قراءة في قصة السجينة للكاتبة/ رندا المهر
بقلم/ مها السيد الخواجه
..........
النص
السجينة
كالمعتاد في كل مرة أعود فيها إلى البيت، أرتقي المئة درجة، فلم تعتل أي درجة بكعب حذائي سوى قدمي طوال ثلاثين سنة.
وكم تمنيت أن يركبوا مصعدا كهربائيا، فلست أعلم ماذا حدث مع جاري الذي طرق بابي ليلا ، سألني حضور اجتماع من أجل المصعد؛ ولم أدر هل قدر أن يجتمع بأفراد البناية لأجل تركيب مصعد كهربائي، ولماذا لم يناديني، ولماذا يدعوني الآن ..تذكرت كم هو مؤثر على القلوب!؛ انفرجت أساريري ثم سرعان ما انقبض قلبي حين رأيت قطا يحدق كالعفريت وقف قبالتي يموء، خلعت نعلي وقذفته به، أدرت المفتاح في ثقب الباب بأطراف أصابعي بخفة، وولجت بسرعة تاركة الأشياء خارجا، أنظر من وراء القضبان إلى القط، فرأيته قد عاد يطقطق بأسنانه وبرقت عيناه كالشموع، وركض نحو الأكياس يلعق أحدها، جلبت عصا وأصبت ذيله بها، فولى هاربا.
وخرجت آخذ الأغراض قبل أن يعود، ثم حزنت لأمر القط، أما كان مني أن أدعوه ليتناول معي الغداء، خاصة أني عزباء لا أحد يسليني، لماذا بخلت عليه، فليس سوى طبق واحد أضعه على المائدة وأرفعه؟!
وسرت كالثملة أفك أزرار قميصي، أتأمل جسدي، وجهي عبر المرايا التي لا تقفل بابها ..وحدها التي تومض لي بما مر من عمري..
استلقيت على أول كنبة أمامي، أحدق في زاويا الغرف، أفتش أو أستقصي ما بقي من عمل لم أقم به؛ أرسلت بنظرات خاطفة إلى المطبخ، ثم تحسرت متسائلة : "ماذا لو جلبت خادمة" وبدأت أحسب مصاريفها، ثمن طعامها، ولباسها، ودوائها، وجلبها من بلدها، وإرسالها إليه في مناسباته الوطنية والدينية ...
فطرحت الفكرة أرضا حينما علمت أنها سوف تتلصص على خصوصياتي، وكم راودتني مشاريع بعيدة لن تحققها سوى تذكرة بيد زوج، من بين هذه المشاريع ليس أملا بالإنجاب إنما أملا بالسفر ولو لمرة واحدة، أن أصعد الطائرة وأبدو كأميرة تنظر إلى رعيتها من أعلى؛ لكن تضايقت وخفت على هذه الحرية المطلقة التي أتمتع بها،
مشطت خارطة جوجل، وفتحت أبواب السياحة والسفر..
- سيدي؛ يمكن لامرأة السفر وحدها؟
- لا، سيدتي
- هل لديكم جروبات سياحية؟
- أجل
- هل يمكن الحجز عن طريق الهاتف؟
- طبعا، هات رقمك ورقم جواز سفرك
أغلقت الهاتف،
ما أن هممت بترتيب ما أنوي أخذه ، حتى تماثلت صورة أهلي، آخر مرة زاروني كان قبيل أسابيع ...
جلبوا لي هدايا بمناسبة العيد، أظن لن يأتوا، وإن لم أرن عليهم لن يتصلوا...
- ووخزني ضميري، حملت الهاتف لأعلمهم، لكن من وراء الكواليس أعلن أخي إعدامي ، وبعد ذلك أخرجت وسائل التواصل الخبر التالي ...
" سافرت امرأة في رحلة استجمام، ولم تعد..."
الكاتبة/ رندا المهر
........
القراءة
الجنسنة .. مشكلة المرأة في مجتمعاتنا الشرقية، نقلت لنا الكاتبة أزمة امرأة عاشت وحدها ربما بحكم عمل، من إشارة في القصة نعلم أنها قد تجاوزت سن الثلاثين عندما قالت (لم تعتل أي درجة بكعب حذائي سوى قدمي طوال ثلاثين سنة)، ربما تكون قد تأخر زواجها مما جعلها مطمع .. فنرى جارها يطرق باب بيتها ليلا ليدعوها لحضور اجتماع من أجل تركيب مصعد كهربائي، والذي لم تعلم عنه شيئا من قبل، ونعرف من بداية القصة وصعودها المئة درجة أنه لم يتم تركيبه! .. ونرى إشارة نظرات عيون القط التي أفزعتها .. فالقط حيوان أليف من أصل مفترس وذكره هنا جاء لغرض .. أنها عليها أن تنتبه حتى لو كانت تثق وتعلم مسبقا الشخص الذي يتقرب منها، ولو افترضت به حسن النية والسمعة الحسنة إلا أنها لا تعلم نواياه، المرأة هنا في القصة وفي ديالوج داخلي أفصحت لنا عن وحدتها وسجنها .. ليس السجن بمعناه الحقيقي ولكن هو سجن عادات وتقاليد عقيمة حبسها المجتمع داخلها .. هي تشعر بالوحدة وتتمنى أن تجد مؤنسا لها فمن حوارها لنفسها نجدها تنتظر الزوج الذي يعوضها .. وفي ملمح آخر نجدها تمني نفسها بخادمة وتعدد مزايا وجودها وما ستنفقه في سبيل ذلك، إلا أنها وفي إشارة رائعة تتراجع لسبب مهم وهو أن هذه الخادمة ستحد من حريتها وتكون عين عليها، حتى عندما أرادت السفر للترفيه عن نفسها قيل لها لا سفر لامرأة وحدها .. ونجد في بعض المجتمعات أن هناك بعض القيود قد وضعت على تصرفات النساء فالبعض يرفض ويحرم سفرها أو سكنها بمفردها .. وهنا في قصتنا نجد أنها تعلم مدى تحكم أسرتها في حياتها، فقررت من تلقاء نفسها أن تعلمهم بعزمها على السفر، فكان الرد أن أخيها سيقتلها إن فعلت، وربما يكون أخاها هذا أصغر منها ولكن هو المجتمع الذكوري بتقاليده .. وضعت لنا الكاتبة نهاية مفتوحة، في خبر عن امرأة سافرت في رحلة استجمام ولم تعد، لتضعنا أمام تساؤل: أهي تحررت من القيود؟!، أم قتلت بيد أخيها؟.
مها السيد الخواجه/ دمياط/ ١٦أغسطس ٢٠٢٢




ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق