قراءة انطباعية في نص " شطط" للقاص والكتاب العراقي المبدع : مهدي الجابري، بقلمي : محمد أبو الفضل سحبان.
*النص : "شطط"
جعل كل شيء وراء ظهره، حرسها بسبعة أفيال؛ خطا سبع خطوات..
أهداها زهرة اللوتس ذات الوريقات السبع..
داهمه الخوف؛ ولى هارباً! دعا الله مخلصا.
1- العنوان
"شطط" من شطَّ.شطًّا وشَطَطًا وشُطوطًا ..ونقول شَطَّطَ فِي حُكْمِهِ: بَالَغَ فِي الشَّطَطِ، فِي الْجَوْرِ.. ومنه الشطط في استعمال السلطة، في حب النفس، المال، الخيال .. وهو مبالغة وإسراف ومجاوزة للحد أي لخطوط المباح والمتاح بمعنى ما .قال تعالى في سورة الجن : (وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا ) .. أي قولاً مفرطاً بعيداً عن الصواب.والشطط يأتي أيضا بمعنى البعد في المكان والافراط فيه ..مقدمة كان لا بد منها لما للعنوان من أهمية ولكونه اختير لهذا النص بعناية.
2-مدخل :
المتأمل لهذا النص الشاعري العميق والذي لا يخلو من غرابة، ومع المتعة التي يجدها وهو يحاول مسك خيط رابط بين عقدته وحله.. قد يبدو من أول نظرة أنه نص قادم من زمن غريب غير الزمن الخاطف الذي يجري الآن بسرعة الضوء...لكن النظرة للصورة ستختلف حتما عند تغيير الزاوية ...قراءتي المتواضعة كقارىء متذوق ليس إلا، إذ لا نملك من الأدوات المعرفية والدراية بالمناهج التحليلية ما يؤهلنا لذلك.. هي محاولة تقريبية لبعض أبعاد هذه اللوحة الفنية الجميلة التي تفنن مبدعها في نسجها ورسمها بالأرقام والحروف، ..
3- المتن : الصراع وهو القطب الذي تدور عليه رحى أي معركة حاضر في هذا النص بقوة ويوفر مستوى من التشويش القادر على جذب القارئ وتوريطه في اكتشاف ما يحدث ..صراع يحركه ضميران .هل هما حقا : الوهم والحقيقة ؟؟..أحدهما مذكر و الثاني مؤنث .. متصلان روحيا منفصلان جسديا.. وهذا ما يوحي به ظاهر النص أو منطوقه، والأكيد أنه يخفي في باطنه أكثر مما يظهر ..وتطرح الأسئلة : هل هي قصة من قصص الحب الخرافية ؟!.. وهل هي ملكة بجمال كليوباترا حتى يدير للأرض ظهره. وهل هو فرعون زمانه حتى يحرسها بسبعة أفيال وبكل ما يحمله الصوت من دلالات لقوة والإخلاص والحكمة والرجولة ؟!. ... ولماذا الرقم سبعة بالضبط ؟؟ وهل يمكن التماس العذر لذلك البطل الاسطوري الذي يجازف بحياته للخطو نحو تلك الساحرة الفاتنة أو كما نظن بذلك العزم وذلك اليقين، ليهديها زهرة الحياة " اللوتس" عربون تكفير صادق : جذورها في الطين، سيقانها في الماء، اوراقها في الهواء.. تمتص النار من الشمس لتتفتح وتنُور...أسئلة وأخرى تطرح نفسها على هامش صورة فوتوغرافية حية تطل من خلالها على تقلب الحال وتغير المواقف.
4- المعجم : دلالات توظيف الرقم 7 في النص.
سبعة أفعال، هي ما شكلت الجمل السبعة للنص ( جعل/حرسها /خطا / أهداها/ داهمه/ ولى / دعا)
تكرار الرقم سبعة في النص في ثلاثة مواضع ( سبعة أفيال - سبع خطوات - الوريقات السبع ).. والسؤال الذي يمكن أن يطرح ؟؟ لماذا استعمل الكاتب الرقم سبعة وهل من تفسير منطقي ؟؟..أعتقد أنه اختيار لم يأت بمحض الصدفة .. وربما أن البحث في دلالات هذا الرقم وأسراره الرمزية واللاهوتية قد يوحي ببعض الاشارات العلمية، التاريخية؛ الفلسفية، الدينية، التي قد تخرجنا من هذا المازق؛ بدءا من الآلهة السبعة والحكماء السبعة وغيرها من أساطير الأولين مثل ما ورد ذكر العبارة في القرآن الكريم، رقم كان يرمز به المصريون القدامى لأفكار الكمال والمثالية والإيجابية أو التأثير، ..رقم له حضور فاعل في الأدب العربي قديمه وحديثه : ملحمة جلجامش) و(قصة الطوفان)، ميخائيل نعيمه في كتابه الشامل ( سبعون) وأيضا( المراحل السبع ) لجبران خليل جبران ...
وتعده بعض الثقافات رمزا للحظ، فيما تعتقد أخرى أنه رقم مقدس ومنطقي لأنه يرمز للحركة والحياة..رقم ورد ذكره كذلك في القران الكريم في عدد من المواضع دلالة على مكانته وأسراره، وهو ثاني أهم رقم بعد الواحد الذي يرمز لله الأحد الصمد الذي خلق سبع سماوات وسبع ارضين، ومن الأيام سبعة.. وهو رقم سحري في بعض الثقافات لأنه رقم لا يقبل القسمة إلا على نفسه في دلالة على التفرد والتميز والقوة...وباعتقادي أن هذه الدلالات هي ما يشفع لهذا التوظيف المدروس للرقم 7 الذي جمع في النص بين المتناقضات للدلالة على ضعف الانسان وأن الكمال والقوة لله وحده.. ..قال تعالى: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} وهنا دلالة الاقتضاء تقتضي أن هنا شيء محذوف، تماما مثل نهاية القصة والتقدير في الآية : إذا ركبوا في الفلك، ثم هاج البحر، وتلاطمت بهم الأمواج، إذا بهم يخافون من الغرق: {حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ}
5- القفلة:
موزونة فيها تقاطع جميل مع النص القرآني، وقد توفق الكاتب إلى حد كبير بنظري في خلق أزمة رغم تعدد وجوهها وابعادها ..لكنها استطاعت أن تحقق لحظة انقلاب مفاجئة . تربك المتلقي بإيجازها وإضمارها وتكثيفها، وتخيب أفق انتظاره بجملها المتقلبة و الصادمة
6- الفنيات:
رحلة روحية أخاذة تمتزح فيها الشاعرية بالواقعية في تناسق فني بديع .. "شطط " قطعة من الحياة بسالبها وموجبها أجاد الكاتب نسجها بلغة قوية ومؤثرة.. نص يصدق فيه قول صلاح فضل في كتابه "الواقعية في الابداع الأدبي" : (فالكاتب لا ينقل الواقع حرفياً ولا يبعد عنه تماماً الى عوالم أخرى غير متماسكة كما في السريالية ولكنه يلتقط السر المهم الكامن في أحشائه ).
7- هذه القصة : في جملة، سرها يظل بالنهاية في بطن كاتبها ..فهو من عقد العقدة وهو من يملك مفتاح حلها.. هي قصة رجل شط عن جادة الطريق- أي خرج عن الفطرة السليمة -واعتنق البودية، وكان لزاما عليه أن يلتزم بتعاليمها ويؤدي طقوسها ومنها حراسة المعبد بسبعة أفيال والخطو نحوه سبع خطوات وإهدائه زهرة اللوتس ذات السبع ورقات..وسيكتشف هذا المسافر قبل فوات الأوان أن المحطة تلك وهمية ومحيطها محفوف بالخطر .. يهرب..يدعو الله مخلصا .. قصة من القصص الحاضرة في الأذهان ( قصة أبي جهل الملعون الذي حارب الرسول عليه الصلاة والسلام ونجاه الله مع ذلك من الغرق بعد الهرب لحكمة يعلمها، والقصص المماثلة لا يمكن حصرها في زمان أو مكان وهي موجودة في واقعنا الفعلي وبصورة لا تحتاج للتكبير.. عميقة وهادفة.
كل التقدير.
محمد أبو الفضل سحبان.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق