عدت لحى الأقواس
قصة
القاصة تركية لوصيف
--------------------
-------
موسيقى تنبعث من البيت القديم الذى يظهر قرميده الأحمر المهترىء، البيت الذى كان يعج بالحياة فى زمن بعيد ، الصور القديمة لمن سكنوه بقيت عالقة على الجدار والذاكرة التى حدد اليوم تكسيرها .
رنين الهاتف ، المجيبة : نعم ، أنا هنا لقد عدت لبيت الاقواس.
تواصل حديثها بينما تبعد الستار الرث عن النافذة وترى العالم الخارجى ، ترى نفسها وهى تجرى نحو والدها العائد للبيت منهكا بالرغم من جسده المتين ، تسرق لحظات جميلة عندما يحملها بين يديه ويقبلها فتحتمى به من العالم الموحش الذى كانت تتوقعه ،
تتذكر قفل جهاز الهاتف فى وجهها من طرف يد خشنة سمراء وهى تضع السماعة منهية حديثها : سأعود بعد أيام ..
فريق من العمال يحضرون فتوجههم المرأة لما سيعملون :أريد ألوان الطلاء ذاتها لأنها ألوان اختارتها سيدة البيت الأولى أمى ، أريد خزانة واحدة تشبه الخزانة القديمة هذه ، ضعوها بهذه الغرفة الموصدة ، تتوقف برهة ثم تتجه للباب وتحاول الدخول ولكن يظهر أن الباب صعب فتحها
هل نكسر الباب ياسيدتى ؟
لا ، سأبحث عن المفتاح فأمى كانت تضع أغراضها هناك مشيرة إلى علبة فوق الخزانة ، يناولها العامل العلبة التى يعلوها الغبار فتنقطع أنفاسها وتسقطها من يديها
العامل يتردد فى الحديث ثم يتشجع : سيدتى ، غادرى المكان وسنتصل بك فور الإنتهاء من الترميم والطلاء وجلب الأغراض التى تريدين ، أرى أنك ستختنقين ليلا من المكان الذى يحتاج للتهوية
كانت المرأة تبتسم لكلام العامل عن الإختناق ولكنها أخبرته أنها تتنفس عبق المكان الذى عاشت به فى الماضى البعيد وهى تشعر بتحسن..
حذاء قطنى رجالى مخطط بألوان داكنة ، كان حذاء أبى الذى يلبسه كلما توجه للمسجد القريب من الحى ، بقى فى حالة جيدة لأنه لم يلبسه إلا أيام قلائل ثم استسلم للمرض الخبيث ، الغرفة الموصدة تشهد عن أنينه ليلا وهو يتوجع ، تلتفت المرأة للعامل وتطلب منه إحضار دواء تسجله على ورقة تمزقها من كراس ، أريد هذا الدواء ، أجلبه لى حالا ..
يرحل العامل بينما تتمكن من فتح الباب الموصدة بعد وضع شيء من الزيت على القفل والمفتاح وترتمى على ذلك السرير فتغفو
، أختى ،نريد قصة من قصصك قبل النوم ، ولكن أمى تستمع إلينا هيا ناما ،نقترب ثلاثتنا من بعضنا وكنت أتسوطهما ، شقيقتاى إحداهما كانت بجسم ضخم كدب صغير والأخرى كانت نحيلة وذات شعر ناعم منسدل ببشرة سمراء ، أنا فى المصيدة الآن وسأروى لهما القصة بصوت خافت ، تلك الوشوة كانت واضحة فى أذن أمى التى تنسج الأغطية ليلا بعدما ينام والدى ، كانت تستمع لقصتى ثم تنزع الغطاء عنا وهى تحمل سوطا بيدها وتلك النهاية تضعها هى فى كل مرة .
تشجعت يوما وسأ لتها : لما تضربيننى يا أمى كلما قصصت قصة لشقيقتاى ؟
أجابتنى بحب يخلطه بعض الأسف :لا أريد أن يشاع عنك أنك مجنونة ، من أين تأتين بهذه القصص كل مرة ، لاتبدين طبيعية أبدا مثل شقيقتيك الدبدوبة والنحيلة .
صوت الرصاص فى حى الأقواس ، لحظات وتعالت الأصوات : لقد سقط شهيدا ، شهيد فى أيام رمضان يرديه مجهولون جثة هامدة وهو متوجه للمسجد لصلاة التراويح ، كنا نتشتت فى شرفة البيت التى تطل على الأقواس فى ظلمته الحالكة ، بينما يتغير الحال فى الصباح ، الباعة المتجولون ومن يعرضون بضاعة رخيصة على الأرصفة لامجال للمرور والوصول للبيت لا يفرقهم إلا صفير سيارة الشرطة التى تتوقف على عجل ، تفتيش ، تفتيش ..
