Translate

الجمعة، 9 يناير 2026

لَيْلَةً عَلَىٰ ضِفافِ النِّيلِ بقلم/ عادل عطيه سعده جمهورية مصر العربية

 

قد تكون صورة ‏‏شخص أو أكثر‏ و‏أشخاص يبتسمون‏‏

قصة قصيرة

لَيْلَةً عَلَىٰ ضِفافِ النِّيلِ  
بقلم/ عادل عطيه سعده
جمهورية مصر العربية
-------------
فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، عَلَى ضِفَافِ النِيلِ، حَيْثُ يَرْقُصُ القَمَرُ عَلَى المَاءِ، وَيَحْمِلُ الهَوَاءُ رَائِحَةَ الزُهُورِ، جَلَسَ يَتَأَمَّلُ فِي عُمْقِ الذَّاكِرَةِ. الأَمْوَاجُ تَتَلَاعَبُ بِأَوْرَاقِ شَجَرَةِ الجُمِيْزِ القَدِيمَةِ، وَكَأَنَّهَا تُحَاوِلُ أَنْ تَقُولَ شَيْئًا. بَدَأَ يَسْتَعِيدُ شَرِيطَ حَيَاتِهِ، تِلْكَ اللَّحَظَاتِ الَّتِي صَنَعَتْ مِنْهُ مَا هُوَ عَلَيْهِ اليَوْمَ. لَكِنَّ وَسَطَ تِلْكَ الذِّكْرَيَاتِ، شَعَرَ بِثِقَلٍ يَضْغَطُ عَلَى قَلْبِهِ. كَيْفَ يُمْكِنُهُ أَنْ يُحَرِّرَ مِنْ أَعْبَاءِ المَاضِي؟ وَكَيْفَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَجِدَ مِفْتَاحَ الخَلَاصِ؟ بَدَأَتْ رِحْلَتُهُ مَعَ الذِّكْرَيَاتِ، أَعَادَ تَرْتِيبَ الصُّوَرِ وَالأَشْخَاصِ. هُنَاكَ كَانَتْ هِيَ، أَوَّلُ حُبٍ فِي الجَامِعَةِ، الَّتِي تَرَكَتْ بَصْمَةً لَا تُمْحَى فِي قَلْبِهِ. تَذَكَّرَ حِينَ سَأَلَهَا آنَذَاكَ بِصَوْتٍ مُبْحُوْحٍ: "لِمَاذَا تَرَكْتِنِي؟" أَجَابَتْ بِصَوْتٍ هَادِئٍ: "لأَنَّنِي لَمْ أَكُنْ قَادِرَةً عَلَى الاِسْتِمْرَارِ، كَانَتْ العَلَاقَةُ تُؤْلِمُنَا كِلَانَا." قَالَ وَهُوَ يُحَاوِلُ كَبْحَ دُمُوعِهِ: "لَكِنَّنِي أَحْبَبْتُكَ، أَحْبَبْتُكَ بِكُلِّ قَلْبِي." قَالَتْ وَهِيَ تَضَعُ يَدَهَا عَلَى كَتِفِهِ: "أَنَا أَيْضًا أَحْبَبْتُكَ، لَكِنَّ الحُبَّ لَيْسَ كَافِيًا أَحْيَانًا." وَهُوَ "هُوَ"، الصَّدِيقُ الَّذِي خَانَ الثِّقَةَ. حِينَ سَأَلَهُ آنَذَاكَ بِغَضَبٍ: "كَيْفَ فَعَلْتَ ذَلِكَ؟ كَيْفَ خُنْتَنِي؟" أَجَابَهُ بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ: "أَنَا آَسِفٌ، لَمْ أَكُنْ أُدْرِكُ مَا كُنْتُ أَفْعَلُ." قَالَ وَهُوَ يُحَاوِلُ السَيْطَرَةَ عَلَى غَضَبِهِ: "لَمْ تَكُنْ تُدْرِكُ؟ كُنْتَ صَدِيْقِي، كُنْتُ أَعْتَبِرُكَ أَخِي." قَالَ وَهُوَ يُخْفِضُ رَأْسَهُ: "أَنَا آَسِفٌ، حَقًا آَسِفٌ."
كُلُّ ذِكْرَى كَانَتْ كَسَحَابَةٍ رَمَادِيَّةٍ تُظَلِّلُ رُوْحَهُ. سَأَلَ نَفْسَهُ: "لِمَاذَا أَبْقِي عَلَى المَاضِي؟ لِمَاذَا أَسْمَحُ لَهُ أَنْ يُؤْذِيَنِي؟"
أَجَابَتْ نَفْسُهُ بِصَوْتٍ هَادِئٍ: "لأَنَّكَ تَخَافُ مِنَ المُسْتَقْبَلِ." قَالَ وَهُوَ يُحَاوِلُ إِقْنَاعَ نَفْسِهِ: "لَكِنَّ المُسْتَقْبَلَ هُوَ الأَمَلُ، هُوَ الفُرْصَةُ لِأَبْنِيَ مَا أُرِيْدُ." قَالَتْ نَفْسُهُ: "إِذًا، اِتْرُكْ المَاضِي وَرَاءَكَ." فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، نَزَلَ المَطَرُ بِغَزَارَةٍ، وَكَأَنَّ السَّمَاءَ تَبْكِي مَعَهُ. جَلَسَ تَحْتَ شَجَرَةٍ، يُرَاقِبُ قَطَرَاتِ المَطَرِ وَهِيَ تَضْرِبُ الأَرْضَ، وَأَدْرَكَ أَنَّهُ كَانَ مُبْقِيًا عَلَى جِرَاحِهِ كَأَنَّهَا دُرُوعٌ تَحْمِيْهِ مِنَ الأَلَمِ. لَكِنَّ الحَقِيْقَةَ كَانَتْ أَنَّ تِلْكَ الجِرَاحَ كَانَتْ تُضْعِفُهُ. سَأَلَهُ صَوْتٌ وَدِيٌّ: "لِمَاذَا تَتَعَلَّقُ بِالمَاضِي يَا صَدِيْقِي؟ أَلَيْسَ الأَجْدَى أَنْ تَتْرُكَهُ وَرَاءَكَ؟" اِلْتَفَتَ، فَإِذَا بِهِ صَدِيْقٌ قَدِيْمٌ، جَلَسَ إِلَى جَانِبِهِ عَلَى الضِّفَّةِ. أَجَابَهُ: "إِنَّهَا الذِّكْرَيَاتُ، يَا صَدِيْقِي. تِلْكَ الَّتِي شَكَّلَتْنِي. كَيْفَ أَتْرُكُهَا؟" اِبْتَسَمَ صَدِيْقُهُ وَقَالَ: "الذِّكْرَيَاتُ لَيْسَتْ قُيُودًا، بَلْ دُرُوسٌ. وَالحِكْمَةُ لَيْسَتْ فِي نِسْيَانِهَا، بَلْ فِي فَهْمِهَا وَالاِسْتِفَادَةِ مِنْهَا. أَتْرُكْ مَا يُؤْذِيْكَ وَخُذْ مَا يُضِيْفُكَ." تَأَمَّلَ كَلِمَاتِهِ، ثُمَّ سَأَلَهُ: "وَكَيْفَ أَعْرِفُ مَا يُؤْذِيْنِي وَمَا يُضِيْفُنِي؟" قَالَ: "اُنْظُرْ إِلَى قَلْبِكَ. إِذَا شَعَرْتَ بِالثِّقَلِ وَالأَلَمِ، فَاعْلَمْ أَنَّهُ وَقْتُ الرَّحِيْلِ. وَإِذَا شَعَرْتَ بِالنُّورِ وَالسَّلَامِ، فَاعْلَمْ أَنَّكَ عَلَى الطَرِيْقِ الصَّحِيْحِ."
أَخْرَجَ دَفْتَرَ الذِّكْرَيَاتِ القَدِيْمَ، وَبَدَأَ يَقْرَأُ مَا كَتَبَتْهُ فِي صَفَحَاتِهِ. تَذَكَّرَ كُلَّ الأَلَمِ، كُلَّ الفَرَحِ، وَكُلَّ الحُبِّ. ثُمَّ، بِبُطْءٍ، مَزَّقَ الصَّفَحَاتِ، وَرَمَاهَا فِي النِّيلِ. شَاهَدَهَا وَهِيَ تَطْفُو عَلَى المَاءِ، ثُمَّ تَغْرَقُ فِي الأَعْمَاقِ.
شَعَرَ بِثِقَلٍ يَزُولُ مِنْ عَلَى كَتِفِهِ. فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، سَمِعَ صَوْتًا دَاخِلِيًا يَقُولُ: "لَقَدْ تَحَرَّرْتَ."
مُنْذُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، بَدَأَتْ رِحْلَةٌ جَدِيْدَةٌ. لَمْ تَكُنْ الذِّكْرَيَاتُ قَدِ اخْتَفَتْ، لَكِنَّهَا لَمْ تَعُدْ تُسَيْطِرُ عَلَيْهِ. بَدَأَ يَرَى المَاضِيَ كَدَرْسٍ يَسْتَفِيْدُ مِنْهُ، وَالمُسْتَقْبَلَ كَفُرْصَةٍ لِيَبْنِيَ مَا يُرِيْدُ.
أَدْرَكَ أَنَّ الخَلَاصَ فِي التَّحَرُّرِ مِنْ قُيُودِ الذَّاكِرَةِ، وَأَنَّ النِّسْيَانَ يُعِيْدُ لِلرُّوحِ قُدْرَتَهَا عَلَى التَّنَفُّسِ. وَالتَّحَرُّرُ هُوَ إِعَادَةُ تَوْزِيْعٍ لِلرُّوحِ عَلَى مَنِ اسْتَحَقَّهَا. فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، جَلَسَ عَلَى ضِفَافِ النِّيلِ، وَأَدْرَكَ أَنَّهُ وَجَدَ نَفْسَهُ الحَقِيْقِيَّةَ، تِلْكَ الَّتِي تَزْدَادُ عُمْقًا مَعَ كُلِّ تَجْرِبَةٍ. وَاِبْتَسَمَ، لِأَنَّهُ عَرَفَ أَنَّ الرِّحْلَةَ لَمْ تَنْتَهِ، بَلْ بَدَأَتْ لِلتَّوْ.
--------------------------------
بقلم/ عادل عطيه سعده
جمهورية مصر العربية
قد تكون صورة ‏‏شخص أو أكثر‏ و‏أشخاص يبتسمون‏‏

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركات الأعضاء

تغريدة من قصيدة : سُخام على جبين العروبة ؟ للشاعر : متولي بصل

    أتحترقُ الجزائرُ يا رفاقي ولا تشكو القلوبُ من احتراقِ ؟! ولا تُبدي العروبةُ أيَّ حُزنٍ كأنها محض وهمٍ و اختلاقِ ! يموت الناسُ بالعشراتِ ...

المشاركات الشائعة