"التمثال المُعطَّر"
قصة قصيرة
بقلم: الشاعر والمهندس طاهر عرابي
(دريسدن — كُتبت عام 2016 ونُقّحت في 20.12.2025)
ودخل إلى شقته الصغيرة وهو يحمل سعادةً ثقيلة، خبرًا أراد أن يشاركه مع زوجته.
قالت وهي تبتسم بخفة:
— أراك فرحًا هذا المساء! هل حصلت على مكافأة مالية؟
أجاب بحماسٍ يرتجف في صوته:
— اختارني المدير حارسًا في متجر العطور الكبير! دوامي يبدأ في التاسعة صباحًا، وسأنال نومًا كافيًا، وتخلّصت من الحراسة في المصانع والمخازن… ومن الوحدة الطويلة.
لكن زوجته بقيت صامتة. جلست أمام الطاولة، وعيناها كمرآتين لا تخفيان استياءً عميقًا. فكّرت: العمل في مكان أنيق، محاط ببائعات فاتنات، قد يبدو مريحًا، لكنه يحمل متاعب غير مرئية؛ فالوقوف لساعات بين نساء يجرّبن العطور ومستحضرات التجميل قد يترك أثرًا أعمق مما يتصوّر أي رجل.
نظرت إليه ببرود، وكأن عينيها تخترقان أعماق روحه:
— كان من واجبك أن تتصل بي قبل الموافقة، أو تنتظر لنتشارك القرار. لكنك تعجّلت، تلهث خلف أنانية، وتهرب من شقاءٍ قد يتحوّل إلى مرضٍ يقتل إلفتنا!
توقّف عن الطعام مذهولًا. لم يشعر من قبل بمفاجأة كهذه. دار في ذهنه سؤال قاسٍ:
«هل هناك امرأة تحب زوجها تفكّر بهذا الشكل؟»
تسلّلت قشعريرة إلى جسده، واهتزّت يداه. نهض بخطوات ثقيلة، مستعيدًا لحظاتٍ لم يعرف فيها هذا القدر من الغيرة والاتهام.
حكّ خدّه متسائلًا:
«هل تهذي زوجتي، وهي التي تعمل سكرتيرة في مكتب محاماة وتعرف الكثير عن الأزواج؟
أم تعاقبني على شيء لا أعلم عنه شيئًا؟
أم أنها تعلم أن الحب لحظة خاطفة، وتدرك مدى خطورتها على رجل متزوّج؟»
قال محاولًا التماسك، وصوته منخفض لكنه حاد:
— هذا هراء… مزحة ثقيلة. أرجوكِ، أعيدي التفكير بما قلتِ. أما أنا فسأنسى هذه الانفعالات.
ثم أضاف، كأنه يهمس لروحه قبل أن تسمعه هي:
— كما تعلمين، أملك قلبًا متسامحًا، لكن هذه الانفعالات مؤذية، وربما تهدّد مستقبلنا. أتحرمينني من عملٍ جاءني كهدية من السماء؟
شرب كأس ماء بتأفّف وهمس:
— لقد أفسدتِ عليّ فرحتي… أتريدين هدم كل شيء؟ بيتنا؟ حبّنا؟ فقط لأنك تظنين أنني سأمتع نظري بنساء العالم؟
بدّل ملابسه بسرعة، ارتدى بنطال جينز أزرق، وحذاءً رياضيًا، وسترةً جلدية بنية، وخرج إلى المقهى. وقفت زوجته قرب النافذة تراقبه؛ رأسه مطأطئ، وسحابة دخان من سيجارته تعلو رأسه وتتبعه، كأنها ظلّه الذي لا يفارقه.
عادت مسرعة وكتبت على ورقة:
«غادرتُ إلى بيت أمي. لن أعود حتى أتأكّد أنك مخلص، وأنك تفهم متى يتحدّث العاقل بالتسامح.»
في المقهى جلس وحيدًا، يشرب كأسًا تلو الآخر، ويحاول الاتصال بها بلا جدوى. ظلّ صامتًا، تتنازعه مشاعر الذنب والارتباك، ويشعر لأول مرة بثقل انعزال روحه عن العالم، كما لو أن الهواء من حوله أصبح شفافًا وثقيلًا في آنٍ واحد.
