شمس الحياة
بقلم / عبده داود
قصة قصيرة
صدفة جاء مدير عام الشركة إلى مكتبه، رأى سيمون المحاسب لا يزال يعمل بعد نهاية الدوام.
سأله: ماذا هناك يا سيمون؟
قال: أشك بأن حسابات المخازن غير سليمة، أعيد تدقيقها، وسأرفع تقريري إلى رئيس المحاسبة فور التأكد من المعطيات...
قال المدير: حسنا تفعل، لكن، التقرير ارفعه لي مباشرة...
الآن، خذ هذه بطاقة دعوة لشخصين إلى صالة باريس هناك معرض رسم، أعرف إنك تحب الفن، اذهب أنت وصديقتك وأعتذر عني، لأنني أنا على موعد مع وفد تجاري ياباني...
لم يكن عند سيمون صديقة، لترافقه، التي كانت صديقته كانت تعادل كل الدنيا...ماتت بحادث سير كان هو سببه، ومنذ ذاك، لبس قلبه اللون الأسود، وما فتئت عيناه مغرقتان بالدموع...
سأل حبيبته مرة، وهما في أعلى برج ايفل، هل تحبينني كما أنا أحبك؟
اجابت: أنا أحبك وربما أكثر، سألها وكيف لي أن أعرف حجم هذا الحب؟
قالت: أطلب مني أن أقذف نفسي من أعلى البرج، سأفعل في الحال...
دخل سيمون صالة معرض الرسم، استقبلته شابة جميلة، وسألته: أنا الرسامة ليال، هل أعرفك؟
قال لا يا سيدتي، أنا حضرت نيابة عن السيد مدير عام شركتي، كلفني بالاعتذار عن الحضور لأسباب طارئة، وأخرج بطاقة الدعوة من جيبه...
ضحكت ليال بفرح وقالت: مديرك يا سيد هو والدي
فضحكا للصدفة، وقالت له تفضل يا سيدي يا مرسال والدي...أهلا وسهلا بك في معرضي، عسى تعجبك لوحاتي وتخبر مديرك بأن الرسامة قبلت اعتذارك
أخذ سيمون يتجول في الصالة الكبيرة... يبدو بان الحاضرين الموجودين بالمعرض جميعهم من الطبقة الغنية في المجتمع، لأن العديد من اللوحات مكتوب عليها مباعة، رغم أسعارها المرتفعة... وقد لاحظ إن المعرض له وزنه فعلا، لأن محطة تلفزيونية مشهورة كانت تصور الحفل، وكان هناك صحفيون وإعلاميون وفنانون معروفين متواجدين، ليال كانت تتنقل بينهم...وترد على أسئلتهم بابتسامات عذبة
سيمون أخذ يتأمل اللوحات، بعضها يطيل الوقوف عندها وبعضها يمر عنها دون أهمية، ثم غادر بهدوء دون أن يشعر به أحد...
بعد أيام قليلة... قال له المدير، ليال أبنتي تدعوك الى وجبة العشاء غدا عندنا في المنزل...هذا أربك سيمون وخجل يسأل عن سبب الدعوة أو مناسبتها...
استقبلت ليال سيمون وأهلت به بحرارة، وجاء بعض الأصدقاء أيضا.
قالت ليال: دعيتكم حتى تشاهدوا فلما تلفزيونيا عن معرضي الأخير...
الفلم بالفعل عمل متقن وجميل، يصور جميع اللوحات وجميع من كان في المعرض...
الذي لفت نظر ليال في الفلم هو اهتمام سيمون بإحدى اللوحات تحديدا، اهتماما ملفتا، وهذا ما جعلها تدعوه إلى العشاء...
يظهر الفلم سيمون أمام إحدى اللوحات التي تصور صبية تحمل باقة ورد، وهو يتأمل اللوحة، ويتذكر حبيبته الراحلة، عندما قدمت له باقة ورد في عيد ميلاده قبل رحيلها، وكانت عيناه تزرفان الدموع، مما جعل ليال مستغربة، وأحبت أن تعرف سر تلك الدموع...
بداية سيمون رفض البوح بأسرار لم يسمح لها ابدا رؤية النور قبل تلك الليلة، لأنها أسرار يعتبرها من مقدسات قلبه...
لكن تحت الحاح ليال ووالدها، باح بقصة حبه الكبير قصة الحادث الأليم، وقصة الغيبوبة التي دخلت فيها حبيبته، وعن عجز الأطباء وفشلهم في انقاذ فتاته...وبالتالي موتها هو سبب دموعه الحزينة العصية عن التوقف، وجراحه التي تأبى أن تندمل...
كانت عينا ليال تدمعان. شعرت بأحزان الحب، ومشاعر سيمون الرقيقة، كنسمات الربيع الصباحية...
شعرت بحنان قلبه، ورقة مشاعره، وقالت بصمتها: لم يعد يوجد مثل هذا القلب الطاهر في هذا العصر الصناعي المادي الصعب...
قبل مغادرة سيمون منزل مدير شركته، قدم له التقرير المالي عن مخازن الشركة.
أعجب مجلس الإدارة بتقرير سيمون المالي، ودقة المعلومات الواردة فيه، وبعد مناقشة التقرير أحيلت لجنة المخازن للقضاء... فتم زج بعضهم في السجن، وطرد آخرين من عملهم.
نال سيمون حظوة كبيرة في الشركة ونال ترقيات جيدة بالرتبة والراتب...
ليال منذ ذلك العشاء في منزلها، بدأت شعلة حب سيمون تشغل فكرها وحتى قلبها...
هي صارت تتردد على الشركة كثيرا، وتطلب من سيمون أن يرافقها لمعارض رسم في المدينة، بحجة نظرته الناقدة الحساسة للفن...وكثيرا ما كانت تدعيه لوجبات عشاء، وكانت هي وأهلها يكررون قصة الحادث بأنه قضاء وقدر...
بالفعل مع الأيام، بدأ سيمون يقتنع بأن الحادث كان قضاء وقدر... وبدأت أشعة الشمس تتسلل إلى قلبه، وبراعم حب جديدة، بدأت تتفتح في فكره... وستائر الحزن أخذت تتساقط من كيانه، وظهر القمر من جديد ينير حياته... وفتح قلبه لتملأه ليال... وملأت قصة الحب كيانهما، وأشرقت شمس الحياة.
بفضل اخلاصه لعمله تم اختياره ليكون هو معاون المدير العام للشركة...
القاص: عبده داود
تموز 2022

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق