قصة قصيرة
زفافي إلى سلمى
بقلم/ أحمد التهامى قاسم مصر/ طنطا
أخذت أقص لزملائي مدي فرحتي الشديدة لقرب زفافي إلي سلمي التي أحببتها منذ الصغر.. وفجأة قطع مرحنا وحديتثنا، نداء قائد السرية، ليخبرني بالخبر السار.. توقفت مكاني متجمدا غير مصدق ماسمعته، عادت بي الذاكرة إلي الوراء منذطفولتي البريئة.. وحديث جدتي لنا في ليالي الصيام علي ضوء القمر.. لم أنس يوم بكائها وحزنها الدفين علي أصغر واعز ابنائها، وهو خالي الذي استشهد.. كنت طفلا صغيرا، لا أعي شيئا.. وفجأة فزعت علي صوت قائد السرية الذي امرني بالانصراف لاخبر السرية بالخبر فورا.. ثم عدت اليه ليعطينا الخطة الكاملة للتنفيذ، قرأنا الفاتحة جميعا عازمين التوكل علي الله.. وانصرفنا بنظام.
تراءت امامي صورة سلمي واسرتي وقريتي النائية القابعة علي شاطئ النيل العريق.. أراها تفر وتهرب مذعورة خائفة، يملؤها الدم مشتعلة بالنيران والدخان، والجو معبأ بالسواد، ومرة أخري أراها تهيج وتموج لاستقبال الشهيد.. وأراها ثالثة، هادئة سالمة قابعة تغط في نوم عميق.. أدركني الخوف.. فكرت في حيلة ماهرة للتخلص من أصعب موقف واجهته في حياتي.. ولكني تمالكت نفسي محاولا إخفاء خوفي.. تعجبت من أمري.. لعنت حظي.. فكرت في حلمي الجميل الذي حلمت به، مرت بخاطري سنوات عمري.. دعوت ربي من كل قلبي أن أزف الي سلمي.. فردد زميلي.. ربنا يحقق أمنيتك وحلمك الكبير يافندم وتزف إلي سلمي، ثم نذر علي نفسه نذرا غاليا وكبيرا.
عبرنا القناة بسلام من الغرق والموت بعد مشوار طويل.. إحتضنا حبات الرمال ودموعنا تتساقط كالمطر المنهمر.. قمنا بتشغيل خراطيم المياة للتغلب علي الساتر الترابي المطل علي القناة، ونسف خط بارليف شاهق الارتفاع.. وجدناه ينهار أمامنا مستسلما مطيعا، يسابق الزمن والصوت والضوء، باكيا لكبرياءه، وشموخه المزيف الذي سقط فجأة، وبأنه كان سرابا، ووهما وأكذوبة كبري.. ثم رأيت رفيقي ومن حوله يتخاطفون ويتسابقون في رفع العلم المصري.. أدركني الخوف.. كنت منبهرا ومشدوها إليه، وهو يحمله بكلتا يديه فرحا به.. سمعت ورايت الطلقات النارية المصوبة نحوه بغزارة وهو فاتحا لها صدره الواسع الجسور.. فيتلقي منه زميله العلم بكل شجاعة وبسالة وفداء.. أدركني الخوف.. فكرت في الهرب.. تعجبت لأمري.. تذكرت مشهد خالي في مثواه الأخير.. لعنت حظي.. ذرفت من عيني دمعة علي هذا الرفيق الذي استشهد الآن.. مسحت دمعتي التي تدحرجت علي خدي فوجدت دما.. لم أصدق.. فزعت.. إندهشت من أين ومتي جاء هذا الدم، دون أن اشعر وكيف، وهل أصبت دون ان أدري ؟ سألت من بجانبي، لم يلتفت إلي ولم يتكلم.. سألت الاخر، نظر إلي بازدراء واحتقار.. عرفت الإجابة عن سؤالي السخيف.. إستجمعت كل قواي المنهارة والمبعثرة فجأة، لأستمر في قيادة المجموعة.. انبطحنا أرضا علي بطوننا للزحف، أصبحت انا في المقدمة بمسافة كبيرة.. انقلب الخوف إلي غضب ثائر، عندما رأيت دماء الرفيق مفروشة علي مدي واسع علي أرض سيناء.. تذكرت عهده لي ووعده الذي أخذه علي نفسه، في يوم زفافي إلي سلمي.. اندفعت إلي الموقع المنشود حتي وصلت اليه.. وضعت من حوله وبه الذخيرة والقنابل والمتفجرات الناسفة، ثم عدت الي الوراء بعيدا عن الموقع.. وبعد قليل سمعنا إنفجارا مدويا.. حمدا لله نجحت الخطة.. إنسالت دموعنا، دموع الفرحة.. احتضن كل منا الآخر.. الحمد لله.. كبرنا.. الله اكبر.. الله اكبر.. رجعت لنا سلمي سالمة.. ألف مبروك يافندم.. ياعريس.. يابطل.. للإنتصار بعد الانتظار ، والصبر الطويل.. فاليوم هو اليوم الحقيقي لزفافنا جميعا إلي سلمي الحبيبة المغتصبة.. كانت دموع الفرحة والحزن لاننا لم نفز بالشهادة الكبري مثل رفاقنا البواسل الشجعان.
عدنا لنحمل الشهداء والمصابين منا بجوار العلم المصري المرفوع عاليا خفاقا مرفرفا بجوارهم سعيدا.. فرايت صورة جدتي وخالي وصديقي الرفيق الشهيد، فاتحين لنا أذرعتهم، وعلي وجوههم البشاشة، والبهجة والسرور.. ولم أعرف المعني الحقيقي لكلمة الشجاعة، إلا وأنا أشارك في حمل رفاقي وزملائي الشهداء والمصابين، نادما اشد الندم علي أني تخليت أو ترددت لأن أكون أول شهيد، أو واحدا من هؤلاء الشهداء الأوفياء.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق