Translate

الأربعاء، 14 يناير 2026

قراءة في مجموعة:«الأحساء… خفايا الأرواح»للأديب السعودي عبد الله النصر*بقلم: عبد الهادي شفيق - المغرب


قراءة في مجموعة:
«الأحساء… خفايا الأرواح»

للأديب السعودي عبد الله النصر*

بقلم: عبد الهادي شفيق Abdelhadi Chafik   المغرب

لا يعد الأدب أدبًا إلا بعد قطف تلك الثمرة الناضجة من التربة الخصبة، الممتدة جذورها في الواقع، والمخصبة بأسمدة المتخيل. ولا نرتوي من بئر تنضح جوانبها بعصائر الكلمات ونفائس الحروف، إذ نعبّ منها عبًّا بلا توقف، لأن الأدب الحق لا يمنح الاكتفاء، بل يوقظ عطشًا جديدًا مع كل نص.

إن المحب للأدب لا يتوانى في حبس ذائقته داخل صفحات الحكي، ولا يتردد في أن يهيم في مسارات السرد، متنقلاً داخل سوق الحكايات، خاصة ذلك السرد الذي يتجاوز الواقع المعاش والمعيش إلى فضاءات المتخيل، حيث تتبدل القوانين، وتتداخل الصور، وتولد الدهشة.

لقد بات سرد الأحداث الواقعية أمرًا مكشوفًا لدى كثير من القراء، بل قد يشكّل لديهم صورة نمطية مسبقة عمّا يريد الكاتب إيصاله في عمله الإبداعي. غير أن القارئ المتمرس، حين يدخل عوالم الفنتازيا، قد يغيب عنه الهيكل الظاهر للعمل، لكنه يجد نفسه في قلب عوالم الدهشة والانبهار، لا بالحدث وحده، بل بالتداخل الفني، والتلاعب المهني باللغة المستخدمة، بحيث يروض الكاتب الكلمات، ويروض معها القارئ، فيدخله سراديب لا تنكشف إلا بعد الفراغ من القراءة.

وهذا ما لاحظناه ولمسناه بوضوح في العمل القصصي للكاتب السعودي عبد الله النصر في مجموعته القصصية «الأحساء… خفايا الأرواح».

 

عن الكاتب: 

عبد الله محمد النصر، قاص وروائي من المملكة العربية السعودية، من مواليد 1386هـ / 1966م، من بلدة الجبيل بمحافظة الأحساء في المنطقة الشرقية. 

وقد قدّم للمكتبة العربية عددًا من الأعمال القصصية والروائية التي أكدت حضوره الإبداعي، وتنوع تجربته، واشتغاله الجاد على فن السرد، خاصة في فضاء الفنتازيا.

ومن إنتاجه القصصي:

1.     بعث في خلايا مستقيلة – 1424هـ

2.     في المنعطف – 1429هـ

3.     من قاع النسيان – 1429هـ

4.     إحساس – 1433هـ

5.     يوتوبيا الطين – 1436هـ

6.     لا يتنفسون إلا بسلطان – 1438هـ

7.     تسونامي كالغيمة أو أخف عبوراً – 1440هـ

8.     رجالٌ خياراتهم جهنم – 1445هـ

9.     الأحساء خفايا الأرواح – 2025م

وكتب أربع مجموعات قصصية أخرى قيد الطباعة. 

أما الروايات، فله:

1.     مرآة تطلق الرصاص – 1433هـ

2.     كارزمي من فم امرأة – 1437هـ

3.     أبي وابنة القرية – 1438هـ

وله رواية رابعة قيد الطباعة. 

التعريف بالمجموعة القصصية: 

الأحساء… خفايا الأرواح عمل قصصي متميز، يفيض حبره في عمق التعبير والوصف، وينمّ عن وعي واضح بخصائص القصة وفنياتها. تتكون المجموعة من سبع عشرة قصة، تسافر بالقارئ في عالم الخيال، وتجوب به دروب الفنتازيا، تبدأ من قصة بحيرة الأصفر وتنتهي بقصة بيت القصاب، وكلما انتهت قصة، فتحت شهية قراءة أخرى.

يأتي السرد في هذا العمل بأسلوب سلس، أشبه بسيل يتسلل بين الصخور بهدوء، يبدأ القاص بتأثيث البدايات بشكل بسيط، هادئ، وبطيء، يتمكن من خلاله من شدّ القارئ ومصاحبته على مهل، حتى يدرك – دون أن يشعر – أنه قد تشرب الحبكة بطريقة غير مباشرة، وهي من أهم فنيات السرد القصصي.

ففي قصة بحيرة الأصفر، حين يذكر عزيز خريطة جده القديمة التي تشير إلى وجود كنز في البحيرة، وتحذيرات الأهالي من الاقتراب منها لأنها تبتلع من يقترب، نكون أمام تداخل فني بين الواقع والمتخيل، يتجلى في شخصنة الجمادات، وتحويل المكان إلى كائن حي فاعل. وهي عناصر تنسج خيوطًا فنية تقدم صورة سردية بألوان فنتازية واضحة، دون شعور القارئ، ودون إطالة في المقدمات، ليصطدم بالحدث مباشرة بطريقة فنية تحرمه من توقع المسار، وتغلق أمامه أفق التنبؤ.

ونجد كذلك ما جرى بين كويظم وطويهر في قصة سليسل العظيم، حيث ربط الكاتب بين عالمي الواقع والخيال، فذابت الحدود بينهما، ليذوب القارئ في رمال الترقب والتوقع، قبل أن يندهش بحدث الشركة المتخصصة في بيع الماء، التي تعيد القارئ فجأة إلى سكة الواقع.

ثم يسافر به مرة أخرى في قصة صمت العقير، التي تؤكد أن العلاقة بين الفضاء المكاني والشخصيات قد تكون أقوى من التاريخ والزمن، بل تتجاوزهما لتصنع أحداثًا قد لا تقع أبدًا، لكنها تقع سرديًا بعمقها الرمزي. فالرمال، والسفينة القديمة، والأمواج المهجورة، كلها عناصر ترسّخ فكرة الحب للأرض والانتماء لها.

وقس على ذلك بقية القصص الواردة في المجموعة، حيث تتعدد الحكايات، وتتوحد الروح الفنية.

الخلاصة: 

تمثل مجموعة الأحساء… خفايا الأرواح عملًا قصصيًا متميزًا، يجمع بين الواقع والمتخيل، ويمتع القارئ والسامع معًا، ويسافر به إلى عوالم ضاربة في عمق اللغة البلاغية والفصيحة، وعوالم السرد السلس الهادئ، والوصف الممزوج بصور فنية رقيقة.. 

هي مجموعة لا تقدم الحكاية بوصفها حدثًا فقط، بل بوصفها تجربة شعورية وفكرية وجمالية، تجعل القارئ شريكًا في الاكتشاف، لا مجرد متلقٍ.

*صحيفة أصداء سودانية،  صفحة متناثرات إبداعية،

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركات الأعضاء

لوحات فنية بريشة الفنانة/ إيما تومانيان

 

المشاركات الشائعة