بين صوتين (2) –
شارك النّاس في جميع تحرّكاتهم نحو ما يجمّل حياتهم ويجعلها أسهل. ناقشهم بكلّ جوارحه، بل حفّزهم على اتّخاذ قرارات مهمّة. اقتنعوا ببعضها، وتجاهلوا البعض الآخر، وسخروا منه أحيانا. وقف أمام المرآة، فرأى نفسه ساذجا، كمن يحفر في الماء، أو كمن يصبّ الماء في الصّحراء وينتظر أن يستقرّ على سطحها.
بدأ يناقش ممارساته. رأى أنّ الوقوف مساندا لقضايا النّاس وقضاياه واجب على عاتقه، وعلى عاتق كلّ مثقّف درس في المعهد والجامعة، فتفطّن وفهم، واتّسعت ذائقته الإداريّة للمواضيع الهامّة وغير الهامّة، للأشياء الكبيرة والصّغيرة، لتفاصيل الحياة اليوميّة التي لم يعد يلتفت إليها من قبل.
في حين خاطبه عقله الباطنيّ: ماذا ربحت من ذلك؟ ماذا استفادت عائلتك ممّا تفعل، ومن نضالاتك؟ فيجيب بكلّ ثقة: المهمّ هو المحاولة، ومزيد من المحاولة، والصّبر على النّتيجة، فالفائدة والرّبح سيأتيان، ولو بعد حين.
ثمّ تعود دواخله لتقول له: أغلب النّاس تسعى للكسب من أيّ حركة تقوم بها، وقد يبيعون كلّ شيء لأجل غاياتهم الشّخصيّة، حتّى بلدانهم باعوها. وأمّا أنت، ولأنّك عاجز عن الارتقاء فوق الشّكوك والغرور، فتكتفي بتعليق فشلك على الآخر، ولا تتقدّم قيد أنملة. أفق من غفلتك، واسع نحو مستقبلك، وذر من يرمي بك إلى الأمام ككبش فداء أو حطب نار، ليس لك فيها فائدة ترجى.
لكنّ العقل الخارجيّ يثبّته من جديد: انظر كيف يحترمك النّاس لما تفعله من أجلهم. ألم تر كيف أنّ أبويك فخوران بك لما يسمعانه من الآخرين، ولدعواتهم لك؟ هذه المشاهد الصّغيرة، هذه اللّمسات الخفيّة، هي التي تبني المعنى، وليست المكاسب الماديّة أو المظاهر فقط.
وفي النّهاية، يجمع عقله الدّاخليّ والخارجيّ، ويرسيهما على فكرة واحدة: الإنسان اجتماعيّ بطبعه، وتفاعله مع المجموعة التي يعيش داخلها مطلوب، بل واجب. وأنّ الجهد الصّامت، والمحاولات اليوميّة، ليست مجرّد عبء على الذّات، بل بناء للحياة التي تتجاوز الفرد إلى كلّ من حوله، للحاضر وللمستقبل. هنا، في لحظة الوعي هذه، يفهم أخيرا أنّ القيمة الحقيقيّة ليست في النّتائج وحدها، بل في التّجربة، في التّفاعل، وفي الشّجاعة على المحاولة رغم كلّ شكّّ.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق