قصة قصيرة
"والدة الأصم"
وضعت يدها متشبثة بتلك السور المتين، وجهها يحمل أنات الماضي، رأت نفسها طفلة تلهو وتلعب بين الأزهار، ثم ما تحولت إلى شابة يافعة تخطف الناظرين، كانت تحمل سعادة العالم بين كفيها، حين حملت طفلها الأول.
_ماهذا...!
إنه لا يلتفت إلي مداعباتي، أتكلم معه كثيراََ وينتابني شعور أنه لا يعي ما أقول!
_حزنت كثيراََ لأجله حينما أخبرنا الطبيب أنه لن يستطيع سماعنا.
أصم... !
يا للمصيبة !
ألن تستطيعي أن تنجيبي لي طفلاََ سليماََ أيتها البلهاء؟
كانت آخر ما لامس أذنها من صياحه قبل الذهاب
رحل ولم يعد...
_أشارت إليه ليذاكر ويجتهد،فقد تعلمت لغة الإشارة وأجادتها
بات كليهما يفهم الآخر جيداََ، وعدته بأنها سوف تحضر له الدراجة التي يريدها.
صوت سيارة يضج خلفه، يسبه ويلعنه
وهو يرد له ذلك بإبتسامة.
يبتسم في وجه الحياة يحمل أمانى بريئة، فأذنه لم تلوث بعد بكذب ولا نفاق ولا قبح....
_أحتضنته بسعادة عارمة فقد حصل على المركز الأول في الصف السادس الإبتدائي
بدأ يرى نظرات أصحابه تتلون ما بين مغتاظ
مستهزئ، حاقد، مشجع...
نمت له مخالب؛ تحميه من أنياب الحياة.
_لوحت له؛ لينتبه إلى التصفيق الحاد، فنظر إليها مبتسماََ
، ثم نهض من مجلسه؛ ليتسلم جائزته التشجيعية من الدولة لذوي الإرادة فور حصوله على المركز الأول على الجمهورية للمرحلة الثانوية.
كانت تنظر إليه فخورة، وهو ينظر إليها يتلألأ وجهها بين الحاضرين، كأنها العالم... كأنه لا يرى غيرها.
_طرق الباب متدافعاََ فتحت له، اغرورقت عيناها بدموع الفرحة حينما وجدته أمامها يرتدي الرداء الأبيض مرددة :
مبارك أيها الطبيب.
عانقها مردداََ :
امتياز.... يا أمي... امتياز...
وأخذ بيديها يراقصها على نغم الأمل، وتحقق الأحلام
ترقص معه هزيلة ضعيفة متكأة على كتفه
_تذكرت ما قاله الطبيب العام الماضي
(ليلة تسلم الجائزة) :
لا أعلم ماذا أقول لك فشرح الحالة علمياََ ليس له تفسير!
لكن ما أستطيع قوله:
أن الله يعوضك
فسقوطه من الدراجه أثار خلايا السمع عنده.
أشار إليهما بالإنصراف مردداََ ستكون طبيب
(أنف و أذن ) ماهر سأنتظرك، أيها المنافس الصغير...
_رجعت بذاكرتها للحاضر عادت للنظر لوجهها في الماء
مبتسمة سأذهب إليه الآن .
( زيارتها الأولى له في عيادته الخاصة)
لقد كانت مكتظة بكثير من أطفال الصم والشباب والشيوخ...
_فجاةاصطدمت بكتفه النحيل وهو يخرج من غرفة الكشف كاد أن يهوي بعد سقوط العصا من يده
لم تصدق..!
رددت في ذهول :
أيعقل أن هو...!
تلتقي به بعد كل هذه السنوات!!!
_اعتذرت.
فلم يرد عليها
ولا يهمك.. فهو لا يسمع جيداََ الطبيب وعده بأنه سيتولي الأمر، وسيحضر له أفضل أنواع السماعات بنفسه.
هكذا ردت عليها امرأة كانت بجواره يتكأ عليها ..
وانصرفت
_ابتسمت إبتسامة باهتة
ثم طرقت الباب
دخلت إليه :
رأته يتوسط مكتبه كانت سعادتها بحجم الكون.
صاحت :
أيها الطبيب..
نهض إليها مسرعاََ مبتسماََ يقبل يدها ويرحب بها...!
مردداََ :
أمي الحبيبة...
بقلم / سهير عزوز - مصر

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق