المحاضرة
رأيت نفسى في قاعة محاضرات كبيرة ، من حولي طلبة من مختلف المحافظات والجنسيات ،أصواتهم متداخلة، ولا يفهم منها شيئاً ، وكأنها أنفاس سريعة ومتلاحقة . درجه الحرارة مرتفعة جدا والقاعة بلا تكييف، بالسقف مراوح عملاقة كأنها لطائرات هليكوبتر لكنها قديمة ومعطلة. غالبية الطلبة يقومون بتهوية أنفسهم بكشاكيل المحاضرات ، فيما بدا المحاضر ببزته الحمراء الشتوية ورباط عنق أزرق ، كممثل مسرحي، وهو منغمس في شرحه ، غير مبالي بتلك الحرارة الشديدة،ولا بتلك الضوضاء الخفيفة، ومستمتع بدوره وأدائه.!
خلف المحاضر توجد شاشة كبيرة
كشاشات السينما، تعرض مبني من عشرة طوابق، يقف وحيدا وسط صحراء مترامية الأطراف، والريح شديدة عاتية ، فتحات التهوية بالمبنى شبه منعدمة، فراندات ضيقة جداً، الحمامات والغرف من الداخل أيضاً صغيرة وضيقة، المداخل قصيرة. ثم أمسك المحاضر المايكروفون وشرع يوضح لنا، وهو يشير بعصاة رفيعة جدا، العيوب و المآخذ علي هذا العمل الهندسي، الغريب ،هكذا وصفه لنا ، ثم أضاف : عمل غير ذكي وغير إنساني بالمرة ، ثم أردف قائلا: إعادة هندسة المبني، هذا هو واجبكم المنزلى، ولسوف تنحصر درجات أعمال العام بأكملها حول هذا الموضوع.
عاد إلى مقعدة، وعاد معها بنظره إلي شاشة العرض، وقد داخلنا استغراب وتقزز من بزته الشتوية الحمراء !.ثم مرت دقائق إنتبهنا بعدها ، علي صوت صراخ يأتي من آخر القاعة :إرحمونا بقا، افتحوا الأبواب.. نكاد نختنق ياناس..وأنت مارأيك يا بشمهندس؟ .لم يبد المحاضر أي إعتراض علي تصرف الطالب، ولم يفقد أيضاً هدوئه وإتزانه ، فيما وقفت مجموعة من الطالبات ، وقفة ضيق وتذمر ، مطالبين الطالب الثائر بالهدوء قائلين : اتقي الله.... نريد أن نتعلم يا أخي.. اتقي الله ، إذا أردت الخروج، أخرج بنفسك نهائيا من التعليم.. أنت حر !!"ثم ساد صمت شامل عم القاعة بمن فيها ،بعدها سمعنا صوت الباب الرئيسي بجانب المحاضر، وهو يفتح، ويدخل منه فرقة من الشباب يرتدون جلاليب بيضاء ذات ياقات زرقاء ، شعورهم طويلة حتي الأكتاف، ولحاهم تتدلي حتي الصدر !.ثم أخذوا يطبلون وبغنون أغاني شعبية قديمة ... زحمة يادنيا زحمة.. زحمة وتاهوا الحبايب... زحمة ولا عادش رحمة.. مولد وصاحبه غايب...أجي من هنا .. أروح هنا زحمة،وظلت الفرقة فترة علي حالها هذا ، ونحن نصفق ونطبل ونرقص معهم، حتي نسينا المحاضرة نهائيا، واندمجنا مع الواقع الجديد! محمد السعيد

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق