الضحية
تميزت مدينة بركان دوما بهدوئها كهدوء البحر الذي تتلاطم أمواجه الخفيفة في الصباح الباكر على الشاطئ عند مده وجزره، لكن بين عشية وضحاها تحولت المدينة إلى بُركان تناثرت حممه في كل اتجاه وذلك عندما تم اكتشاف فضيحة تحرش جنسي على فتاة في مقتبل العمر من طرف شاب يدَّعي ممارسة الرقية الشرعية.
كانت سعيدة تحت وطأة المعاناة مستعدة لتلقي العلاج بأي وسيلة كانت أو بأي طريقة وُجدت ولو في أقصى الأرض.
الشابة تنحدر من أسرة فقيرة جدا وتقطن معهم ببيت متواضع، في حي شعبي على هامش المدينة يطلق عليه دوار الميكة نسبة إلى أكياس الأزبال البلاستيكية التي كانت تلقى في مطرح عمومي كان متواجد هناك قبل أن يحول إلى وجهة أخرى، والذي استوطنت موضعه النتن منازل عشوائية، بُنيت بشكل فوضوي وبدون رخصة أو تصميم، يكفي فقط إعطاء رشوة لأعوان السلطة ومقدم الحي. إنقطعت سعيدة عن الدراسة في مستوى الثانوي بعد فشلها في اجتياز شهادة البكالوريا. تابعت بعدها العديد من التدريبات مثل السكرتارية، الحلاقة والتجميل كذلك تزيين العرائس.
بعد انتظار طال أمده حصلت أخيرا على عمل كسكرتيرة عند أحد الأطباء في عيادته.
الدكتور المرابطي الذي كانت تشتغل عنده، يدعي إنتماء عائلته لسلالة الشرفاء ويتباهى بذلك عند كل مجلس.
الإنتساب للشرفاء يعدّ ماركة مسجلة، حسب منظور بعض المنتسبين، لهم قيمة معنوية سامية وجب على الصغير والكبير، الفقير والغني، أن يقدرها ويحترمها ولهم الأولوية والأحقية في كل شيء، إذ تُمنح لهم بطاقة بيضاء يملكون بواسطتها صلاحِيَة ولوج كل الإدارات دون موعد مسبق و لا داعي للوقوف في طابور مع عموم الناس، تقضى أغراضهم دون جهد أو عناء وحتى في المسجد يحتفظ لهم بمكان في الصف الأول، مباشرة خلف الإمام لأنه يتكلف بمصاريف المسجد والراتب الشهري للفقيه.
الدكتور المرابطي لا يعرف الراحة، بل يلهث جاريا كل صباحٍ ومساءٍ وراء جمع الأموال، إلى جانب عيادته فهو يملك ضيعات فلاحية شاسعة بها كل أصناف الفواكه والخضراوات.
على الرغم من كل هذا الثراء الفاحش، قد وظف سعيدة دون عقد عمل أو ضمان إجتماعي، كان يمنحها راتبا هزيلا لا يكفي لشراء ماتحتاجه من لباسها أو ماكياج أو حتى العطر الذي تُفضل، كما لم تتمكن من مساعدة والدها في دفع فواتير الكهرباء والماء والهاتف.
قضت زهاء سنة في هذا العمل، ثم طردها الدكتور المرابطي صاحب السمعة الطيبة تحت ذريعة التأخر في إعداد الملفات وقضاء أغلب أوقاتها في واتساب مع صديقاتها.
بعد الطرد التعسفي والغير المنتظر، تربعت سعيدة على عرش المطبخ والأشغال المنزلية في انتظار الزواج الذي يبدو أنه تأخر أو فرصة أي عمل آخر.
مع توالي السنين بدأت نسبة إحتمال الزواج بفارس الأحلام تتضائل، كما لم تتمكن الظفر بوظيفة.
بلغت سن الثلاثين وهي لاتزال عازب، إذ طال الإنتظار دون أن تجني ثمار، فقد أوشكت أن تصبح فريسة بين مخالب وأنياب العنوسة.
على إثر التفكير الشاق والمُجهد في المستقبل المُقلق ومع كبر السن سقطت بين فكي إكتئاب حاد إضطرت معه قصد طبيب نفساني لتلقي العلاج، وإذا بها تسقط في فخ الإدمان على تعاطي الأدوية المهدئة والمضادة للإكتئاب.
مع اعتياد تناول هذه العقاقير ودوام إستعمالها فقدت فعاليتها، بل وأشد من ذلك بدأت سعيدة تشعر بالرُّهاب والوسواس القهري حتى أضحت لا تجرؤ على الخروج من المنزل إلّا وهي مصطحبة أمها، كانت علاقاتها بصديقاتها إفتراضية عبر وسائل التواصل الإجتماعي.
ذات مرة إقترحت عليها إحدى صديقاتها في الدرب الذَّهاب إلى رجل يبلغ من العمر ثلاثين سنة، يمتهن الرقية الشرعية، بالرغم من أنه لا يحفظ القرآن الكريم.
كان هذا الرجل في زمن مضى وقبل إقدامه على امتهان الرقية قد هاجر إلى إسبانيا للعمل هناك لكنه لم يستطع التأقلم مع الوضع وتحمل تعب ومشقة قطف الفراولة مثلا أو السكوم. غادر على إثر ذلك بلاد المهجر وقرر التعاطي إلى مهنة الرقية الشرعية من أجل الكسب السريع في مدينة بركان بعدما حفظ بعض قصار السور من القرآن الكريم. لقد جهز لذلك قاعة علاج بديكور يشبه أستوديو أفلام الرعب، مكان مظلم ومخيف وتعمه رائحة البَخُور. كان يرتدي جلبابا أبيض وسبحة بيده اليمنى.
أعد سريرا ومن فوقه كاميرا خفية. كان هذا الشاب الفقيه أعزب واستطاع كسب أموال طائلة بسرعة فائقة.
أنشأ مجموعة واتساب، أطلق عليها إسم الرقية الشرعية لعين الحاقد، ولكل أنواع السحر والمس الشيطاني.
ذاع صيته وانتشر بين صفوف الفتيات اللواتي يبحثن عن الزواج والعمل ولا سيما الحاصلات منهن على الشهادات الجامعية العليا. وصلت سمعته وتعدت شهرته حدَّ نعته بالقادر على علاج حتى الأمراض المستعصية.
كانت إحدى صديقات سعيدة قد تعودت زيارته مرة على الأقل كل أسبوع، هذه الأخيرة سقطت هي بدورها في دوامة الإكتئاب بسبب انتظارها الطويل للحصول على فرصة عمل كونها حاصلة على شهادة جامعية في شعبة الفيزياء، رغم محاولات عدة في اجتيازها مبارات الولوج لسلك التعليم بائت كلها بالفشل.
كما كان متوقعا واستجابة لنصيحة صديقتها، إتجهت سعيدة صوب الراقي بنية التداوي متمنية أن تتخلص من المعاناة النفسية والمادية.
إستقبلها إستقبالا حسنا ولائقا في الحصة الأولى حيث قرأ عليها آيات بينات من القرآن ودعا لها بالشفاء والزواج والفرج القريب.
كانت سعيدة جميلة الملامح تثير إعجاب الناظرين، وممشوقة القوام تسر العاشقين. كانت تمتاز بابتسامة عريضة، وعيناها جدابتان، واسعتان وسوداويتان.
إقترح الراقي على سعيدة أن تزوره ثلاث مرات في الأسبوع.
إستجابت لاقتراحه دون ريب أو تردد راجية من وراء ذلك الشفاء العاجل.
في الحصة الموالية طلب منها الإستلقاء على السرير ثم أعطاها كأسا به ماء كي تشربه على أساس أنه قد تلي عليه آيات من الذكر الحكيم، بعد شربها لذلك الماء تخدرت سعيدة وغاصت في نوم عميق. لما استفاقت من التخذير صرخت في وجه الراقي، باكية وهي تردد قائلة له: " ماذا فعلت بي، ماذا فعلت بي؟... "
أجابها الراقي: "هل ترين الكاميرا الخفية الموجودة في ذلك الركن، لقد صورت المشهد. بدأت ترتجف وتردد بصوت عال: تستست" لماذا هذا السلوك الحيواني، لماذا اعتديت على شرفي، هذا ظلم، هذا إجرام؟ أجابها مهددا لها : "أنصتي إلي، أوصيك أن لا تخبري أي أحد بما جرى وإلا سأفضحك في وسائل التواصل الإجتماعي و أطلق شائعة أنك كنت موافقة على ذلك". خرجت سعيدة من منزل الراقي حائرة ومزمجرة ولا تدري ما العمل؟ بدأت تُسائل نفسها إن كانت صديقتها على علم بحال هذا المعتوه، لما نصحتها بالذَّهاب إليه؟ كان عليه أن يداوي عِلته وعاهته بدل ادعائه التداوي بالرقية الشرعية، تسائلت أيضا إن كان تصرف مع صديقتها نفس التصرف، هل اعتدى عليها هي الأخرى جنسيا؟ هل تلتزم سعيدة الصمت وكأن شيئا لم يقع، أم تخبر أمها بالحادثة؟ وهي تدري تماما ردود فعل أهلها بالانتقام فتصير القضية أكثر تعقيدا، وهل تخبر الشرطة ويلقى القبض على الجاني؟ لكنها، تخشى الشوهة وتخاف على نفسها من عاقبة الفضيحة، فهي تعلم بأن المجتمع لا يرحم الفتاة المغتصبة. تساؤلات عدة بقيت عالقة دون جواب، إنصرفت تمشي لاتلتفت إلى الخلف والنكد قد أثقل ممشاها، ولجت منزل والديها ملتزمة الصمت مخافة الفضيحة وأن تشوه سُمعتها. لكن رغم كل الإحتياط والحذر تسربت فيديوهات العيب والعار وظهر العجب وصارت الفضيحة بجلاجل، وقع المحذور وتشوه المستور. إعتقل على إثرها الجاني وعوقب بأقسى حكم حتى يكون عبرة لمن يعتبر.