《 انتقام 》
قصة قصيرة
ليلى عبدلاوي
شريط الذكرى يمر أمام عينيها الآن، رمادي اللون، كريه المنظر، تحاول أن تهرب منه بالنظر من النافذة. شجرة المشمش في الحديقة أخذت تُزهر بوفرة غير معهودة.
ابتسمت، ابنها جمال يحب المشمش بجنون. شيء كالسهم الحاد اخترق صدرها، تحولت الابتسامة إلى نحيب، الدموع تتساقط على وجنتيها، على قميصها، لا تفعل شيئا لإيقافها، أو حتى لمسحها.
تأملت صورتها في المرآة، شاخت عشرين عامًا منذ أول أمس.
نظرت إلى الحديقة من جديد، الدراجة ما تزال في مكانها المعهود، خُيِّل إليها أنها تسمع صوت ضحكاته وشغبه وهو يمرق من الباب الكبير.
- "ماما! أنا جائع، ماذا أعددت للعشاء؟ لا تقولي لي شطائر، لن أغفر لك ذلك!"
استرقت السمع، صمت قاتل يلف جميع الجهات، لا شيء يتردد في هذا السكون إلا صوت الجنادب يخترقه بين الحين والآخر أزيز النحل.
أطرقت برأسها، أحست برغبة غريبة في النوم، أغمضت عينيها. خطوات ثقيلة تقترب، تنبهها من غفوتها الوشيكة تليها دقات شديدة على الباب.
- "افتحي! بوليس!"
قامت من مكانها، فتحت الباب ببطء، تقدمت إحداهن، لوت يديها وراء ظهرها، وضعت الأصفاد، وقامت بتفتيشها مليًا.
طلبت أن يحمل أحد حقيبتها، كانت قد أعدتها صباحا، سألت عن مصير القطة، أجابها أحدهم بغلظة:
- "ستبقى خارجا، لا نستطيع لها شيئا."
الطريق إلى مركز الشرطة حافل بالوجوه، بالألوان والروائح. لم تستطع أن تتبين شيئًا، كأن الذي أمامها ظلالًا متشابهة.
لمحت على ركبة الشرطي بجانبها شيئًا ملفوفًا في جريدة قديمة، تعرفت من خلال شكله على سلاح الجريمة: مسدس قديم اشترته بسرعة من أحد المشبوهين خارج المدينة، عاجزة هي حتى عن تذكر شكله أو مكان سكناه. وضّح لها بعجالة كيفية استعماله واختفى بعدما عدّ المبلغ الذي سلمته إليه.
لا تذكر شيئا إلا أنها اتجهت إلى البيت المعلوم، طرقت الباب وحينما فتح لها الشاب ضغطت على الزناد، رشّت الدماء الجدران، سقط للتو. حينها فقط، تأكد لها أنها حفظت الدرس جيدًا.
عادت إلى البيت، نسيت قصة القتيل تماما كأن الذي وقع حلم لا حقيقة. منظر واحد لا يفارق ناظريها الآن: جسد شاب آخر وسيم مسجى على أرض الملعب وجرح غائر في صدره تفور منه الدماء بسخاء.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق