( انفصام )
قصة قصيرة
بقلم
إلهام فخري
ثمة شيء يحدث لا أعلمه..
الشوارع فارغة من المارة والسيارات، ترى ما السر؟
الشاشات المتواجدة في الشوارع كلها حدث واحد ومشهد واحد: مشاهد أهرامات.. معابد.. وتماثيل.
انزويتُ في ركنٍ على الرصيف أتابع ما يدور. هل أنا في حلم؟ أيمكن أن يكون الزمن قد عاد للخلف؟ أشعر أنني أحيا في عصر قدماء المصريين!
لا.. لا.. أزحتُ هذا التفسير من عقلي، وابتسمتُ ابتسامة سخرية من حالي، خاصةً وأنني سمعتُ طفلاً يسأل آخر عن تاريخ اليوم وهما في طريقهما للمدرسة صباح اليوم، وكان رده أنه الأول من شهر نوفمبر من عام ألفين وخمسة وعشرين، كما أكدت الساعة والتاريخ المكتوب في الركن الأسفل للشاشات قول التلميذين.
فكيف يكون هذا اليوم والسنة والناس تلبس ملابس قدماء المصريين؟ أي حيرة هذه التي أنا فيها؟ أشعر بالدوار.. ما زلتُ منزوياً في ركني على الرصيف. استوقفتُ رجلاً لأسأله: "في أي عام نحن؟"، فردَّ بما أكدت عليه نتيجة الحائط صباحاً، والطفلان، والشاشات المعروضة.
تخبرني الشاشات أن حدثاً عظيماً اليوم: (افتتاح متحف الحضارة).
والمذيعة للتو تعلن وصول زعماء العالم للافتتاح والاحتفال بحضارة سبعة آلاف عام، وأنه الحدث الأعظم على مر السنين. ما أروع ما أشاهده! وأي جمال هذا الذي أراه! وأي عظمة كانت حياة القدماء! ليت الزمان يعود بي لأحيا بين أروقة وطرقات مصرنا القديمة.
لم أكن الوحيد الذي يشاهد الشاشات وينصت للسيدة التي تنقل لحظة الافتتاح، فالكل في حالة انبهار لما يُذاع ويُعرَض. كلنا مشدوهون كأن على رؤوسنا الطير من فخامة المشاهد والأضواء والتصاميم. وفي غمرة انبهاري بما يدور، وكأني في حلم، شعرتُ للحظة أنني أحيا في مكان غير مكاني وزمان غير زماني؛ لأستفيق على صوت أحدهم يسألني: "ألن تأتي لنشاهد عن قرب مراسم الافتتاح ورؤية زعماء العالم وهم يفتتحون متحف الحضارة؟".
تعجبتُ من كلامه! كيف يسألني هذا الرجل هذا السؤال؟ أيسخر مني؟ ألم يلاحظ ثيابي المهلهلة وحذائي المثقوب؟
رددتُ عليه:
"بلى.. سأبحث عن أقرب صندوق للقمامة، علّني أجد بقايا طعام لأبنائي الجوعى".
تمت
إلهام فخري
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق