قراءة نقدية في بعض نصوصي بقلم الناقد اليمني نجيب طه صالح :الإيحاء الخاطف والعبارة السهلة الممتنعة في بعض قصص الأديب المغربي / محمد ابو الفضل سحبان .
بعضا من نصوصه :
عَنَت
كلما قبروه في التراب؛ أطلت من الشَّرَف نسخ مطابقة للأصل.
* يوم النَّحْر*
ثار خروفنا وهرب، سقط في يد سُربة من الجياع.
------------------------------------
* رّقَّاص*
يهتز عند كل جرجرة؛ ويرفس الجمر بأقدام حافية.
-------------------------------------
كركوز
بهلوان ماهر، يقلِّبها كيف يشاء، تنقطع ذات مسرح خيوطه؛ تنفلت الدمى من يده متحركة؛ يعيش في الواقع بهوية مزورة.
--------------------------------------------
* أَخْطَبوطي *
سَلَتَ ذو الذماغ الكبير من الحوض الضيق بمكر ودهاء؛ خرج مؤمنا بعد تكفيره للزبانية؛ رجع من حيث جاء، إلى المسبح العكر ليمارس طقوسه الاعتباطية .
-----------------------------------------.
القراءة :
بقلم / د. نجيب صالح طه ( أمير البؤساء )_ اليمن.
ليست القصة القصيرة جدا معنية بكثرة الجزييات، والإسهاب في التفاصيل كما يعلم الجميع، وبعض الإجتهادات العصرية تحاول تحجيم القصة القصيرة جدا بأقل من خمسين كلمة على أن تحوي مكوناتها المعروفة ( عنوان مخاتل، إيحاء، تكثيف، مفارقة، دهشة)، وهي مكونات القصة الومضة أو الفجائية، أو البريدية، أو......
وقد نجد البعض يجيد فن البلاغة والصياغة ويعي مكونات القصة القصيرة جدا ويحترف ذلك بمهارة عالية، فيخرج قصصا مكتملة وهذا شيء جميل، لكن من الجميل أيضا أن نجد كتابا يعنون بمكونات القصة، ويصنعونها من ألفاظ سهلة وبسيطة، دون تكلف أو غموض، أو تقعر بلاغي...
وأمامنا كاتب قد لا يكون مغمورا_وكثير مثله_ بما يكفي لإثارة حفيظة النقاد فيلتفتون إليه وإلى بعض قصصه، فحاولت أن أسلط الضوء على بعضها، وهي محاولة قد لا ترقى درجة القبول لدى نقادنا الكبار، وهي جهد المقل وحسبه أن حاول...
عنت
كلما قبروه في التراب؛ أطلت من الشرف نسخ مطابقة للأصل.
كل أديب سيشعر _ حتما_ بما فيها من إيحاء وتكثيف، وسهل التكهن، بأقل من سطر وبلغة سهلة وواضحة جدا، وبمفردات لاتحتاج لقواميس اللغة للبحث عن معانيها، أو تحتاج لخبير لفك شفرات غموضها...
عنت
المشقه والجهد والتعب...
يقول تعالى
... ذلك لمن خشي العنت منكم..).
أي لمن خشي التعب والجهد والمشقة.
كلما قبروه..
تكرار السنة الكونية الموت، والدفن في باطن الأرض.
أطلت من الشرف نسخ مطابقة للأصل.
أهي الجينات الوراثية، أم هي التربية والتوجيه والسلوك والأخلاق والقيم، والمائدة التي يتربى عليها الإنسان.؟
إن كان شرا، فستطل من الشرف شرا مثلها.
وإن كانت خيرا فستطل من الشرف خيرا مثلها..
وفي كلا الحالتين سيكونان عنتا على الآخر القادم...
سيشكلان مشقة وجهدا وتعبا، على النقيض المختلف،
فأصحاب الحق والرشد والقيم سيسعدون بهم، ويشكلون عنتا في نفس الوقت على أصحاب الباطل، والعكس بالعكس..
وهي تحوي إيحاء قويا على ضرورة أن تربى الأجيال على الخير والقيم والصلاح والفضائل والمثل.
فأطلت : هذا الفعل الماضي يوحي بذلك أكثر مما لو قال: إنحدرت، أو تعاقبت.... من الشرف.
كم هي جميلة هنا لفظة ( الشرف)،!
جمع قلة من شرفة، ويا لتلك القلة التي ستشكل عنتا للأخر،!!
وتعني الإهتمام بنوافذ القادم الآتي، وفتحها على ما هو أفضل ...
وهي دلالة أمل وفاتحة المستقبل.
فالأجيال تتناسخ من أصولها،
بمفارقة بين الموت والفناء وفي نفس الوقت الحياة والتجدد.
قصة قصيرة جدا تربوية وتوجيهية وإرشادية حوت كل ماسبق في بضع كلمات، وتفتح أبواب التأويل الأخرى...
تجدون ذلك أيضا في بقية القصص المشار إليها (يوم النحر،رقاص ،كركوز،اخطبوطي).
صحيح في بعضها بعض الهنات البسيطة لكنها تحوي كل مكونات القصة القصيرة جدا، وبخاصة ( كركوز)، أعظم وأجمل بها من قصة قصيرة جدا!
جديرة بالقراءة.
تمنياتي للكاتب بمزيد من الحضور الأقوى والتقدم والرقي في سماء الأدب العربي، وأشد على يديه بانتهاج القصة القصيرة جدا، البعيدة عن كثرة الجزئيات، وذات العمق والإيحاء والتكثيف..


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق