Translate

الخميس، 15 يناير 2026

"ذاكرة النار وظلّ الجبل" بقلم الاديبة والصحفية د. سليمة ملّيزي زينب - الجزائر

 

"ذاكرة النار وظلّ الجبل"

بقلم الاديبة والصحفية د. سليمة ملّيزي زينب - الجزائر

نهضت فاطمة مع الفجر، توضّأت وصلت، ثم رفعت يديها إلى السماء تدعو الله بالتوفيق.
كان الجوّ باردًا خارج البيت الصغير الواقع في نهاية القرية، تلك القرية التي تحتضنها جبال جرجرة الشامخة، وتحفّ بها أشجار الزيتون المباركة.
كان والدها يولي هذه الأشجار عناية كبيرة، فقد ورثها عن جدّه، وكانت الزيتون مصدر الدخل الوحيد الذي يعيل به أبناءه السبعة ووالدته المريضة التي تعاني من مرضٍ عضال. أمّا أبناؤه الثلاثة، فقد تركوا مقاعد الدراسة وصعدوا إلى الجبل، ملتحقين بالثوار والمجاهدين.
كانت فاطمة، البنت البِكر، قد رفضت الزواج رغم كثرة من تقدّموا لخطبتها، إذ وجدت نفسها تقوم مقام إخوتها الثلاثة. كانت تساعد والدها في جني الزيتون وعصره وبيعه، لتسدّ رمق أخواتها الصغار.
حلّ موسم جني الزيتون.
هيّأت فاطمة نفسها؛ عجنت الخبز، وطبخت ما تيسّر من الغداء، ثم ارتدت ثيابها وحذاءها المهترئ، وهي تنتظر وعد والدها بأن يشتري لها حذاءً جديدًا بعد بيع الزيت. حضّرت كيسًا وضعت فيه كسرة خبز وقليلًا من التمر وشيئًا من اللبن، ثم نادت:
— أبي… أبي، هل ننطلق لجني الزيتون؟
ردّ عليها مبتسمًا بحزن:
— صباح الخير يا ابنتي، أنا جاهز. ننتظر فقط أبناء الجيران ليساعدونا.
وبينما كانا يستعدّان للخروج، وهما يضعان السلال على المنحدر المؤدي إلى الحقول، لمحت فاطمة من بعيد شاحنات تتجه نحو القرية.
قالت بفزع:
— انظر يا أبي! هناك شاحنات تقترب… يا رب، إن شاء الله لا يكون الجيش الفرنسي!
تأمّل والدها المشهد، ثم ضرب كفًّا بكفّ وقال:
— اللعنة! نعم، إنهم جيش فرنسا… هذا يعني أنهم علموا بأن أبنائي صعدوا إلى الجبل.
تنهد بحرقة وأضاف:
— اليوم سنموت جميعًا يا ابنتي.
قالت فاطمة بثبات:
— وماذا نفعل يا أبي؟
— لا سبيل إلا الهرب إلى الجبل، وإلا سيقتلونك.
— وتتركنا نحن؟ أمي وجدتي وأخواتي؟
— اذهبي أنتِ يا فاطمة، نحن سنتصرّف.
حمل الأب الموزيطة والكيس الذي فيه المؤونة، واتجه نحو الجبل ودموعه تنهمر.
— وداعًا يا ابنتي…
— الله معك يا أبي.
عادت فاطمة مسرعة إلى البيت، فتحت المخبأ تحت الأرض الذي يسميه أهل القرية «الكازِمَة»، حيث اختبأت هي ووالدتها وجدّتها وإخوتها الصغار، بعد أن أزالوا كل ما قد يدلّ على وجودهم في المنزل.
داهم الجيش الفرنسي القرية.
أسروا الشباب وحتى الشيوخ، واغتصبوا البنات، ولم يرحموا الكهول. ثم أضرموا النار في أشجار الزيتون، ودكّوا القرية بالقنابل، انتقامًا من شبابها الذين التحقوا بالثوار في الجبل.
لم يتركوا حتى الأبقار والأغنام؛ أخذوا ما استطاعوا، وقتلوا ما بقي.
تحوّلت القرية إلى رماد، ولم يبقَ من أهلها سوى من اختبأ في «الكازمات» والملاجئ.
وفي منتصف الليل، خرجت فاطمة وأهلها ليجدوا النيران ما تزال تلتهم بيتهم.
ولولا لطف الله، حين أنزل أمطارًا غزيرة من السماء، لما خمدت تلك النيران.
منتصف الليل 10 جانفي 2026م
بقلم الاديبة والصحفية د. سليمة ملّيزي زينب
قد تكون صورة ‏كاتدرائية القديس باسيل‏

الأربعاء، 14 يناير 2026

طفل الشاي بقلم : مؤيد عودة الشاوي - العراق



طفل الشاي

بقلم

مؤيد عودة الشاوي


قصة قصيرة شعرية

كان الرصيف باردًا.
والشارع أسرع من أن ينتبه لطفل.
جلس كرّار، بعشر سنواتٍ فقط، قرب الحافة.
إبريق شاي صغير.
أكواب بلاستيكية.
وقلب أكبر من عمره.
لم يكن يبيع الشاي.
كان يبادل الدفء بالخبز.
يصبّ الشاي لعابري الطريق،
ويصبّ معه أعوام طفولته المنهوبة.
السيارات تمرّ كأفكارٍ قاسية،
لا تتوقف لتسأل:
لماذا يجلس طفل هنا؟
ولمن يحمل هذا التعب؟
كان يعرف أن الشارع وحش.
لكن جوع إخوته كان أشرس.
وكانت أمّه…
تعدّ الوقت لا الساعات.
في البيت، كانت الأم تناجي الغياب:
«يا رب… أعده لي سالمًا،
خذ الشاي،
خذ الرصيف،
ولا تأخذ قلبي الصغير».
كانت تعرف أن الرزق يمرّ من فم الخطر،
وأنها كل ليلة
تسلّم ولدها للمجهول
وتسترده بالدعاء.
في تلك الليلة،
اختلّ الميزان.
انحرفت شاحنة،
ولم ينحرف القدر.
صوت واحد.
ارتطام.
وانسكب الشاي
كما ينسكب العمر دفعةً واحدة.
سقط كرّار.
اختلط دمه بالشاي الساخن.
وصعد بخارٌ خفيف
كأن الفقر يقدّم قربانه الأخير.
آخر ما رآه:
ضوء يتكسّر في السماء،
ورصيف لا يعتذر.
في البيت،
انتظرت الأم طويلاً.
ثم جاءها الخبر
أثقل من قدرتها على الصراخ.
ضمت الجثمان الصغير،
وهمست:
«تعبتَ يا ولدي…
سأحمل عنك ما تبقّى».
لم يمت كرّار وحده.
مات سؤالٌ كبير:
كيف يسمح العالم
لطفلٍ أن يكبر على الرصيف؟
هذه ليست حكاية شاي.
إنها حكاية أمٍ
قدّمت ابنها قرباناً
لوطنٍ نسي معنى الطفولة.
قد تكون صورة ‏طريق‏

مشاركات الأعضاء

لوحات فنية بريشة الفنانة/ إيما تومانيان

 

المشاركات الشائعة