Translate

الخميس، 9 يونيو 2022

يتم بقلم / هشام أجران - المغرب


 يتم

استوقفتني لافتة ضخمة علقت في مدخل البناية، تأملت صورتي التي توسطت اللافتة، ولم يخالجني أي شعور مميز، بل تذكرت المصور وهو يدعوني للابتسام لتكون الصورة مميزة، وأكتشف الآن أن ابتسامتي قد افتقدت الكثير من الألق. قرأت العبارة التي كتبت تحت الصورة بخط بارز: " لقاء مع عالم البرمجيات ياسين ...".
استقبلتني شابة ببشاشة، وقادتني إلى غرفة جانبية، توفرت فيها وسائل الراحة، فجلست هناك لبعض الوقت، في انتظار بدء المقابلة التلفزيونية. تقدم نحوي طفل، ليطلب مني بأدب أن يلتقط صورة معي. وافقت بلا تردد، وابتسمنا معا لتكون الصورة رائعة. شكرني بلباقة وانصرف، تابعته بنظراتي، ولم أفهم لم تذكرت طفولتي.
(كنت أكره كثيرا بدايات موسم الدراسة، وأكره أكثر أساتذتي وهم يرددون نفس السؤال: ماهي مهنة أبيك؟ وبينما يتسابق زملائي للإجابة، كنت أكتفي بالصمت، وأحملق في وجه أستاذي، وقد علت محياي نظرة بلهاء، ومسحة من الحزن والمرارة والضيق. فيصرخ في وجهي، يدعوني للكلام، ويرميني بنظرات استنكار سرعان ما تتحول لنظرات تهديد. فالسؤال واضح، سهل، بديهي. ولا يحتاج لتفكير عميق للإجابة. مما يجعله يرى في جمودي وارتكاني إلى الصمت استفزازا لشخصه. فأتكلم أخيرا، أتخلص بصعوبة من قيود كبلت لساني، ومن غصة استوطنت صدري وسدت مجرى التنفس لدي. وبصوت بالكاد تُمَيَّزُ حروفه، أجيب:
- أبي ميت.
فيربت الأستاذ على كتفي، وأحيانا يمرر يده على شعري، لينسيني واقعي الأليم. ورغم تصرفه النبيل معي، إلا أنني أكرهه. فقد استثار الجرح من جديد، وحرك الدموع الراكدة في مقلتي. وجعلني أنخرط في صراع داخلي عنيف، بين رغبة ملحة في البكاء، وبين حكمة أمي كلما لمحت حزني:" الرجال لا يبكون". فأحترم رغبة أمي، وأحبس الدموع مرغما حتى أثبت رجولتي.)
التحقت بالقاعة الكبرى، حيث ستجرى المقابلة. تفاجأت بالحشد الهائل من الحضور، والذين احتلوا الكراسي في المدرج الواسع. ارتبكت وأنا أتلقى تصفيقاتهم، وهتافاتهم الصاخبة باسمي، ولاحظت أن معظمهم شباب، ما دام اختراعي موجه لتلك الفئة خاصة.
(كبرت. تحول الطفل إلى شاب مفعم بالحياة والقوة والوسامة. وتميزت في دراستي، فحصلت على شهادة عليا في مجال برمجيات الحاسوب، وأصر مدير المعهد على مناداتي بالعبقري وهو يسلمني درع التميز. بينما أصرت أمي على أن تستثير الجرح من جديد، وهي تخاطبني بنبرة شجن، بعد عودتنا إلى البيت:
- ليت أباك كان حيا ليرى نجاحك) .
أضيئت المصابيح الساطعة، لتعلن بداية المقابلة المنتظرة. توالت الأسئلة، وتفوقت كعادتي في الأجوبة. اندمجت كثيرا في الأجواء، وتملكني شعور بالزهو والفخر، فقد سلطت علي الأضواء، وأصبح الناس يقدرون عبقريتي ونبوغي، وجعلت أمي تفتخر بي، وترى بأم عينيها أن كفاحها لم يذهب سدى.
وصحوت من غفوة المجد على صوت الصحفية تسألني:
- لا شك أنك تأثرت بأحد ما لتصل إلى هذا النجاح المبهر؟
أجبت بحيرة:
- عفوا، لم أفهم سؤالك جيدا.
أردفت بسرعة:
- سأتحدث عن نفسي لكي يتضح سؤالي. فقد تأثرت كثيرا بأمي، لأنها كانت صحفية ناجحة، وقررت أن أصبح مثلها. ماذا عنك؟ هل تأثرت بأبيك مثلا؟
لم أجب. عادت تلك الغصة اللعينة لتمنع الهواء عن مجرى تنفسي، وكُبِّلَ لساني بقيود من حديد. وحملقت في الشابة الجالسة أمامي، وقد علت ملامح وجهي مسحة من الشرود، وبعضا من تقلصات الألم.
حركت حاجبيها في توتر تدعوني للإجابة، وسرت همهمات بين الحاضرين، يستنكرون جمودي وصمتي الغريب وغير المتوقع.
وانهمرت دموعي كشلال جارف، دموع طفل فقد أباه، ودموع شاب افتقد أباه، ودموع رجل مستعد أن يقايض نجاحه ومجده بحضن واحد من أبيه.
هشام أجران/ المغرب

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركات الأعضاء

ثلاثية ملاحم بقلم : نزار الحاج علي - سورية

  ثلاثية ملاحم بقلم  نزار الحاج علي سورية أُلفة تشعر أنّ أحدهم يراقبك باستمرار، قد يبدو لك الأمر غريباً في البداية؛ تطفئ الأنوار حتى لا يراك...

المشاركات الشائعة