عندما تبكي العصافير وشجيرات.
يفتح متجره المتخصص في بيع الثياب والاقمشة كل يوم على الساعة الثامنة صباحا، يشرع بكل نشاط وحيوية في كنس بعض القمامة التي تتجمع بعد انصرافه في المساء بفعل الرياح او اهمال بعض المارة قبالة المحل ، يرش قليلا من الماء ليخمد الغبار الذي قد تتسبب الريح في تطايره فيعلق بالثياب المعروضة للبيع او يلطخ واجهة المتجر ، وكم تنعش رائحة امتزاج الماء بالتراب انوف كل من صادفه من المارة وهو يرشه على الارض فيحس المرء ساعتها بجاذبية تشده إلى اصله من طين وتذكره بامه التي منها خلق وإليها سيعود ومنها سيخرج تارة اخرى.
بعد ذلك يعمد إلى سقي الشجيرات الاربعة والورود والازهار التي قام بغرسها بحوض صغير امام متجره ، يتعهدها بكل عناية ، يشذبها ، ينزع ما علق بها او نبت بجانبها من طفيليات ، وكم يجد في ذلك متعته وراحته وهو يقوم كل يوم بهذه المهمة ، فقد احب منذ صغره الاغراس والنباتات وولع بالاخضرار وهام بمظاهر الطبيعة الخلابة فعشق شدو الطيور وغناء الرعاة وخرير المياه ، فكان ينصت للطبيعة بكل جوارحه وهي تتكلم في صفاء لا يعكره عبث إنسان.
تعلق بكل ذلك حين كان يتردد على الباديه في زيارة لجدته اثناء العطل المدرسية ، فكان يقضي اجمل اوقاته في ضيافتها حتى بات يقلق من اقتراب موعد استئناف الدراسة التي تحرمه من مواصلة الاستمتاع بأجواء الهدوء والسكينة في احضان البادية
فترسخت في ذهنه قناعة مفادها ان الماء والخضرة والوجه الحسن امور ثلاثة لا محيد عنها لمن اراد حفظ صحة النظر وراحة البال وسلامة النفس من منغصات الكدر.
بعد تنظيفه محيط متجره وسقي الشجيرات ، يخرج من جيب سترته كيسا مملوءا بالبذور التي تقتات عليها العصافير فيبدا في نشرها على الارض بالقرب من باب محله ، وما هي إلا لحظات كلمح البصر حتى ترى اسراب العصافير تهبط تباعا لالتقاط حبات البذور بعد ان اعتادت هذه الوجبة الصباحية من رجل كريم ، فتراها تنط هنا وهناك وتطلق انواعا مختلفة من الزقزقات والاصوات الجميلة وترفع بين الفينة والاخرى نظرها نحو صاحب المحل تعبر له عن الامتنان لكرمه الحاتمي الذي يخصها به منذ سنين حتى الفت المكان ولم تعد تستوحش او تجفل حتى من المارة وكأنها تشعر انها في حماية وضيافة صاحب المتجر الذي يباذلها حبا بحب ويتعهدها بالعناية والحدب وكانها فلذة من فلذات كبده.
إنها نوع من المشاركة الوجدانية مع باقي الكائنات التي يجد الانسان لديها من التجاوب ما قد يفتقده احيانا لدى بني جلدته ، الم يقل الشاعر وسمعنا الطيور في الروض تشدو فنقلنا عن الطيور كلاما ، وكأن صاحبنا علم منطق الطير من كثرة حبه لها حتى بات يفهم منها كل حركة او زقزقة او نظرة وهي تقترب منه في امان وهي تقف على اغصان الشجيرات التي غرسها تعزف له من شدوها مقام الشكر والعرفان.
وكم اصبح هذا المشهد مألوفا لدى الساكنة المجاورة التي ما فتئت تثني على صاحب المتجر وتعجب بصنيعه وتعتبره من خيرة الجيران ، فما ان يصل صباحا إلى محله حتى تذب الحركة في المكان فلا ينتظر مرور عمال النظافة ، بل يتولى بنفسه تنظيف محيط المتجر وقبالة بعض المساكن المجاورة ليشرع بعد ذلك في مباشرة هوايته المحببة من سقي للشجيرات وتهييء وجبة الإفطار المعتادة لأصدقائه العصافير قبل ان يتفرغ لتلبية طلبات زبائن المحل الذين يفدون عليه لاقتناء بعض الثياب.
ولكن الرياح تجري احيانا بما لا يشتهي الملاح ، فدون سابق إنذار استفاقت الساكنة المجاورة ذات صباح لترى المتجر مغلقا على غير العادة ، فظن الكثيرون ان صاحبه قد تغيب لبعض الاغراض وسرعان ما يعود ، لكن الغياب طال اسابيع وامتد لشهور ، وكم كان منظر العصافير التي تفد كل صباح للمكان حزينا وهي تتطلع باعينها إلى المحل المغلق تتساءل عن غياب صاحبه الذي عودها على العطف والجود والحنان ، فكيف يختفي عن الانظار دون سابق إشعار او إنذار؟.
هل ياترى لها يد في هذا الغياب ؟ هل مل صاحب المتجر رؤيتها كل صباح ببابه ؟ هل اقلقت راحته دون قصد ؟ هل بات يكره العصافير بعد سنوات من الوداد المتبادل ؟ ماذا لوكان قد اصيب بمرض اقعده بالبيت ؟ من ياترى يخبرها عن سبب الاختفاء المفاجئ ؟ كيف لها ان تستغني عن وجبة الصباح في حضرته ومن يديه الكريمتين ؟ كيف تمسك عن شدوها الجميل تحية لكرمه المعهود ؟
أه! كم تكاد اعينها تفيض من الدمع حزنا على الفراق ، وما بال هذه الشجيرات قد علاها الغبار تكاد تعاني من بداية الذبول ، ما بال الطفيليات قد وجدت طريقها اخيرا إلى جذوعها واستاسدت ؟ كيف لجذورها ان تبقى ثابتة دون ماء ؟ كيف لأوراقها التي بدات تتساقط الواحدة تلو الاخرى من حزنها على صاحب المتجر الذي تعهدها منذ سنوات بالحدب والعناية ؟ كم يكفيها من دموع لتوسل غيمة وقد اغناها هذا الانسان النبيل فيما مضى عن انتظار زخات المطر ؟.
كثرت التساؤلات عن الغياب المفاجئ لصاحب المتجر من طرف الساكنة ، وتفطرت قلوبها لرؤية العصافير مرابطة كل صباح امام محله تذرف الدموع ، عاينت ذبول الشجيرات وكثرة الطفيليات لينطلق البحث والتقصي عن سبب الاختفاء.
بعد ايام توصل احد السكان إلى كون شقيق صاحب المتجر قد وافته المنية ، وأن هذا الاخير كان المالك الفعلي للمحل وقد قرر ابناؤه الورثة الحقيقيون إغلاق المتجر إلى حين تصفية التركة ليبقى كل شيء عالقا إلى إشعار آخر ، ولتذهب العصافير والشجيرات وعمهم وكل من أحب صاحب المتجر الطيب إلى الجحيم ، وهل هناك جحيم فعلي يفوق جشع الإنسان واستهتاره بالقيم الإنسانية؟.
عزيز بلعين - المغرب

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق