كان الضوء الباهت يتسلل عبر ستارة الصالون الممزقة، يرسم خطوطًا متقطعة على وجه عبدالله. أغلق عينيه لدقيقة، وكأن صوته الداخلي يطالب بهدوء لم يعرفه من قبل. بجانبه، كانت فاطمة تمسك بذيل ثوب نورة، تتحرك بإتقان، لكن يدها ترتجف أحيانًا، كأنها تشعر بثقل الأيام أكثر من أي شيء آخر.
الهدوء كان مؤقتًا. كحفيف شجر قبل العاصفة.
رن الهاتف فجأة. نظرة قصيرة بين عبدالله وفاطمة قالت كل شيء: تعرفا على بعضهما منذ خمسين عامًا. رفع عبدالله السماعة: "نعم؟" صوته واهن، وعيناه تحاولان قراءة الفاتورة. ثلاثة أشهر متراكمة، مبلغ كبير. "سأتدبر الأمر،" قال بهدوء متواري. أغلقت السماعة.
فاطمة سألته بنبرة هادئة لكنها مشحونة: "كم هذه المرة؟"
ابتلع ريقه. "شيء بسيط."
و"شيء بسيط" كان دائمًا بداية كرة ثلج تتدحرج حتى تتحول إلى جبل.
لم يمر وقت حتى دخل سعود بثقل خطواته، دون تحية، كأنه يحمل كل ضغوط العالم. جلس على الأريكة، رأسه بين يديه. "خالد رفض"، قالها وكأنها عقوبة مفروضة. بدأ الحوار بهدوء، ثم اشتعلت الكلمات: "أناني… غير ممتن… تتآمرون ضدي." حاول عبدالله أن يقول: "نحن عائلة"، لكن كلماته انكسرت، لم تصل. انتهى المشهد بابن يغادر، وأب يدفن صمته.
في المساء، جاءت نورة وعيناها منتفختان. جلست على الأرض، حضنت ركبتيها، كطفلة صغيرة. مشكلة مع زوجها، شيء عن مصروف البيت، شيء عن تدخل الأم. كلمات جارحة، ثم ندم. "أمي،" قالت بصوت مبحوح، "أحيانًا أفتقد بيتكم القديم." لم تجب فاطمة، فقط مدت يدها ولمست شعر ابنتها. أحيانًا يكون الصمت أجمل من أي جواب.
وفي الليل، رأيت فاطمة تفتح درجًا صغيرًا. أخرجت دفتراً قديمًا. لم تكتب فيه، فقط نظرت إلى الصفحات البيضاء، كأنها تحصي العواصف الماضية وتستعد للتي ستأتي.
العاصفة التالية جاءت سريعًا. طائرة ورقية لمحمد، ابن خالد، طارت إلى أسلاك الكهرباء على يد ابنة الجار. صراخ، بكاء، كلمات كالسكاكين. خرج عبدالله محاولًا أن يكون صوت العقل، لكن صوته تلاشى وسط الضجيج. رأيته يمسك صدره، يستسلم، ثم يسقط ببطء. السقوط لم يكن دراميًا، لكنه قلب الدنيا في صمت.
في المستشفى، وقف الأبناء الثلاثة خلف الزجاج. سعود يلتهم أظافره، خالد يبكي بصمت، ونورة تصلي. كل المشاحنات السابقة اختفت، ما تبقى كان خوفًا خالصًا، الأولي، على أبيهم.
عند العودة إلى البيت، جلس عبدالله على الشرفة، يراقب الحمام على السطح، ساكتًا، أضعف. لم تُحل الديون، لم تنته المشاكل، لكن الجو تغير. في ليلة هادئة، اجتمعوا جميعًا، شاي وقطعة حلوى فقط.
سعود تحدث عن مخاوفه، عن الليالي الطوال التي لا ينامها. خالد اعترف بخوفه أيضًا. ونورة شاركت زوجها شعورًا بسيطًا: "أنا أخاف." لا حلول، لا وعود، مجرد سماع حقيقي لبعضهم البعض لأول مرة منذ سنوات.
الأسبوع التالي لم يكن معجزة، بل سلسلة محاولات صغيرة. خالد ساعد سعود في البحث عن عملاء، ضاع موعد هنا وهناك، تشاجرا، لكنهما معاودة التجربة. فاطمة جلست بجانب عبدالله، بكيا معًا بصمت، لأول مرة يرون ضعف بعضهما بلا خجل. ونورة تحدثت عن خوفها مع زوجها، وتشاركوه، فتقاسمت الخشية بينهما.
مشكلة الطائرة الورقية؟ بقيت معلقة، ثم سقطت بفعل المطر. لكن فاطمة ذهبت للجارة، وبدأت حديثًا هادئًا عن صعوبة الحياة وتربية الأطفال. الطائرة لم تعد مشكلة، بل قصة تُحكى، درس صغير عن الهدنة.
الآن، لا تزال المشاكل موجودة: ديون، غضب سريع، خلافات زوجية.
لكن هناك فرق: الصمت أصبح سماحة، القدرة على الجلوس معًا دون شعور بالجدران بيننا. الذاكرة تذكّرهم بأن يقفوا للحظة، ليهدأ النزاع.
أجلس الآن في الحديقة الصغيرة، أسقي النعناع. عبدالله يجلس في كرسيه، ساكتًا. نسمع صوت أحفادنا يلعبون، يتشاجرون، يصلحون أمورهم بعد دقائق. الحياة تستمر.
هل تعلمنا كيف نوقف العواصف؟ لا. لكننا تعلمنا كيف نبني سقفًا واحدًا، حتى لو به شقوق. كيف ننام تحت صوت المطر، ونعلم أن بعض التسريبات ستحدث، لكننا سنواجهها معًا.
أحيانًا، في لحظة هدوء، أرى عبدالله يبتسم لحمامة تبني عشها. المعنى ليس في غياب العواصف، بل في وجود يد تمسك بأخرى، حتى تهب، ثم تمر.