الشرطى : من صاحب هذه البضاعة ؟
-أحد الباعة : سيجلب فنجان قهوة من مقهى ذاك ، هاهو قادم ياسيدى
التفتيش وفنجان القهوة بيد و كيس باليد الأخرى
الشرطى ينتزع ذلك الكيس فيعثر على مسدس :طوقوه ، يطوقوه ويفر الباعة ويتنفس حى الأقواس من جديد
حبيبة أبى
فى ريف المفاتحة وفى سنوات القرن التاسع عشر ، تلك الدشرة التى يطلق عليها المعاذير يتوافد إليها الفتية الأشداء يتسامرون كل ليلة لحد الإنزعاج الذى كانوا يسببوه للمشايخ حفظة الكتاب ، كانوا جميعهم بنفس الملامح الخارجية ، اللحية البيضاء المنسدلة واللباس العربى وكل يركب فرسا فى حال ما توجه أحدهم للسوق للبيع والشراء بالمقايضة ، الشاب عيسى فى حالة سكر يتهجم على جموع الشباب وكان يقصد نده عبدالكريم ..
وطئت ظهر أمى إن نلت ما تريده من بنات عشيرتى
يقف الشاب عبدالكريم وبنبرة تحدى : سأطأ من أشاء من نسائكم وأنت قبلهن
الجموع يضحك ..
يتهجدم السكير على عبدالكريم الذى يدفعه بيد واحدة فيقع أرضا ويغادر غاضبا ، يقتحم مخدع العجوز السمراء فاطمة ويرتمى باكيا فى حضنها فتحضنه بقوة وهو بكرها الذى أنجبته لسيدها وبعلها عمر وكان يشبه أبيه فى بأسه وشدته
- اخطبى لى البنت اليافعة مباركة
- العجوز مندهشة : شقيقة السكير عيسى بن خالك ؟
-أريدها يا أمى ولا أريد غيرها
العجوز فى حيرة : ولكنك متزوج ولك من الصغار خمسة والبنت مباركة تقارب بنتك الكبرى عمرا
عبدالكريم يتودد للعجوز وكان على يقين أنها ستغير رأيها بعد ما يسمعها من خبر
العجوز : ذلك السكير البائس..
تباشير الصباح تبعث على الفرح على محيا عبدالكريم وهو يرى العجوز وقد جهزت نفسها لخطبة الحبيبة لأبنها الحبيب ، تلتفت إليه ، وتطيل النظر إليه وإلى زوجته التى تنثر بذور القمح للدحاج ، لم يرمق عبدالكريم زوجته وهى على تلك الحال ، تهتم بالدحاج وبناء القبو ولا ترمقه هى الأخرى لخلجها من قبحها ، العجوز كما لو أنها تلتمس العذر له للزواج من ثانية وثالثة ،ولكن الزوجة كانت تشعر أن الأمر سيبعث على الأهازيج واستخلصت من حكاية العجوز فاطمة التى قصت قصتها على كنتها عندما اشتد عليها ألم المخاض كان الشيخ عمر يدخل عريسا على زوجة ثانية .
فى غرفة العليا ترتب مباركة الفراش لعمها الحاج عبدالقادر ،سرير حديدى أنجزه حرفى ينبأ على ثراء مالكه ، وجدت البنت الحنان من الزوجين اللذين لم يرزقا بالولد فكانت بمثابة البنت لهما ولاقت الحب والدلال وكان جمالها يتفجر أنوثة بالرغم من تجاوزها السنة الواحدة بعد العشر سنين
، بياض وجهها يقابله سواد شعرها المتوج وعيونها اللوزية وقع بهما عبدالكريم الذى كان يتردد على عمه مظهرا احتراما وطاعة ولكن العجوز العونية التى تفخر بحبها لزوجها وكيف اصطفاها من بين الجميع حدبث تفتحه لعبدالكريم الصاغى لها بكل حب وكانت تقرأ تلك النظرات التى يخص بها البنت كلما ظهر طيفها بالبيت
- سيقف الجميع بوجهك ويصدونك عنها ، لا يرونك الزوج المناسب لها وانت تعرف السبب ، فارق العمر وزواجك و أولادك وسهرك كل ليلة فى دشرة المعاذير وشجارك مع السكير عيسى كل ليلة
- وجودى بينكم اليوم حتى أعرف رأيها بى وبخصوص الزواج سأسعدها
- لا تتكلم عن السعادة ياولدى فهى بيد الله يرزقها لمن يشاء من عباده وأنا موافق وأبارك زواجكما وهى ابنتى التى ربيت ولا تكترث لمايقوله خالك وزوجته وابنهما السكير
- تعود العجوز فاطمة لبيتها غاضبة متذمرة رفضت حاجتها من طرف أخيها الحاج بورحلة ، وكانت تقسم أنها السيدة فاطمة زوجة السيد عمر كبير دشرة المعاذير ولن تسقط كلمتها وستزف البنت بعد أسبوع
خطــــــــــــة الحب
الفخورة العونية زوجة الحاج عبدالقادر بمخدعها تطلب من البنت مباركة إعداد القهوة على الجمر حتى يستنشقها الشيخ الذى شعر بالصداع لشجار شقيقته العجوز فاطمة مع شقيقها الحاج بورحلة ، يتحسس جبينه ويتأوه
-آه ، ياله من صداع جلباه لى ، العجوز فاطمة أقسمت بشرف دشرة المعاذير على أن تزف مباركة لعبدالكريم ، وأرى أنها ستنفذ تهديدها كما فعلت مع ضرتها واستحوذت على الحاج عمر من جديد
الفخورة العونية وهى تكحل عيونها وتتأمل ملامحها التى بقيت مرسومة بعد نصف قرن ، تبارك قرار العجوز وتومىء للشيخ بمساعدتها ولكن الشيخ وقع فى حيرة كبيرة : إيه ، سنخسر بعضنا من وراء هذه الزيجة ، ليت الله رزقنى بالولد ، ماكان فؤادى يتقطع الآن ، لكنت صاهرت شقيقتى
على الجمرات تغلى القهوة وترتسم رغوتها القاتمة كسحاب تلك الأمسية التى بدأت قطراتها تبلل تربة البستان المجاور لبيت الشيخ عبدالقادر ، تفاءل خيرا ورفع يديه للسماء داعيا الله أن ينبت فى أحشاء البنت مباركة بذور الحب من بنين وبنات وانسابت الدمعة من مقلتيه
الفخورة العونية تضع بيده فنجان القهوة وبكلماتها الرقيقة التى حفظت بها مكانتها بقلب الشيخ عبدالقادر هامسة فى أذنه : ستنجب الفخورة والصارم معا كما تنجب الحنون والقاسى كما تنجب أرض البستان الورد والفلافل ، هى خصبة مثل خصوبة الأرض وهذا البلل الذى تساقط بلل يحمل نبؤة الزواج عبدالكريم من مباركة
يرتدى الشيخ برنوسه وينظر بعيون الفخورة ويجيبها عن استفهام قرأه بنظرتها ، سأتوجه لشقيقى الحاج بورحلة واستطلع منه الأمر وإن ركب رأسه فالبنت بنتى وأنا عمها ومربيها وسأحسم القرار اليوم
تلك العشية التى يكتنفها بعض الظلام للسحابة الداكنة يتجمع الفتية الأشداء وكان عبدالكريم يراقب مجيىء خاله الشيخ عبدالقادر بالرغم من قامته القصيرة وجسمه النحيل إلا أن له كلمة لا ترد فى دشرة المعاذير ، ترتسم ألوان الحيرة واليأس معا على ملامح عبدالكريم التى تبددها نظرة الأمل التى قرأها بعيون الشيخ
يخرج الحاج بورحلة ويتفقد غنمه القليلة فى الزريبة ويرفع بصره نحو السماء لتزداد السحابة الدكناء سوادا ، تهب ريح تزعزع أركان المكان ، يهرع عبدالكريم لخاله ويدخل الغنم للأصطبل دون فتح حوار بينهما بينما الحاج بورحلة يسدد نظرة العتاب لعبد الكريم الذى يتجاهلها ويشير إلى الشيخ القادم ، يقترب الحاج عبد القادر فيطبع عبدالكريم قبلة على رأس الشيخ تدل على الحب والإحترام وهى عادة تقبيل توارثتها العائلة
بلغنى قدوم العجوز فاطمة وعودتها لبيتها غاضبة لشأن لم تطلعنى عليه ولم أعرفه إلا من الفخورة منذ قليل ، قالت أنها ترغب بابنتنا مباركة كنة ثانية لأبنها عبدالكريم وتم رفضك لطلبها
الحاج بورحلة متذمرا من المكان ومن وجود عبدالكريم الذى تسمر بمكانه وعجز عن الرد الذى تحول لنشوة النصر بالنسبة للشيخ عبد القادر الذى انتظر طويلا انفراج شفتى شقيقه الذى اختصر الجواب بجملة : له من الأولاد خمسة ويكبرها بخمس وعشرين سنة ويرافق المتسكيعن والسكارى
ليس هكذا نقوم الرجال ومن شابه خاله فما ظلم
-من تقصد ؟
-عرفت عائلتنا بالمصاهرات من عدة عروش والتباهى بالنسل الذى حرمت منه دونكم وأنا والفخورة ربينا مباركة ووحدنا من يحق لنا الكلام فى موضوع الزيجة
ينصرف عبدالكريم بعد استئذانهما ، يقطع الأحراش حتى يتراءى بيته من بعيد ، يدخل لمخدعه ويطفأ القنديل
تتهاطل الأمطار تلك الليلة ويستفيق الجميع حتى الصغار الخمسة ، المياه تجرف ماتجده بطريقها وصوت العجوز فاطمة كالرصاص المدوى يبعث على الرعب فى قلوبهم ، يوقد عبدالكريم القنديل ويسرع بالخروج كما لو أن السماء انشطرت لنصفين وأفرغت ما زاد عن حمولتها ، تلك الحمولة تضاهى ما بقلب عبد الكريم ، زوجة كان هو الزوج الثانى فى حياتها وتكبره سنا ولكن يكن لها من الإحترام لطيبتها ، تلك الليلة تحمى صغارها ويوصد عبدالكريم الباب عليهم كما أوصد قلبه ونظر للسماء الماطرة التى كانت تمطر حبا لدرجة تذكر زريبة خاله الحاج بورحلة فهرع ليلا يكابد الخطر المحدق ليقدم المساعدة وفرصة لإظهار شجاعته ، وصل لدشرة المعاذير وتفقد الغنم ، طرق على الباب والحاج بورحلة يرد على الطارق : من هناك ؟
أنا المسعود ولمحت شخصا اقتحم الزريبة وهو بداخل الإصطبل –
يخرج الحاج بورحلة بندقيته و يتفحصها ويسرع للإصطبل : من هناك ؟ ليتفاجأ بوجود عبد الكريم
ينزل البندقية ويقترب منه فيصفعه كما لو أنه اتيحت له فرصة صفعه
-كيف تركت أمك وجئت للدشرة ؟
-جئت للمساعدة فى هذه الليلة وأمى بخير وهى من طلبت منى الخروج ليلا ، قالت ساعد خالك فإحدى عينيه بهما بياض ولايرى إلا بعين واحدة واللصوص كثر فى الشتاء وأردت قضاء الليلة هنا أحرس الغنم
-مع خيوط الفجر الأولى ، يكون بيننا حديث
تبعت خالى على مضض ولم أشأ رٍؤية السكير عيسى الذى كان منبطحا على فراشه وفاهه مفتوح يتسلل منه خيوط اللعاب ، طيف ظهر ثم اختفى ثم اقترب ، طيف غير محبب رؤيته بعدما طوت رسائلى الشفوية وغيرت من ملامحها ، أخفت الحب من كلماتى واستبدلتها بكلمات عبث ، جعلت حبيبتى مباركة تنفر منى ولا تمسك بيدها البضاء المرسومة كقطع الحلوى الفرنسية اللذيذة ما أجلبه لها من هدايا كمشط الشعر وسوار وقرط وعطر ، كانت شقيقتها ذات الآليتين الكبيرتين تتمايل فى مشيتها حتى يخيل إلى أنها تحاول منع نفسها من السقوط والتدحرج كلما ظهرت لى عند النبع أحملها رسائل الحب والغرام لشقيقتها التى أحب ، كانت تطأطأ رأسها فيظهر شعرها الأشعث ويتحدد حجم رأسها الكبيرة
-سويعات ويخرج أبى لسوق أولاد معرف ويعود ليلا وربما يغيب ليومين آخرين وسيكون لك متسعا من الوقت لمقابلتها ولكن هى ترفضك لأنها الصغرى وتريدنى أن أزف لك فأنا الكبرى
بصق عبدالكريم على وجهها كما يفعل مع أى خائن يقابله ، خونة الحب وخونة الحرب يشبهون فى عينيه الكلاب وعوائهم وفصل رؤوسهم عن أجسادهم نصر للرجال الذين يتوقون للحرية فى دشرة المعاذير

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق