"أصبع فحم "
قصة قصيرة
بقلم ::
بقلم: طاهر عرابي
(دريسدن — كُتبت عام 2017 ونُقّحت في 20.01.2026)
كان لي صديق اسمه مروان، مولعًا بالرسم منذ صغره، وبشغف لا يهدأ. وفوق هذا كله، كان يحب الرسم بالفحم الأسود. الفحم في المخيم أرخص من الخشب والطلاء، ويمكنه أن يحضره من بقايا المواقد المتناثرة بين البيوت.
كان يكرر دائمًا:
– الفحم صادق. يخطّ ما يراه القلب قبل العين. الألوان تحتاج إلى شراء، وهنا يجيب الإبداع: الإبداع أن تسيطر على المكونات وتفعلها لخدمتك.
كان يحب أن يرسم شخصيات تاريخية، كأنه يريد أن ينبه الناس إلى أهمية الفن في تجسيد الشخصيات الدينية، وبعد التجسيد سينتبه الواحد إلى التعمق بالشخصية ويستدل منها إلى قدوة حسنة. رسم طارق بن زياد رافعًا سيفه، والبحر خلفه يضرب الصخور كأنه يغلي. لكنه لم يرسم وجه طارق؛ قال إنه لم يرَ الوجه الحقيقي، ولا يجوز له أن يخترعه. كان صادقًا إلى حدّ العناد.
ذات يوم، جاء إلى بيتنا يحمل دفتره وأصابع الفحم. قال:
– في الزيارة السابقة ألهمتني أمك وهي تذر القمح للدجاجات، وقررت أن أرسم لوحة طبيعية تحاكي حياة فلاحة في فلسطين.
جلس على الأرض وبدأ برسم أمي وهي تُلقي العلف للدجاجات تحت الشمس. رسم الساحة والجدران بلون الفحم، وترك مساحات بيضاء قال عنها إنها «روح الفن المتخفي خلف ظلال السواد». كنت أنظر إلى لوحاته فأرى خطوطًا متشابكة كأنها آثار دخان، وأحتاج وقتًا طويلًا لأميّز الديك من الدجاجة، والدجاجة من ظلّها.
حين عرض مروان اللوحة على أمي، اقتربت منها كمن يفك لغزًا، وقال لها مبتسمًا وكلّه أمل أن يكون قد برع في رسم حياة الفلاحة:
– هذه أنتِ يا أم سليم، وهذه دجاجاتك، وهذا الديك الذي تحبينه. آسف لقد أظهرته أكبر من الدجاجات بثلاثة أضعاف، تأكيدًا على زعامته.
نظرت أمي إليّ، ثم إلى الخربشات التي تشبه غابة فحم، وسألت بعينيها:
– هذه دجاجات؟ وهل الديك يقف هكذا؟
قلت بسرعة قبل أن يحبط مروان:
– نعم يا أمي، كل شيء واضح. هذه أنتِ، وهذا الديك، والدجاجات تلتقط العلف.
تأملت اللوحة طويلًا، ثم قالت جملة لن أنساها:
– خطوطك السوداء تشبه صفوة القهوة التي تلتصق بحافة الفنجان.
ضحكنا جميعًا. كانت ترى الفن بطريقتها؛ قهوة وسواد وفراشات من الرماد. ثم أضافت بخبث وملامح رائعة:
– ولو أعطيتها للحاجة أم وجدي، لقالت: هذا جبل في مكة، وهؤلاء حجاج. أما «صورتي»، فستقول إنها باص كبير لنقل الحجاج! وكما أعلم، كلما سمعت صوت سيارة تقول: انصتوا لقد جاءوا ليعودونا إلى فلسطين.
ثم ضحكت وتابعت:
– أما الديك فهو حقيبة سفر كبيرة.
أعلنت أنها قبّلت الصورة بسعادة، وستحتفظ بها حتى تأتي أم وجدي لتؤكد ظنها. الفن صعب، ولابد من استشارة أم وجدي، فهي خبيرة بقراءة الفنجان، ولا أرى فرقًا بين سواد هنا وسواد الفنجان.
دخلت أم وجدي وهي تبتسم كعادتها. قبّلت أمي، ثم قبّلت رأسي كما تفعل دائمًا حين تريد أن تُبهر الحاضرين بأمومتها المفقودة. وحين أخذت اللوحة بين يديها، انهمكت فيها كأنها عقد زواج لم يحدث.
قالت أمي:
– أرجوكم… دعوها تُحلّل في صمت. سأعد لها القهوة، لا تكلموها عن أي شيء، هل فهمتم؟
سألتها:
– يا أم وجدي، تتذكرين مروان؟ هذا هو الرسام مروان وقد أبدع اليوم.
تبسمت، اقتربت منه، قبّلت رأسه، وقالت كلامًا طيبًا عن والدته المتوفاة، ثم أضافت بتنهد:
– لو كان لي زوج أو أولاد، لما خرجت من بيتي، ولكنكم أنتم أولادي.
انهمرت دموع مروان، مسحها براحته وهو لا يدري كيف بكى ولماذا. عادت أمي وقدمت فنجان قهوة، وضعته جانبًا وراحت تقلب اللوحة طويلاً.
تململت وأنا أراقبها تدقق في خطوط الفحم، وتمرر إصبعها كأنها تريد كشف شيء ما، فصرخت:
– يا أم وجدي، مروان رسم اللوحة دون أن يدري ما يرسم، ونريد مساعدته على فهم ما دفعه لذلك.
ضحكت أمي وقالت:
– نعم، فكأن الرسم خفايا مكتومة ويحتاج لمن يفسره!
لفّت أم وجدي الورقة كأنها فنجان قهوة كبير، ونظرت في تجويفها، ثم سألت أمي بنظرة متعبة:
– هل جئتم بي لأجل هذه الخربشة؟
ردّت أمي بنظرة تشبه الرجاء:
– الأجر عند الله، يا أم وجدي. أنتِ تأتي خمس مرات في اليوم، اشربي قهوتك. لقد تعجلنا بإحضارك، ولو لم نحضرك لكنت هنا.
ضحكنا جميعًا، وانتبهت أم وجدي إلى مرح الموقف. جلست على كرسي بلا مسند، تنهدت، ثم قالت:
– ما المناسبة التي جعلت مروان يرسم هذا؟ لا أظنه عبثًا.
أجابت أمي بدبلوماسية الأمهات:
– الحقيقة أنه أراد أن يرسم «المستقبل في المخيم».
غمزتنا بعينيها لتؤكد أنها تكذب بنية حسنة. مسحت أم وجدي وجهها بمنديل، ثم قالت:
– يبدو الفحم قريبًا من بقايا القهوة… سأقرأه كأنه فنجان.
مررت إصبعها على «الدجاجات»، وقالت:
– هذه حقائب سفر… وهذا الديك هو سائق الباص… باص سيأخذنا إلى فلسطين.
صفّقت أمي فرحًا:
– ألم أقل؟ هذه رحلة حج أو عودة! وهذا جبل عرفات!
لكن أم وجدي ردّت بثقة:
– لا أرى إلا عودة إلى فلسطين. هذا ما يقوله الرسم وهو حقيقة دامغة.
ثم التفتت إلى مروان وسألته:
– وأنت؟ ما الذي أردت قوله؟
أشار إلى اللوحة باحمرار خجله:
– هذه أم سليم، وهذا ديكهم، وتلك دجاجاتهم. أردت فقط أن أرسم الواقع… كما هو، كيف كنتم تعيشون كفلاحين.
وأضاف بفخر:
– بيكاسو ودالي وفان غوخ ودافنشي… كلهم رسموا بالفحم قبل الألوان. أنا أتعلم منهم. أصلاً لا توجد ألوان تعبر عن المأساة التي نعيشها.
نظرت إليه أم وجدي بحزن وسألته:
– لو رسمت أم سليم بثوبها الأخضر ولونت الدجاجات بالقرميدي والديك بالأبيض، لما صدقت مشاعرك؟
ارتبك، حكّ جبينه بإصبعه المتسخ بالفحم، فصار وجهه كسلة فاكهة مقلوبة.
ضحكنا جميعًا، لكنه لم يضحك.
كان الفحم يومها أكثر من مادة للرسم؛ كان خشبًا صار لهبًا، ثم انطفأ. لا من سلالة العنقاء، ولا أوهام تعود إلى نفسها، مجرد بقايا احتراق، مثل أشياء كثيرة في المخيم.
لينقذ نفسه، أمسك بيدي وقال:
– تعال نجمع بعض الفحم، نطحنه ناعمًا، نخلطه بالماء ونعجنه، ونشكل منه أقلامًا… ربما أرسم بحرية أكبر.
تحركنا، وأنا أشعر بوزن الفحم بين أصابعي، من الموقد إلى الورق، وكأن كل قطعة ترهقني أكثر، وتزيد شعوري بالغربة. يدي مغطاة بالفحم، والرماد يلطخها، ولم أرَ بعد شيئًا من نفسي يستطيع أن ينبثق على الورق…
لا أعرف إن كان للغريب ورقٌ يتسع لألمه،
أم أن ما نحمله أثقل من أن يُرسم،
حين تتحول الدجاجة نفسها إلى باص عودة،
ويصير الفحم فنجان قهوة.
دريسدن –طاهر عرابي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق