بقلم
لينا السعدي
العراق
في شارع الرشيد في بغداد، حيث تختلط الذاكرة برائحة القهوة، يجلس( الحاج خضير) في دكانٍ صغير بسوق الصفافير، يطرق النحاس كما لو كان يوقظ زمنآ نائمآ. تعلّم الحرفة من أبيه طفلآ، فصارت مهنة وهوية وطقس حياة. يخرج بعد الفجر، ويعود متعبآ، راضيآ.
كبر أولاده الثلاثة بين صوت المطرقة، ثم غادروه: مهندس، محامٍ، طبيب. رأوا في عمله بقايا زمنٍ قديم، بينما رآه هو امتدادآ لروحه. ومع تراجع الطلب، بقي في دكانه، ثابتآ كجذع نخلة. وحين حاولوا إقناعه بترك السوق، سمع في نصحهم خجلآ لا شفقة. تساءل بصمت: هل يصدأ الإنسان إذا تُرك بلا اعتراف؟
دخل عليه سائح أجنبي، توقف طويلآ دون كلام، كأن القطع تُخاطبه بلغةٍ يعرفها. مرّر أصابعه على النحاس بحذر، وسأل عن السعر. حين قال الحاج خضير الرقم، ابتسم السائح وهزّ رأسه: «أريدها كلّها». سكت الحاج لحظة، ثم أبعد بعض القطع جانبآ وقال بهدوء لا يقبل المساومة: «هذه ليست للبيع… هذه أنا». نظر السائح إليه، لا إلى القطع، وطلب أن يسمع الحكاية.
وبعد أيام عاد السائح بفريق تصوير، يوثّق الحِرف المنسية. انتشر الفيلم، وعاد الناس، لا ليشتروا فقط، بل ليسمعوا.
شاهد الابن المهندس الفيلم مصادفة، فرأى يدي أبيه كسجل عمر. أخرج دلة قديمة باسمه، وفهم متأخرآ. سمع المحامي زملاءه يمتدحون الحرفي العراقي، فصمت لأن الاعتراف كان أثقل من الصمت. أما الطبيب، فقال له مريض مسنّ: «تعبوا ليصير أبناؤهم شيئآ آخر». فعرف أن أباه لم يكن عنيدآ، بل خائفآ من المحو.
اجتمعوا تلك الليلة. بلا تبرير، بلا كلام زائد. وفي الصباح دخلوا الدكان وقالوا: «نحن آسفون… نريد أن نتعلّم».
نظر إليهم طويلآ، ثم وضع مطرقة على الطاولة:
«ابدأوا من هنا… من الصوت».
وعاد النحاس يرنّ، لا كذكرى، بل كحياة تُورَّث.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق