طفل الشاي
بقلم
مؤيد عودة الشاوي
قصة قصيرة شعرية
كان الرصيف باردًا.
والشارع أسرع من أن ينتبه لطفل.
جلس كرّار، بعشر سنواتٍ فقط، قرب الحافة.
إبريق شاي صغير.
أكواب بلاستيكية.
وقلب أكبر من عمره.
لم يكن يبيع الشاي.
كان يبادل الدفء بالخبز.
يصبّ الشاي لعابري الطريق،
ويصبّ معه أعوام طفولته المنهوبة.
السيارات تمرّ كأفكارٍ قاسية،
لا تتوقف لتسأل:
لماذا يجلس طفل هنا؟
ولمن يحمل هذا التعب؟
كان يعرف أن الشارع وحش.
لكن جوع إخوته كان أشرس.
وكانت أمّه…
تعدّ الوقت لا الساعات.
في البيت، كانت الأم تناجي الغياب:
«يا رب… أعده لي سالمًا،
خذ الشاي،
خذ الرصيف،
ولا تأخذ قلبي الصغير».
كانت تعرف أن الرزق يمرّ من فم الخطر،
وأنها كل ليلة
تسلّم ولدها للمجهول
وتسترده بالدعاء.
في تلك الليلة،
اختلّ الميزان.
انحرفت شاحنة،
ولم ينحرف القدر.
صوت واحد.
ارتطام.
وانسكب الشاي
كما ينسكب العمر دفعةً واحدة.
سقط كرّار.
اختلط دمه بالشاي الساخن.
وصعد بخارٌ خفيف
كأن الفقر يقدّم قربانه الأخير.
آخر ما رآه:
ضوء يتكسّر في السماء،
ورصيف لا يعتذر.
في البيت،
انتظرت الأم طويلاً.
ثم جاءها الخبر
أثقل من قدرتها على الصراخ.
ضمت الجثمان الصغير،
وهمست:
«تعبتَ يا ولدي…
سأحمل عنك ما تبقّى».
لم يمت كرّار وحده.
مات سؤالٌ كبير:
كيف يسمح العالم
لطفلٍ أن يكبر على الرصيف؟
هذه ليست حكاية شاي.
إنها حكاية أمٍ
قدّمت ابنها قرباناً
لوطنٍ نسي معنى الطفولة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق