بقلم / صلاح نبيل. مصر..
بكى الهاتف من ألمها، اهتز من أنينها، فصوتها يأتِ إلى أذني في هذه اللحظة مختلطًا بآلام مزلزلة للرحم وزفرات عنيفة قاستها أثناء ولادتي، عَبرات قاستها عند إصابتي بالحمى وهي ساهرة بجواري في الوقت الذي كان أبي يغط في نوم ثقيل عائدًا من عمله منهكًا خائر القوى طالبًا للراحة حتى يواصل عمله في اليوم التالي، سمع الهاتف دعاءها فكاد يسبح، التقطت سماعته شدة لوعتها فكاد يقبلها شوقًا، كأنه أصبح من عائلتنا وتعاطف معنا، كأن الروح دبت في أوصاله فهو يشاركنا مشاعرنا ودموعنا، وهكذا دمعت عيني واغرورقت دموعًا من محادثتها فبللت الهاتف ولمعته بحنيني إلى أمي، وكأنني أقسمت ألا أدع أحدًا إلا أن يشاركني حنيني إليها، حتى موظف الإتصالات لمعت عيناه عند خروجي من كابينة الهاتف وربت على كتفي أثناء دفع المبلغ المستحق ودعا لي بالصبر.
كانت هذه كواليس المشهد الأقسى لليوم الأول من الغربة فقد فارقتها للتو مودعًا، وكانت آخر كلمانها:
-أطع والدك؛ يضمن لك ربك الجنة.
لم ترض لي بالغربة، إلا أن طموحي كان أقوى مني، فارقت جنتها الموعودة ودعاءها الغير مردود، أوصتني بنفسي خيرًا، أوصتني بديني وبصلاتي، منذ جئت للحياة وأنا ملاصق لها، مشاركًا لها الأفراح والآلام، متقاسمًا معها للحظات قاسية من الوجع والعافية، وكأن المشرق قد زاد ابتعادًا عن المغرب ببعدي عنها، أوجاع تنهش قلبي، كل شيء أصبح غريبًا مريبًا، كل الوجوه قاسية، كل العيون غريبة؛ تحولت لإنسان آخر يموت قلبه ويسيطر عليه عقله، الحسابات تملؤه أكثر من العاطفه، الشك عنده طغا على اليقين، بت أعد أصابعي بعد فراقي للغرباء، بت أؤمن مغلاق مسكني بعدما كدت أبات وباب شقتنا مفتوحًا بحضرة أمي، الآن لا أمان بعد أمانها، لا صدق بعد حسن حديثها، أي دموع الآن للفراق كاذبة إلا دموع فراقها، أي عاطفة الآن فالأشواق ناقصة بعد حنيني في حضرة روحها.
-قطرات خفيفة من الماء على عيني كأنها تمطر، استبشرت خيرًا، ريح معبقة ببقايا المسك تغمر أنفي، نسيم الأمان يغلف روحي، همهمات تصل أذني تدعوني للصبر، تبث في روعي أن غربتك أمست غربتين، إتصال مفاجيء من زوجتي تطالبني بالصبر، رحلت أمي.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق