم :
شوقي كريم حسن
«نكتب لكي لا نموت من الحقيقة.»
لم يكن الصباح قد قرّر شكله بعد.
الضوء متردّد، كأنه يجرّ قدميه فوق السطوح،وأنا أجلس أمام الورقة كما لو كنتُ أعتذر لها.قالت الورقة، أو هكذا خُيّل إليّ:
— لا تكتبني إن كنتَ خائفًا.
قلتُ:— لستُ خائفًا، أنا فقط لا أريد أن أوذي أحدًا.!!
ضحكت، كان ضحكي أبيضَ، واسعًا، بلا صوت:
— الأذى لا يأتي من الكلمات، بل من صدقها المتأخّر.!!
في الغرفة المقابلة، ثمة رجلٌ لا أعرفه يربط حذاءه…كلما كتبتُ جملة، شدّ الرباط أكثر…سألته بحزن مشوب بالإرتباك:— لماذا تشدّه إلى هذا الحد؟!!
قال دون أن ينظر إليّ:— أخشى أن أتعثر في ما لم يحدث بعد!!.
محوتُ الجملة…فارتخى الرباط قليلًا.
ثمة سيدة مفرطة الأناقة،فارعة الطويل تشبه جذع نخلة مستقيم، تمرّ كل صباح تحت نافذتي،تحمل كيس خبز، تعدّ خطواتها بصوتٍ منخفض.
حين أكتب عن يدٍ ترتجف، تتوقّف عند الرقم سبعة…وحين أترك فراغًا، تكمل العدّ حتى النهاية…
قلتُ للورقة:—— أترين.. البياض أرحم.
قالت:— لكنه أقل شجاعة.
جلسنا طويلاً دونما كلام.الصمت بيننا لم يك فراغًا،بل ممرًّا ضيقًا نعبره بحذر،دخل الطفل.لا أعرف من أين جاء.ليسألني:— هل تكتب النهاية اليوم؟!!
قلتُ:—- لا نهاية هنا…!!
ابتسم بأسنانه الناقصة:— هذا ما تقوله النهايات دائمًا!!
ناولني قلمًا آخر، أخفّ وزنًا.
قائلاً:— هذا لا يجرح كثيرًا…!!
بدأت أكتب دون أن أسمّي الأشياء.
لم أقل: موت، قلتُ: غياب طويل.
لم أقل: خيانة، قلتُ: كرسي فارغ.
ولم أقل: أنا،،،تركتُ الضمير يتسرّب وحده بين السطور…الرجل أنهى ربط حذائه.السيدة وصلت إلى بابها…
الطفل خرج وهو يلوّح ليَّ،
كأنه يودّع قصة لم تُولد تمامًا.عند الفقرة الأخيرة، توقّفت.الورقة انتظرت، هذه المرة بصبرٍ غريب.
قلتُ لها:— سأتركك ناقصة.
قالت بهدوء الحكيم الذي خسر معركة وربح المعنى:— النقص شكلٌ آخر من الرحمة.
وضعتُ النقطة،لكنها لم تكن في آخر السطر،،،بل في مكانٍ لا يراه أحد،
مكانٍ يشبه القلب ،حين يقرّر أن ينبض
أقلّ قليلًا.،،،في اليوم التالي، لم تعد الغرفة المقابلة فارغة.الرجل كان جالسًا هذه المرة، الحذاء في يده،
كأنه نزع طريقه ووضعه جانبًا.قال لي من غير مقدّمات:— كتبتَ عن الكرسي أمس…!!
لم أسأله كيف عرف.
قلت:— لم أكتب عنك…!!
أجاب بهدوء من تعلّم الخسارة:
— لا أحد يكتب عن أحد. نحن نمرّ فقط عبر الجمل…!!
جلستُ أمام الورقة.كانت أثقل من الأمس.الأوراق — حين تُترك ناقصة — تتذكّر.دخلت السيدة النخلة قبل موعدها.لم تك تحمل الخبز.قالت ناظرة إلى الفراغ قرب النافذة:
— اليوم نسيتُ الرقم سبعة..!!
سألتها:— هل هذا سيّئ؟!!
هزّت كتفيها:— لا أدري، لكنه مختلف..!!
بدأتُ أفهم اللعبة دون أن أوافق عليها.النص لا يؤذي،لكنه يكشف الوزن الحقيقي للأشياء.والأشياء.. حين يُكشف وزنها ..تفرض على أصحابها طريقة أخرى للمشي.في الصفحة الجديدة، حاولتُ الحيلة.
كتبتُ عن شجرة لا علاقة لها بأحد.
عن ظلّها، عن طائرٍ لم يحطّ عليها قط.
لكن الحبر ثقل فجأة،و توقّف القلم كمن اصطدم بعظم.سمعتُ صوت الطفل من الخلف:
— لا تحبّ الاستعارة الطويلة…!!
التفتُّ، لم يك هناك…لكن القلم تحرّك من تلقاء نفسه،،،راسماً خطًّا قصيرًا، مستقيمًا،،،كأنه يقول: —هنا…!!
فهمت…القصة لا تريد أن تُجمَّل،
ولا أن تُخادَع…تريد مسارًا واضحًا،
حتى ولو كان مؤلمًا.سألتُ الرجل:
— ماذا تخشى؟!!
قال بعد صمتٍ طويل:
— أن أكون دقيقًا أكثر مما يجب!!
قالت السيدة النخلة، كأنها تنتظر السؤال:— أنا أخشى أن أعتاد النقص…
كتبتُ ذلك.لا أكثر.في المساء، عاد الطفل.ليجلس على الأرض، قريبًا من قدمي.قال:
— إذا أكملتَ، يتغيّر شيء لا يمكنك إرجاعه…!!
قلتُ:— وإذا توقّفت؟!!
نظر إليّ نظرة من يعرف الحسابات الصغيرة:— يتغيّر الشيء نفسه، لكن ببطء…!!
ظهر الحدث.ليس انفجارًا، ولا اعترافًا،
بل قرارًا داخليًا يشبه إغلاق باب دون صوت.كتبتُ فصلًا كاملًا عن رجل يربط حذاءه ثم يخرج…لا حادثة في الطريق.
كتبتُ عن امرأة تصل إلى سبعة ثم تضحك وتكمل.وعن طفل لا يعود.
حين انتهيت،لم يحدث شيء خارق.
الغرفة بقيت كما هي.لكن الرجل نهض،ارتدى حذاءه دون شدّ زائد،
قائلاً:— الطريق لا يحتاج قسوة…!!
السيدة مرّت في اليوم التالي ومعها خبز زائد.قالت لي:— الرقم لا يهمّ، المهم الوصول…!!
صارت الورقة أخفّ.كأنها أدّت وظيفتها الأخلاقية الأخيرة.في السطر قبل الأخير،كتبتُ جملة واحدة لاغير:
—ليس كل ما يُكتَب يُنقَذ، لكن بعضه يمنع الغرق……………….!!
ثم تركتُ السطر الأخير فارغًا.ليس خوفًا،بل احترامًا لمسافة
يجب أن يقطعها القارئ وحده.
عندما أطفأتُ الضوء،لم يبقَ في الغرفة إلا ظلّ خفيف،لا يدلّ على شيء،
لكنه يؤكّد أن شيئًا مامرّ من هنا
وخرج أقلّ ألمًا.اقترب الظلّ من الجدار،لا ليكبر، بل ليصير أوضحاً.
لم يك ظلّ جسد،بل ظلّ قرارٍ اتُّخذ في مكانٍ لا يُرى…سمعتُ الورقة تتنفّس.
نعم، تتنفّس،كما لو أنّ البياض وجد مبرّرًا للبقاء.قالت، وهذه المرّة لم يك في صوتها حكمة ولا سخرية:
— الآن فقط صرتُ نصًّا…!!
قلتُ:— لأنني أنهيتك؟
قالت:— لأنك توقّفت عند اللحظة الصحيحة…!!
جلستُ على الأرض.الكتابة، حين تنتهي حقًّا،تُسقِط الكاتب عن كرسيه.فكّرتُ في الرجل،،،في السيدة،في الطفل الذي لم يعد…لم يختفوا،بل تحرّروا من ضرورة أن يكونوا رموزًا.صاروا ما هم عليه:—عابرين نجوا من تفسيرٍ زائد…!!
في الخارج، بدأ الصباح أخيرًا يشبه نفسه.الضوء لم يعد متردّدًا.كان حاسمًا،كمن قرّر أن يفضح الأشياء دون قسوة.نهضتُ،تاركاً الورقة حيث هي،لم أضع عنوانًا ثانيًا،ولم أشرح شيئًا.عرفتُ — متأخّرًا وبالقدر الكافي —:أن القصة المحكَمة ليست تلك التي تُغلق كل الأبواب،بل التي تترك بابًا واحدًا مواربًا ،حيث يستطيع الانسان الخروج حاملاً وجعه بيده لا في صدره.
عندما التفتُّ للمرة الأخيرة،لم يك الظلّ قد اختفى، قد وجد مكانه الصحيح:خلفي،لا يقودني،لا يطاردني،
بل يذكّرني أن ما نكتبه لا ينبغي أن يكون أثقل من قدرتنا على العيش بعده.،،!!
قد تكون صورة ‏شخص أو أكثر‏

مشاركات الأعضاء

لوحات فنية بريشة الفنانة/ إيما تومانيان

 

المشاركات الشائعة