في اليوم التالي، ارتدى زيّ الحراسة وذهب إلى متجر العطور بصعوبة. وعند عودته من المقهى وهو ثمل، تعثّر وانزلق وجهه على لحاء شجرة ضخمة، فانكشفت على وجهه ندوب وخدوش خفيفة. حاول أن يخفيها بمساحيق التجميل، ظنًّا منه أنه بذلك يتغلّب على أي صعوبة. أخذ مكانه في زاوية، كتمثال شمع، يراقب كل شيء بلا إحساس. مرّت الساعة الأولى كأنها أيام، وكل الوجوه من حوله بدت كفقاعات صابون؛ بلا طعم، بلا معنى.
ولم يشعر، حتى تلك اللحظة، أن زوجته ربما كانت محقّة.
سمع همسًا بين بائعتين قربه:
— هل هو تمثال بشري؟
— يبدو متدرّبًا جديدًا يريد الانضباط، لكنه مملّ للغاية.
وأضافت أخرى:
— لا أدري… الحارس السابق كان أكبر سنًا، لكنه كان مرحًا، ووجوده مريحًا.
تفرّقت البائعات لخدمة الزبائن، لكن عيونهن ظلّت مسلّطة عليه. تمنّى لو يقترب ويشرح ما حدث معه بالأمس، لكنه لم يجرؤ.
لاحظت البائعة سارة تصرّفاته الغريبة وسألته:
— ما بك يا سيد مالك؟ لماذا لا تتحرّك ولا تبتسم؟ هل أنت مريض أم لم يعجبك العمل هنا؟
صُعق، لكنه ردّ بهدوءٍ مصطنع:
— عملي يتطلّب المراقبة فقط، لا الابتسامات المصطنعة. كيف أراقب عبث الزبائن وأنا أبتسم؟ أحب أن أظهر طبيعيًا… أحيانًا تفكّر النساء بأشياء لا يفكّر بها الرجال.
وفي داخله كان يقصد زوجته، دون أن يفطن إلى ما يقوله.
ارتعبت وسألته:
— هل أنت أعمى؟ أم تعاني من شيء في عينيك؟
عادت سارة غاضبة لتخبر سينا:
— أظنّه أحمق. لا ينظر إلى وجهي، ويهذي عن فقاعات الصابون. وقح ومغرور… ووجهه مخدوش كأنه تشاجر مع قطٍّ بري.
صرخت سينا:
— يا إلهي! لقد سقط على الأرض، هيا إليه!
لاحظن طلاءً خفيفًا على وجهه بلون البشرة. مسحنه بمنديل، فانكشفت نقاط دم وندوب زرقاء. همست سارة:
— أخطأت في تقديري… هو ليس غريب الأطوار فقط، بل رجل يخفي الكثير.
كان همسهن قرب وجهه كافيًا لإيقاظ الموتى.
نهض محاولًا تهدئتهن وقال:
— لا شيء… تعثّرت البارحة واصطدم وجهي بجذع شجرة. زوجتي أخفت الخدوش بمستحضرات التجميل، قالت لا يليق بحارس متجر عطور أن يقف ووجهه مليئًا بالبقع، خصوصًا في يومي الأول.
شعر بسعادة لروايته. حدّق في سينا، الحسناء ذات القلادة الذهبية، والشعر الأشقر القصير. كل نظرة فتحت في ذهنه أبوابًا جديدة.
نسي فقاعات الصابون، وتحولت في خياله إلى جسد جميل، خفيف، يحلّق في الأرواح.
همس في داخله: كم هو مذهل هذا الجمال… ومع من يتقاسم حياته؟
همس في نفسه، وصمت كحجر:
«زوجتي محقّة… وأتمنى لو فهمت ذلك قبل فوات الأوان. ذهب جمالها عني، وبقي جمال لا يخصّني.»
خرج من المتجر دون أن ينبس بكلمة، وغاب كأنّه ورقة صفراء تتبعثر مع الريح نحو حلمٍ آخر، وهو يهمس في أعماقه التي فرغت ورحلت مع فقاعات الصابون.
ليس الانهيار هو الذي يُحدث الصخب، بل تلك اللحظة التي تقتل الفطنة. يا ليت للفطنة جسدًا، لتُشيَّع في حزني. لقد غابت وقت الفرح، وهذا نعشها القاسي.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق