Translate

السبت، 17 يناير 2026

عشتار. بقلم : داود سلمان عجاج

عشتار
بقلم : 
داود سلمان عجاج
تشق الحافلة عتمة الظلام، مثقلة بأجساد أنهكها التعب، متجهة نحو الساتر الأمامي. يهجم الشوق على نايف، يفتك ببقايا الذاكرة، وما تبقى فيه من إنسان، فيغدو مسروراً من أولئك الغافلين الذين يعيشون على أطراف المجهول بلا اكتراث، فيتمنى لو يرقص معهم فوق جمر النسيان. يقبض بيده على سلاحه الخفيف، وبالأخرى يثبت جسده على المقعد تحت وطأة الاهتزاز. يشعله حنينه إلى الديار، وإلى النظرة الأولى من عشتار، فينصت إلى إيقاع الخفقان؛ إذ كان يخشى هاجس الرحيل، فقلبه لا يكذب، ونبوءته لم تخطئ، وقد تضاعف ذلك الرحيل. لكنه الآن بدأ يرتدي أثواب المجاز، ويخالط تراتيل الهذيان، بصمتٍ مرّ شفيف، فيؤانس الأمكنة كظلٍ دافئ وقت الغروب وينتظر عشتار، تتهادى الخطى كأميرة وخلفها الوصيفات، فيبصر في محياها الأنوار.
كلما حاول الفرار من ماضيه، أعاده قطار الذاكرة، لتتأرجح الذكريات بين فصي دماغه، فيتوقف عند إحدى المحطات؛ هناك، حيث كان الصمت في قريته أسلوب حياة، وكان الألم يسكن ثنايا الروح كقصيدة نازفة، أو كبوحٍ يذوي في امتداد الأنين، فلا يشعر به أحد. كان يجلس بعيداً يراقب الناس، يتأمل قاتمة الحياة، وصورة حلم مات قبل أوانه، في ليل مثقل باليتم والفقد الذي كسر اعتباره. لا يدري لماذا شعر آنذاك بأنه حر خارج جسده، وفي دواخله أيضاً، بعدما انقشعت الغمامة عن عينيه، ذلك الغول الوهمي الذي كان كالغشاوة؛ إذ آمن بمبدأ المساواة كما وجده في بطون الكتب، فكل الأديان تدعو إليها، وحتى الديانات القديمة تقر بأن الآلهة لا تكافئ الإنسان على العبادة، بل على الفضيلة. يسأل نفسه:
- الفضيلة، أية فضيلة؟
لقد أدرك أن الفضيلة قناع، يخفي خلفه الأغنياء سيوف ألسنتهم وبطش أيديهم، فكأنها مخالب تمزق القلب وتوقظ الألم، في عالم يتسامى فيه العدل.
لم يكن نايف جميل الهيئة، كأنه يدرك ذلك، لكنه عوض ذلك مبكراً بفيض من عبث خفي، وبطرافة تحمل ملوحة الأرض على لسانه، إضافة إلى شغفه بالقراءة لكل ما تقع عليه عيناه. لذا صار متصالحاً مع نفسه، غير ساخط على صورته التي يراها كلما أمعن النظر في المرآة.
إنسان لم يفكر به أحد، ولم يهتم لأمره أحد. كان يأوي كل مساء إلى مرقده دون ضجيج، فالكل يريد نسخته السعيدة، لا ذلك الطفل الجريح الذي لم تشفَ ندوبه، المختبئ داخل جسد ناضج، حاملاً سقطات آلام الماضي والحاضر، وقد كونت لديه مخاوف مبهمة لم يعترف بها لأحد.
كان الخوف الخفي من حارس أثقال الفضيلة يداهمه، بعد أن وقع في حب من لا يراها إلا مصادفة، أو كطيف عابر؛ تلك التي اسماها عشتار. فتمنى أن يكون في ظلال اللاواقع. غبر أنه وجد في تلك العزلة كأنه يعيد صياغة دواخله، فلن يعد ينفجر ذلك البكاء الصامت. لم يعلّمه فقدان عشتار القسوة بقدر ما منحه فهماً للحياة. لكنها عشتار، ابنة ذلك الغني، لم تكن مجرد رمز أنثوي فحسب، بل كانت الحياة ذاتها، الحلم الوردي في عينيه، ليسأل نفسه:
- ترى، هل ينتهي الحب عمّن غابوا قسرا؟ 
 صيحات طويلة تعصف برأسه، يسمعها ولا تخرج من حنجرته. أي جنون هذا؟ وأي إيلام أشد من الإفراط في الأمل؟ في مخيلته أن الحب انقضى من الوجود؛ فلا ناي يصدح بعد اليوم، فالتمني محظور، والصمت وحده المسموح. 
امضى ليلته الأولى تحت سقف ملجأ يشبه ما بُني على امتداد الساتر الترابي، وسط مجموعته، لكلٍ منهم هم يتذمر منه. يشعر بحنين على شيء ما لا يدركه تماماً، كأنه لم يفقده بعد. أيتظاهر بعدم الاهتمام؟ وهو يعلم بأنه كان مع من صفقوا لمن ألبسهم الوهم بهيئة حلم لن يتحقق، وصفقوا لتكرار الخطأ، أففي التكرار راحة تُرجى؟ أم أن الناس مكرهون على أداء ما هو مجاني؟ 
تسللت أشعة الشمس إلى داخل الملجأ، من بعض الفراغات، فشعر ببعض الاطمئنان من ذلك الظلام المستأنس. حاول استكشاف المكان الجديد بعد عودته من إجازة قضاها في إحدى المدن بعيداً عن نشأته الأولى، لكن الشظايا انخفضت فوق أغصان الرغبة حين اهتزت الأرض.
إنها الحرب؛ ليست نزهة. تأخذ من لا حول له ولا قوة بلا اعتراض، نحو المجهول. صور الأشلاء تمزق الخوالج، والأجل يدور حول الأمنيات، فلا فكاك. ينظر إلى من حوله، لا عدالة ترجى ما دامت الفضيلة ستاراً.
هناك الحدود، لكنها ليست هنا. كم تحتاج من الدماء للوصول إليها؟ عيناه تختزن الأسرار، ينظر إلى الأرض ويهمس:
- لم يبقَ لي سواك.
يا لهذا السراب الذي بدأ يتشكل، والصمت يلقي بظلاله عندما تقترب ساعة الصفر، والأصوات الهامسة في الظلام تسبق الأجساد. يشتد القصف؛ لم يبحث عن ملاذ آمن، ولم يفكر بالتراجع. يدس يده في جيبه ملامساً لقلبه، يتحسس صورة عشتار التي رسمها بقلم رصاص على علبة سجائر فارغة. تتلألأ النجوم فوق رأسه؛ لم يكن قادراً على كسر الحنين، وقد سحقه ثقل الفراق. لا يملك أن يعيد عجلة الأيام إلى الوراء، ولا إلى النسيان؛ فقد توقف قطاره عند محطة ذكراها:
- آه عشتار.
يسمع هدير الطائرات، تتسارع دقات قلبه، يستجديه ألا يخاف؛ فالقدر محتوم، والنهاية تقترب. فلِمَ الخوف؟ وما جدوى الحياة بعد أن أُجبر على ترك قريته وتلاشى حلمه مع عشتار؟ فالحب محظور في قاموس الأقوياء، ومحظور حتى الكلام. فهل تشتاق هذه الأرض لدم الفقراء؟ أم ترفضه كما يرفضهم الأغنياء؟ 
يأتيه نداء متقطع:
- عليكم بالثبات.
يقف كأنه وحيد فوق أرض تهتز. ظاهره الثبات، أما دواخله فيتآكل فيها شيء ما، كدمعة زهرة لا ترى لكنها تفوح بالأسى، كأنه يصارع وحشاً. تمر اللحظات ثقيلة في حساب الزمن. ينصت إلى أصداء صوت حزين، فتتجمع جيوش الألم دفعة واحدة: قريته، عشتار، اليتم، الفقر. لكنه ما يزال يتنفس، يشعر بزفيره المتقطع. يجد نفسه في دوامة تدور به، تأخذه بعيداً إلى حيث لا يدري، فتصغر الأشياء التي ألفها، فيناشد قلبه أن يسعفه، فلا جواب، سوى سرٌ يسكب الحزن خفياً، وكعطر بارد على شفاه الندى، فلا أثر للحلم، إلا كورقة خريف تتلاشى بلا صدى، فيقبض بيده على صورة عشتار بعد أن تعرّت جميع الأحاسيس، خشية أن يصيبها مكروه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركات الأعضاء

لوحات فنية بريشة الفنانة/ إيما تومانيان

 

المشاركات الشائعة