القراءة النقدية لمجموعتي القصصية ( شمس تشرين ) بقلم الأديبة والناقدة د. جمانة الزبيدي Jomana Alzobaide
البساطة والسلاسة سمة كتابة أم تفرّد أدبي؟
(شمس تشرين للأديب مهدي الجابري)إنموذجاً.
قراءة تحليلية في المجموعة القصصية شمس تشرين للأديب مهدي الجابري:
عندما نقرأ لكاتب ما نصاً سرديا قصة،ققج ،مسرحية،أو رواية فأننا حتما سننجذب للأسلوب السردي الذي ينماز به الكاتب ،فيكون دافعا لنا ومحفزاً لمواصلة القراءة،بين إيدينا المجموعة القصصية الثالثة للأستاذ مهدي الجابري، وسنبحر معه على متن سفينة الأدب لنتعرف على أسلوبه السلس البسيط متخذين من مجموعته(شمس تشرين) الوسيلة التي تدلنا عليه.
تقع المجموعة في (٩٤)صفحة مؤلفة من(٢٠)قصة قصيرة ،الغلاف لوحة مصورة ضمّت رموزاً عراقية تاريخية وحديثة :
(نصب الحرية ،للرسام المبدع جواد سليم )
(بوابة بابل،رمز الأصالة والعراقة)
سد الموصل،رمزيات لمشاهد من ثورة تشرين الشبابية في العراق)
يبدأ الكاتب مجموعته بمدخل جميل يجتذب القارئ ويشحذ الأذهان والإنتباه(لقد صدقت الرؤيا أن روحا هربت فكانت محطتها الأخيرة روحي فتسامت).
الخطاب السردي عند الجابري بساطة واسترسال:
يعتمد الخطاب السردي عند الاستاذ (مهدي الجابري ) بالسلاسة والأنسيابية الشفيفة ،مبتعدا عن تعقيدات المفردة وتلغيزاتها ،ولعلّها السمة الغالبة على كل نصوصه الأدبية "خرجت بسرعة البرق ،ركبت السيارة وقدتها بسرعة،استوقفتني إمراة شابة ،دارت معركة بين قلبي وعقلي هل أقف، أو أتركها في الطريق تنهشها وجوه المارة)ص١٤ تلويح.
تقانات الميتاسرد في مجموعة (شمس تشرين ):
"تعتبر كتابة الميتاسرد تقنية أسلوبية تقوم على فكرة التداخل النصوصي،وتحقيق الوظيفة الميتالغوية، إذ تتمثل فيها الكتابة عبر تحقيق شروط تربط المنظور السردي إلى زوايا متعددة ، وإلى تبئيرات سردية مختلفة المنظور، تلك التي ينكسر في ضوئها التعاقبي ،أو السياقية مقابل تكريس فكرة التمركز الذاتي في الكتابة "ولعل هذا ماتجلّى واضحا من إنحياز الكاتب للإبتعاد عن كل متداخلات الميتاسرد لتكون السلاسة جوازه لذهنية المتلقي(تعالي نجلس تحت ظل هذه النخلة العراقية الباسقة، التي قاومت كل الظروف وهي صامدة، وكما تعلمين ويعلم الجميع إن شمس تشرين في جنوب العراق ايضا حارقة رغم بعدها)ص ٢١ شمس تشرين.
توظيف الزمكان في المجموعة القصصية (شمس تشرين ):
إعتمد (الجابري) في توظيف الزمكان على التأثير الذاتي لدى القاص والذي ينبع من التعلق النفسي بين الكاتب وبيئته (الناصرية) وهذا مانلاحظه من التركيز للزمن الطولي المتواصل "ذاتية الحركية ابتداءً وانتهاءً"
(راحت تنتظر منه الاتصال ، وهي تستذكر موقعها منه الذي كان فرصة لايعوض) ص٤٧ الصدمة٢.
كماوظّف الزمن التعاقبي(الديكاروني) (زمن دائري مغلق تعاقبي مثل حركة اليوم ليلا ونهارا أو الفصول الأربعة )
(كعادتها تنهض مع خيوط الصباح الأولى ترقص مع بندول الساعة) ص ٣٨ صدمة ١.
كما لعب المكان دوره المهم في تجذر الفكرة السردية بصورة سيميائية لدى القاص متكئاً بذلك على محورية الفكرة وقطبية المكان بالنسبة لها ورمزيته واقعيا، حيث من المسلمات أن المكان الذي ينتمي اليه كاتبنا هو من الأمكنة التي سببت الجدل على مرّ التاريخ(الناصرية) فمنها الثورات،حقول النفط ، الشعر والشعراء، الزراعة ، الإزدهار الفكري وتنوع الطبقية، ولايخفى ماتلعبه هذه التأثيرات المكانية سلباً وإيجابا (أتعلم ان هذه البحيرة منذ آلاف السنين وهي ترتفع وتنخفض مع المد والجزر والمياه الموجودة ليس مصدرها نهرا أو منحدر مياه الأمطار إنما هي حالة تختلف تماما عن البحيرات) ص٩١ أدران الأرض.
تأثير البيئة السيكولوجي والإتساق النفسي للكاتب
وإسقاطاته على المجموعة القصصية(شمس تشرين):
لايخفى على الكثير ممن خبر البيئة العراقية من العراقيين أو من كان على صلة بهم فاللبيئة العراقية من التأثير في التركيبة السيكلوجية والإجتماعية لأبنائها وخاصةالمنطقة الجنوبية منها، فالمتتبع يعرف إن أهم وأكثر ماتتميز به هذه المنطقة هو سيادة الأعراف والتقاليد ، وتجذّر العراقة والأصالة وهذا مابدا واضحاً في الخطاب السردي أو الفكرة القصّية(( إن القاص يرسم بيئته الروائية والقصصية من خلال الملاحظة والمشاهدة أو من قراءته الخاصة)) كما تتسابق العقول في مجال الأدب من خلال تصوير النزعات النفسية والإجتماعية نابعا من مماترسب في ذاته ووعيه واللاوعي لديه ممادرج ونما عليه ، كما تنماز المجموعة بدلالاتها الهادفة التي ترمي إلى مغزى أخلاقي وبُعد إجتماعي تشخيصا وتبيانا(وهاهي سفينتنا رست والحمدلله إن المياه غسلت أدران الأرض فالنبدأ حياتنا من جديد )ص٩٤ أدران الأرض.
جمانة الزبيدي/العراق
٢٠٢٢/٨/١٢
.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق