قهوة بالمطر :
_يختفي ولا يشعر أحد بخروجه للشرفة،يريد أن يتنفّس بعمق ويملأ رئتيه،لا شكّ أن تسربات التشاؤم
تهرب وتنبهر بالهواء الجديد مشبّع أكثر بالأكسجين .
_المطر خيط من السماء ،مطر غاضب يرمي حباته
على الأسطح بعنف ،لا أدري أهو للتخلص منها،أم يريد
اعتراف البشر بقوّة الطبيعة وتنبيههم لغفلتهم وتماديهم في ظلمها.
برق يخطف الأبصار ،يفضح كلّ سارق أو خجول،مخيف،ترتعد له الأفئدة بعد الإعجاب والأنبهار
بقوّة الإضاءة ،يتابع كل ذلك بشغف يحبّ المطر،وخاصّة رائحة التربة المبلّلة،لها عطرها الخاص،لا يشمّه إلاٌ انف القروي مثله،الذي شبع من الجري في الحقول،وتتبّع أعشاش العصافير،والأكل من ثمار الوديان،وخاصة التوت الشوكي ( العلاّيڨ ) خلق مع المطر ،ومع قطراته البلّوريّة، منذ صغره وهو يراقب ويسامر الوديان،والسواقي
ويغطس في الماء ينط مع الضفادع،وفرحته تنطٌ وقهقهته تعلو فتمزّق الصمت ويلتفت الكبار،ويبتسمون
له،ويتابعون عبثه ،عبث صبيان،جميل وصادق ونيّته
صافية، صفاء قلبه الصغير والمغامر .
_مازالت الأمطار والرعود قابضة ومهيمنة على الفضاء،الرعود تخيف الظالمين وتنزل أبصارهم للأرض،وتمرّغ أنوفهم ويبقى كبرياؤهم مذلولا حقيرا،قوّة الخالق تذكّرهم وتتوعد وكبار الأنوف
يرتعدون ،ربما تأخذهم فجأة ولم يرتبوا حقائبهم ،ولم يزوروا بنوكهم لمعرفة الرصيد الجديد الذي يتضخم ويمتصّ عرق المقهورين .
_مازال يمتّع نفسه ،وقد جاء بفنجان قهوة،قطرات الأمطار تسقط،وقطرات القهوة تسقط وتنعش الفكر،آه صفاء كليّ ،القهوة والمطر متعاونان،الأولى تكنس ادران الفكر وترمي تشاؤمه،والثانية تكنس فضلات البشر المتحضّرين،الذين الذين يرمون كلّ شيء ثمّ
يشكون الطبيعة ، وتقلّبها وحرارتها .
القهوة تسري في خلايا المخ فتنعشها وتبلغ ذروة الفطنة ،وتتغلغل بين أنسجة المخّ ،فتتولّد شرارة العبقرية ،ويظهر القلم يحرث ارض البور فتعطي الخير.
وكذلك الأمطار تبتلعها الأرض العطشانة،المتشقّقة شوقا للماء،فتنتفخ البذور وتحمل بالأجنة وتخرج البراعم،وتتزيّن الطبيعة بحلّتها وتصبح عروسة مزيّنة
تنتظر ليلة زفافها،لتسافر لقضاء شهر العسل.
_القهوة والمطر متشابهان متكاملان ،إنّه ذكي وجد
هذه المعادلة( قهوة ومطر) ومنفعتهما مشتركة وهو يحبّهما معا،والجميل،والأجمل،عندما زاد ،وأردف سيحارة،إنّه سيّد في الكون،ضمّ كلّ السعادة ،احتوته ،وسيطر كذلك هو عليها،نشوة لا تعادلها نشوة،قلبه يرقص بين
ضلوعه تيها وابتهاجا،ينزل الإلهام ويمسك القلم وتفرح
الورقة البيضاء عندما يدغدغها القلم ،فتترك. القلم يرقص وتتمايل معه والحبر يقذف ويقذف والقلم يخربش،والفكر يعتصر،إنّها فكرة القهوة مع المطر.
ولا واحد وجد هذه الثنائية ( قهوة ومطر) ،هو ذكي جدا وذكاؤه معترف به،حتى مع الجاحدين يرددونه خفية، خوفا من كبريائهنم .
ربّما توافونني ،إذا جعلت عنوان النصّ : قهوة بالمطر .
* الكاتب الجزائري. عبدالعزيز عميمر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق