Translate

الجمعة، 10 يونيو 2022

وسقطت الفناجين بقلم / سمية جمعة - سورية


 وسقطت الفناجين

بقلم / سمية جمعة - سورية

خرج من غرفته الغائمة بفعل تراكم سحب الدخان المتصاعد من عقب آخر سيجاراته الخمس المصروفة بفوضوية في قعر منفضته البلورية ذات الحواف المكسورة، خرج ولم يتلفت لما كتبه على أسطر دفتره الممدد كجثة هامدة على طاولته الخشبية المركونة بجانب النافذة المظللة بستارة وأغصان شجرة الزيتون , كان قد كتب فيها:
لم تكن صدفة حين فتشت عنك ووجدتك قابعة بين الحروف ، سألت عنك الفواصل فأبلغتني بأنك هناك تتلّصّصّين على لغتي و تهتكين سر ما خبأته من بوح.
أنثى البرق أنت، كنت و المطر موعدنا.
ثم خرج .
هناك على طاولة في مقهى عتيق يرتاده طلبة الجامعة ، كان موعده الأولي مع فنجان القهوة، وجد الفنجان ممتلئا بأنثى من نسج خيالاته،وجدها تنشر خيوطها وترسم وجوها على وجه القهوة،ما لبثت أن تجسدت أمام عينيه بلدا مكتظا بالمارة،وحدها أنثاه كانت على جدران مدينته تطبع قبلاتها هنا وهناك، فارتسمت الابتسامة على وجهه، رفع رأسه وأخفضها مرات عدة،كي يتأكد من أن أحدا من رواد المقهى قد انتبه اليه،فعاود الابتسامة، وأطلق تنهيدة قال فيها وهو يخاطب الفنجان: بك يا أنثاي تضجّ الحياة في الأحاديث التي لم أقلها بعد، فأشعر وأنا اناديك بأن نوبات الجنون ستصيب الفنجان أيضاً، قد لا يحتملها فنجاني، ...
فاهتز بين يدي،خاصمتي لغتي حين نسيت مهادنة حرفك و التسلّلّ عبر استعاراتك آه حينها كم اكتشفت أني أحبك!
في نفس المقهى قبالة طاولته جلست شاردة تحاكي فنجانها و تتمعنّ فيه،سمعت آهاته و هو يروي قصته مع صانعه، قال:
كم كان يؤلمني نقش قلب الحب بلا اهتزاز لنبضة و كم كان يؤلمني خدش حياء الأبيض بحمرة الجوري،أمسكته برفق في يدها و أشفقت عليه،كانت كم يمسك يد حبيب تخاف أن يتركها،نظرت إلى الشاب كانت عيناه ترسمان خارطة الوصول إليها، كسهم شارد صوّب نظرته إليها.
تساءلت : ترى لماذا يحدق في الفنجان ؟ هل هو مثلي تستهويه قراءة الهالات السوداء؟
كم وددت لو أعرف ما هو برجه ؟ فأنا الشغوفة بقراءة الوجوه عبر الأبراج.
قلبت فنجانها و راحت تلقي بنظرتها إليه،وجه ينم عن تفكير عميق ، تحتل قلبه أنثى ربما كان يبحث عنها،روح متمردّة تحب العيش بجنون رغم كل تلك الظروف،اه فنجانه كاد ينطق باسمي و هنا ركزّت جلستها و انتبهت بأنها تحاكي نفسها،نعم إنه هو القابع في ثنايا ذاكرتي ،جنون تلك اللحظات يستحق مني ذاك الانتظار، تسلل عنوة رغم اغلاق كل النوافذ،استوقف روحي و رحل بي إلى كهوف جميلة في حفر الأمس.
كان هو في نفس الوقت يحدق في الفنجان و يسرق النظرات إليها،قال:
و كأنني كنت على موعد مع عيون لامعة تجلب المطر،ووجه ينبئ عن روح طالما اشتهيتها،قلب الفنجان و قرأ الخطوط العريضة
أنثى الوقت و أنثى الانتظار ، أغمض عينيه عن ذاكرة المكان و بحركة لا شعورية سقطت الفناجين
و راح صوتها .. يعلو في أرجاء المقهى.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركات الأعضاء

لوحات فنية بريشة الفنانة/ إيما تومانيان

 

المشاركات الشائعة