زيف الحقيقة
ا************ا
بمحطة الحافلة رماني بسهام عيونه الحمراء ثم قال : من تنتظر؟
قلت: أنتظر الحقيقة، قيل تمر من هنا
قال : لا يمر من هنا سوى الزيف
قلت: الزيف في كل مكان، أنا أنشد الحقيقة
قال : إذن، اِركب غيمتي، هي حافلتك
قلت: كيف أركب غيمتك وأنا لا أعرفك
قال : لا أحدٌ يعرف أحداً في هذا الكون، اِصعدْ!
قلت: لم أتقن قط فن الصعود، علمني كيف هو الصعود؟
قال : فقط اِنْوِ الصعود، تَصْعَدُ
قلت: نَوَيْتْ
قال: صَعِدْتْ
قلت: وكيف
قال : صَعِدَ شبحك، أما أنت، فتائه في عالم الزيف
قلت: ارتفعتْ بنا غيمتك عاليا
قال : كلما ارتفعتَ عاليا إلا وأدركتَ أن الزيف هو الذي يرتدي لباس الحقيقة، ذاك الذي سَرَقَ منها منذ أن استحما سَوِيَّةً في البئر.
قلت: الحقيقة حقيقة، والزيف زيف، هل تبدلت الأرض غير الأرض؟
قال : تبدل الإنسان غير الإنسان. حيث ما يَمَّمْتَ وجهك سَتَرَى الحقيقة وقد ارتدت رداء الزيف، ذاك الذي ترك لها بعدما استحما سَوِيَّةً في البئر. كل سعادة مذاقها مر، كل حب قناعه بغض، كل رحمة ثمنها مصلحة، كل أمل به ألم، كل سلام وليد استسلام
قلت: حجاب ما على عينيك جعلك لا ترى إلا سوادا في سواد
قال : بل حجاب على عينيك منعك من رؤيةِ ابتسامةِ الأنياب وغدرِ الأحباب وأنانيةِ الأصحاب وَعُلُوِ الأذناب وَجَوْرِ الأرباب وطغيانِ الخراب وعيشِ العذاب واستأسادِ الذئاب وركوبِ الذباب صهوة السحاب.
قلت: إذن خذني إلى مدينة الحقيقة حيث الحب حب والرحمة رحمة والأمل أمل والسلام سلام والصدق صدق والشرف شرف. حيث لا أنانية، لا حقد، لا غدر، لا ظلم، لا ألم، لا نفاق.
قال : أنت تبحث عن مدينة الفضيلة لا عن مدينة الحقيقة، قد يأخذك إليها أفلاطون يوما ما، هذا إن عاد من سفره الطويل.
قلت: إذن لا توجد حقيقة بهذا الكون؟
قال : توجد حقيقة واحدة وحيدة بهذا الكون
قلت: إذن خذني وغيمتك إليها، قد تكون بداية الطريق إلى الحقيقة الكاملة
قال: أنظر إلى تلك الحفرة هناك، تلك الحقيقة الوحيدة التي نجت من مكر الزيف. عنها تحدثت كل الكتب، ومنها ستعبر إلى العالم السرمدي الأزلي الأبدي الحقيقي. منها عبر آدم، ومنها تعبر ذريته، حتى تقوم قيامة عالمها المزيف
قلت: ألا توجد حقيقة أخرى غير هذه الحفرة؟
قال : ذرات سكر في بحر أجاج
قلت: إذن، أنزلني عند حفرة الحقيقة، وخلصني من عالم الزيف
قال : ليس الآن، لكل أجل كتاب
قلت: شَرِبْتُ مايكفي من الزيف، أريد الحقيقة
قال : نعم شَرِبْتَ ما يكفي من الزيف، لكن عليك أن تَشْرَبَ أكثر مما يكفي من الزيف، عليك أن تَشْرَبَ حتى يخرج من عينيك دمعا ومن جنبيك وجعا ومن قلبك حزنا، ومن فمك آها ومن قوتك عجزا ومن عزك ذلا ومن عنفوانك انبطاحاً
قلت: إذن أنزلني من غيمتك، أريد الرجوع إلى نفسي قبل أن نذوب في عالم زيفك المزيف
قال : لم تَصْعَدْ لتَنْزِل، توهمت الصعود فقط. ولم تلتقي بي، توهمت لقائي فقط. أما بحثك هذا، فلن يصل بك إلى الحقيقة قبل أن يصل بك إلى الجنون
قلت: من أنت؟ ملأت عينيي سوادا، ليتني ما الْتَقَيْتُك
قال : أنا الزيفُ الذي لبس رداء الحقيقة. استيقظْ، من نومك وأخرج من حُلْمِك ستنساني بمجرد عودتك إلى عالمك المزيف
في نفس المحطة خرجت من حُلْمِي إلى نومي، لأجد حولى نياما دخلوا ربما نفس الحُلْم، وزيف الحقيقة يرمينا جميعا بسهام عيونه الحمراء .
بقلم / محمد الإمامي - المملكة المغربية

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق